.

أمريكا ليست بالقوة التى تظنَّها

Foto

لقد انتهى زمن القطب الواحد.. وواشنطن آخر مَن يدرك ذلك


 

ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»

 

لقد انتهى زمن القطب الواحد، وواشنطن آخر مَن يدرك ذلك.

 

ما مدى قوة أمريكا حقًّا؟ هل لا تزال قوة القطب الواحد التى تستطيع فرض إرادتها على الخصوم والحلفاء والمحايدين وإجبارهم -وإن كان على مضض- على مسايرتها فى سياسات يعتقدون أنها حمقاء أو خطيرة أو ببساطة تتعارض مع مصالحهم؟ أم أن هناك حدودًا واضحة ومهمة لقوة الولايات المتحدة، الأمر الذى يشير إلى أنها ينبغى أن تتعامل بانتقائية واستراتيجية أكثر عندما تحدَّد الأهداف وتسعى نحوها؟
 
لقد تبنت إدارة ترامب الموقف الأول، خصوصًا منذ أن أصبح جون بولتون مستشار الأمن القومى بالبيت الأبيض وتولِّى مايك بومبيو وزارة الخارجية.
وأيًّا كان حدس الرئيس فى بداية الأمر فقد مثَّل قدومهما عودة إلى المقاربة الأحادية الصارمة تجاه السياسة الخارجية التى اتسمت بها الفترة الأولى لرئاسة جورج بوش الابن، فى ظل سيطرة نائب الرئيس ديك تشينى، والمحافظين الجدد. ومن أهم سمات تلك المرحلة المبكرة كان افتراض أن الولايات المتحدة شديدة القوة إلى درجة أنها تستطيع التعامل وحيدة فى كثير من الأمور، وأن الدول الأخرى ستخضع أمام استعراض قوة وتصميم الولايات المتحدة. وكما قال أحد كبار مستشارى بوش (والذى أفادت التقارير أنه كارل روف) للصحفى رون ساسكايند: «إننا إمبراطورية الآن، وعندما نفعل شيئًا نخلق واقعنا الخاص بنا». التنازلات وبناء التحالفات كانت من شأن الضعفاء والمسالمين، كما أفادت التقارير أن تشينى نفسه قال عام ٢٠٠٣: «نحن لا نتفاوض مع الشر، بل نهزمه».
 
وقد نتج عن مقاربة بوش/ تشينى سلسلة من الإخفاقات، إلا أن نفس الغطرسة الأحادية حية فى إدارة ترامب. فهى واضحة فى قرار ترامب بالتهديد بحروب تجارية «أو فى بعض الحالات بدأها فعلًا» ليس فقط مع الصين بل أيضًا مع كثير من شركاء أمريكا الاقتصاديين. كانت جزءًا أساسيًّا من القرارَين المندفعَين بالخروج من الشراكة العابرة للمحيط الهادى واتفاق باريس للمناخ. إنها أساس مقاربة «أقبل أو أرفض» التى تتبعها الإدارة فى الدبلوماسية مع كوريا الشمالية وإيران، حيث تعلن واشنطن عن طلبات غير واقعية ثم تزيد من العقوبات على أمل استسلام المستهدفين الذين بدورهم سيعطون الولايات المتحدة كل ما تريده، وهذا على الرغم من أن هذه المقاربة قد فشلت مع البلدَين فى السابق.
 
ويصبح الأمر أكثر وضوحًا فى القرار الأخير بفرض عقوبات ثانوية على الدول التى لا تزال تشترى البترول الإيرانى، وهى الخطوة التى تهدِّد بارتفاع أسعار البترول والإضرار بعلاقات الولايات المتحدة مع الصين والهند وتركيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها. والأمر مؤكد أيضًا فى ما يتعلق بما يطلق عليها خطة سلام التى يَعِد كبير محاسيب ترامب، زوج ابنته جاريد كوشنر، بأن يكشف عنها، وهو المقترح المرجح أن يسعد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، والمتبرع الجمهورى شلدون أدلسون، وغيرهما من محبى فكرة إسرائيل الكبرى، غير أنه لن يفعل أى شىء على الإطلاق من أجل الدفع بقضية السلام. ويمكننا أن نرى إيمانًا مشابهًا بقدرة أمريكا الهائلة على السيطرة على النتائج فى الاعتراف السابق لأوانه بخوان غوايدو كرئيس انتقالى لفنزويلا، والمطالبات الأمريكية الحادة برحيل مادورو. وأيًّا كانت رغبتنا فى الوصول إلى هذه النتيجة فمن الظريف أن تكون لدينا فكرة ما عن كيفية إخراجها.
 
إن الافتراض الأساسى وراء كل هذه السياسات هو أن الضغط الأمريكى -«الاختيال» كما يسميه بومبيو- فى النهاية سيجبر الخصوم المعترف بهم على فعل أىٍّ ما تطلبه الولايات المتحدة منهم، وأن الدول الأخرى لن تجد طرقًا لتجنب أو إعاقة أو تحويل أو تخفيف أو تطويق أو منع أو إنكار ما تحاول واشنطن القيام به. إنه افتراض بأننا لا نزال نعيش فى لحظة القطب الواحد وأن كل ما يهم فى الأمر هو إرادة استخدام القوة المتاحة لأمريكا.
 
وربما أهم ما فى الأمر هو أن هذه المقاربة تنكر وجود أية عمليات تفاضل حقيقية بين أى من هذه الأهداف. إذا كانت الولايات المتحدة بهذه القوة حقًّا ففرض عقوبات على الصين نتيجة شرائها البترول من إيران لن يكون له أى تأثير على المحادثات التجارية الدائرة حاليًّا مع بكين، ولن ترد تركيا للضغط نفسه بالاقتراب أكثر إلى روسيا. كما تفترض المقاربة أن حلفاء أمريكا فى منظمة حلف شمال الأطلسى «الناتو» فى أمسّ الحاجة إلى الإبقاء على الجيش الأمريكى فى أوروبا، إلى درجة أنهم سيتقبلون الإذلال مرارًا وتكرارًا وسيتبعون القيادة الأمريكية ضد الصين، وهذا على الرغم من الدلائل المتزايدة على أن الأمر عكس ذلك. ولا ترى هذه المقاربة أية سلبيات فى التداخل مع مصر وإسرائيل والسعودية والخليج، ولا ترى كثيرًا من الخطر إذا تطورت العلاقات مع إيران أو غيرها إلى الحرب.
 
وإحقاقًا للحق، ليس من الصعب فهم لماذا يعتقد الصقور أن بإمكانهم الإفلات بهذه المقاربة للسياسة الخارجية، على الأقل على المدى البعيد. على الرغم من الكثير من الخطوات الخاطئة لا تزال الولايات المتحدة قوية جدًّا. ومساعدتها الفعالة لا تزال شيئًا تريده بعض الدول الأخرى، وقوتها المركزة لا يستطيع أحد تجاهلها. ولا تزال الولايات المتحدة سوقًا كبيرة وقيّمة، ويظل الدولار العملة الاحتياطية الأساسية فى العالم، كما أن القدرة على قطع الدول الأخرى أو المؤسسات المالية عن البنية التحتية للتمويل العالمى تعطى لواشنطن نفوذًا غير عادى. واعتاد كثير من حلفاء الولايات المتحدة على إرجاء الأمور لواشنطن، وبالتالى يترددون لأسباب مفهومة فى فعل أى شىء قد يشجع الولايات المتحدة على سحب الدعم. كما يستطيع ترامب وشركاؤه الاعتماد على دعم توائم الروح المستبدين فى اليمين الأوروبى (بما فى ذلك الحاكمين الحاليين لبولندا والمجر) إلى جانب حلفاء أمريكا المتنازلين أخلاقيًّا فى الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك فأغلب الأمريكيين لا يهتمون كثيرًا بالسياسة الخارجية ومستعدون عادةً لمسايرة أىٍّ ما يفعله الفرع التنفيذى من الحكومة ما دام لا يثبت أنه عالى التكلفة أو مخجل.
 
ومع ذلك، هناك أسباب أقوى وراء عدم إنتاج هذه المقاربة المتنمرة لأى نجاحات فى السياسة الخارجية حتى الآن وضعف احتمالية أن تنتج أى نجاح ملحوظ فى المستقبل.
 
أولًا، حتى الدول الأكثر ضعفًا تكره الرضوخ للابتزاز لسبب واحد بسيط: بمجرد بيان أنه من الممكن إجبارك قد لا تنتهى الطلبات بعد ذلك. إضافة إلى ذلك، عندما تصر الولايات المتحدة على استسلام كامل (مثل المطالبة بنزع السلاح تمامًا فى كوريا الشمالية أو تغيير النظام فى إيران) فهى لا تعطى الدولة المستهدفة أى حافز للامتثال. وبما أن ترامب قد اتبع أسلوبًا مضللًا ومتقلبًا فى الدبلوماسية، ما الذى يدفع أى قائد أجنبى إلى تصديق أى من الضمانات التى قد يقدمها هو «أو بومبيو»؟ ضع كل هذه الأمور سويًّا وستجد نفسك أمام الوصفة المثالية لـ«اللا صفقة».
 
ثانيًا، التسلُّط على الجميع يجعل من الأصعب تأسيس تحالفات قوية دعمها من شأنه تعزيز التأثير الدبلوماسى الأمريكى. ولعل هذه المشكلة أكثر وضوحًا فى المقاربة العشوائية للإدارة تجاه الدبلوماسية الاقتصادية مع الصين. فبالخروج من الشراكة العابرة للمحيط الهادى وبدء عراك تجارى مع شركاء أساسيين آخرين أضاعت الإدارة فرصة تنظيم تحالف أوسع من القوى الصناعية توحده الرغبة فى أن تصلح الصين من ممارساتها الاقتصادية. وربما يحصل فريق ترامب التجارى على صفقة ما مع بكين، لكنها لن تكون بجودة ما كانوا ليحصلوا عليه بجهد أكثر تطورًا وتعاونًا.
والدرس نفسه تقريبًا ينطبق على إيران، فقد خططت إدارة ترامب لقتل اتفاق إيران النووى عن عمد، وفعلت ذلك جهارًا نهارًا. إنها مهتمة جدًّا بهذا الهدف، حتى إنها مستعدة لمعاقبة الموقعين الآخرين، فى محاولة يائسة لأن تصرخ إيران «جاى». أما طهران فهى مستمرة فى التزامها ببنود الاتفاق على الرغم من تراجع واشنطن عنه، إلا أن صبرها فى أغلب الظن سينفذ خصوصًا أن الإدارة قد أوضحت أن تغيير النظام هو هدفها الحقيقى. وفى النهاية، إذا أعادت إيران بدء برنامجها النووى -المعلق منذ أكثر من ١٠ سنوات- لن يقف باقى العالم فجأة وراء الولايات المتحدة ويدعم إجراءات أكثر قوة. لماذا؟ لأن الجميع يعلم أن الولايات المتحدة -لا إيران- هى التى قتلت الصفقة، ولن يكون هناك كثير من التعاطف لأمريكا عندما تبدأ فى المأمأة عن رد فعل إيران. ومما لا شك فيه، سيسعد عملاء أمريكا فى الشرق الأوسط عندما تقرر واشنطن أن تخوض حربًا أخرى نيابة عنهم، لكن لا تضعوا فى حساباتكم مساعدة منهم أو من أى أحد آخر.
 
ثالثًا، لا تحب الدول الأخرى أن تكون مدينة لأهواء الآخرين، خصوصًا إذا تعاملوا بأنانية وعشوائية وتحقير غير خفى مع مصالح الآخرين. وبالتالى، ليست بمفاجأة أن دولًا أخرى بدأت فى تطوير حلول مصممة للحد من تأثير الولايات المتحدة، من أبرزها تصميم ترتيبات مالية خارج شبكة المؤسسات التى تستخدمها واشنطن لإجبار الحلفاء والخصوم على الامتثال. فكما كتب هنرى فاريل وأبراهام نيومان فى «فورين بوليسى»: «بدلًا من قيادة الدول والشركات لتقليص التعامل مع المستهدفين بالعقوبات الأمريكية قد تؤدى تكتيكات الذراع القوية التى تتبعها إدارة ترامب إلى أن تقلص الدول والشركات تعاملها مع النظام المالى العالمى الذى تقوده الولايات المتحدة، وأن تبدأ فى تأسيس حلولها الخاصة. ومع الوقت، قد تبدأ تلك الحلول فى التراكم لتخلق نظامًا بديلًا فعالًا».
أخيرًا، التنمر يشجع الخصوم على توحيد القوى نتيجة مصلحتهم الخاصة بينما يعطى الحلفاء المحتملون أسبابًا أكثر للبقاء بعيدًا. إنه ليس بحادث عارض أن روسيا والصين مستمرتان فى الاقتراب -على الرغم من أنهما ليستا حليفتَين طبيعيتَين، وقد تعطى مقاربة أمريكية أذكى موسكو أسبابًا لإبقاء نفسها بعيدة عن بكين، فضلًا عن أن اندفاعات أمريكا المتنمرة نفسها ستدفع دولًا مثل إيران للاقتراب منهما. ومن المرجح أن يخترع بولتون ومَن على شاكلته اسمًا مبتذلًا جديدًا لهذه المجموعة: «محور الشر» و«ثلاثية الطغيان» محجوزين، ربما «ثالوث إثارة الشغب» أو «تحالف الفوضى»، مع تجاهلهم التام لأن سياساتهم هى التى ساعدت على الدفع بتلك القوى الثلاث سويًّا.
 
وعليه، ما نشهده هو اختبار حقيقى لرؤيتَين متنافستَين للجغرافيا السياسية المعاصرة. ترى الرؤية الأولى أن قوة الولايات المتحدة فى أساسها غير منقوصة، وتؤمن أن مزيجًا من القدرات المادية وجغرافيا الملادمة والقدرات المؤسسية الراسخة ستسمح لها بالسعى وراء سياسة خارجية طموحة ورجعية بكلفة بسيطة ونسبة نجاح عالية. فى حين ترى الرؤية الثانية -والتى أؤمن بها- أن الولايات المتحدة قوية وأنها فى وضع متميز «لأسباب عديدة»، لكنّ هناك حدودًا لقوة الولايات المتحدة ومن الضرورى تحديد الأولويات وتقليص عمليات المفاضلة إذا أمكن والتعاون مع الآخرين فى كثير من الأمور. كما تفترض هذه الرؤية أن الآخرين لا يمكن تخويفهم إلى أن يتنازلوا، وأن الاتفاقات الدولية الفعالة الدائمة تتطلب درجة من التنازل حتى مع الخصوم.
 
ولقد اختبرت الولايات المتحدة الرؤية الأولى بين ٢٠٠١ و٢٠٠٤، وكانت النتيجة فشلًا شبه كامل. أدرك أن محاولة تكرار النتائج السابقة مهم بالنسبة إلى التقدم العلمى، ولكن هل أمريكا حقًّا فى حاجة إلى إعادة هذه التجربة بالذات؟
 
 
ستيفن إم. والت
أستاذ العلاقات الخارجية بجامعة هارفارد الأمريكية، ينتمى إلى المدرسة الواقعية، ومن بين مؤلفاته «أصول التحالفات» «١٩٨٧» و«الثورة والحرب» «١٩٩٦» و«اللوبى الإسرائيلى والعلاقات الخارجية الأمريكية» «٢٠٠٧».
 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات