.

محاكمة ترامب التليفزيونية

Foto

لماذا تبدو الخطوط العريضة لفساد ترامب واضحة منذ حملته الانتخابية فى 2016؟ هل تجرم جلسات الاستماع فى الكونجرس ما يفعله ترامب فى الحياة السياسية؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

رئيس برامج الواقع لا يستطيع السيطرة على الرواية الناتجة عن كل جلسات الاستماع هذه.

 

فى عام 1983، نشر الزوجان عالما الاجتماع جلاديس إنجل وكيرت لانج، كتاب «المعركة من أجل الرأى العام»، والذى سعى إلى أن يشرح كيف تحول الأمريكيون، فى أقل من عامَين، من إعادة انتخاب ريتشارد نيكسون بأغلبية كاسحة إلى تأييد كبير لسحب الثقة منه.
 

فى نهاية الأمر، لم تكن فضيحة «ووترجيت» بمفاجئة، فقد كان هناك دليل على صلة بين البيت الأبيض وعملية الاقتحام قبل انتخابات عام 1972، إذ تضمن أحد إعلانات حملة جورج ماكجفرن، سلسلة من اللقطات لمانشيتات دامغة عن «ووترجيت» يصحبها قول الراوى: «المسألة مسألة أموال مخبأة. المسألة مسألة خداع. المسألة مسألة البيت الأبيض». ولكن لسبب ما لم تعلق القصة فى الأذهان. ويقول الزوجان لانج: «إن المشكلة التى دلَّت عليها (ووترجيت) كانت بعيدة عن نطاق الشواغل الآنية للناس»، فضلًا عن أن التفاصيل كانت مربكة و«من الصعب على الناس إدراك أهميتها».
 

وساعد النقل التليفزيونى لسلسلتَين من جلسات الاستماع بالكونجرس على تغيير ذلك. أولًا، بدءًا من مايو 1973، كانت هناك اللجنة الخاصة التابعة لمجلس الشيوخ حول نشاطات الحملة الرئاسية، والمعروفة باسم «لجنة إرفين». ولم ينتج عن جلسات الاستماع تلك تحول كبير ضد نيكسون، ولكنها أذهلت العامة وجعلت الناس يتعاملون مع آثام الإدارة بشكل أكثر جدية. وعندما انتهت، كانت قد تحوَّلت كلمة «ووترجيت» من تعبير يُطلق على عملية سطو غير متقنة إلى تسمية لنطاق أكبر من فساد الإدارة.
 

ثم جاءت جلسات استماع اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب حول سحب الثقة عام 1974. لم تكن مداولاتها النهائية محاكمة، ولكن حسب الزوجان لانج، فقد رآها المشاهدون كذلك، ومن ثَمَّ دار النقاش العام حول سؤال ما إذا كان نيكسون مذنبًا أم بريئًا. وفى 5 أغسطس، ظهر الدليل القاطع على إدانة نيكسون، وهو التسجيل الذى وافق فيه على خطة بأن يجعل وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه» تطلب من مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بى آى» أن يوقف التحقيق فى «ووترجيت». وبعد ذلك أدَّى «منطق الحقيقة الذى لا يرحم» إلى سقوط الرئيس، حسب الزوجَين لانج.
 

ونحن على وشك اكتشاف ما إذا كان لا يزال للحقيقة منطق لا يرحم. إن الخطوط العريضة لفساد ترامب وعدم إخلاصه للأساسيات المدنية واضحة منذ حملة عام 2016، ولقد حذَّرتنا هيلارى كلينتون منه مثلما حذَّر ماكجفرن من نيكسون. ولكن حتى الآن، لم يصنع الديمقراطيون أو المحققون من الخيوط المختلفة للتجاوزات الرئاسية صورةً متماسكة تظهر ممارسات ترامب التجارية المشبوهة وشؤونه المالية الغامضة وقابليته للابتزاز وانتهاكه للسلطة وخضوعه للمستبدين الأجانب.
 

غير أن الديمقراطيين قد بدؤوا الآن تحقيقًا عامًا واسع النطاق حول الرئيس. وشهادة مايكل كوهين الرائجة أمام لجنة المراقبة التابعة لمجلس النواب الأسبوع الماضى، لم تكن إلا افتتاحية.
 

ويوم الإثنين، اتخذت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب أولى خطوات التحقيق فى إعاقة إدارة ترامب لسير العدالة وفسادها العام وانتهاكها للسلطة. وفى ما يشبه وابلًا قانونيًّا أوبراليًّا، أرسلت اللجنة طلبات للحصول على وثائق لـ81 شخصًا وكيانًا، من بينهم دونالد ترامب الابن، وجارد كوشنر، والاتحاد القومى للأسلحة، وألن وايزبرج المدير المالى لمنظمة ترامب. وأمامهم أسبوعان للرد. «لم تتضمن القائمة إيفانكا ترامب، إلا أن الطلبات التى صدرت تطالب بوثائق كثيرة بشأنها، وقد قالت اللجنة إن طلبات إضافية قد تصدر قريبًا».
 

قال لى جيمى راسكين، العضو الديمقراطى باللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب: «إنها لحظة مثيرة»، وفى النهاية قال: «لدينا فرصة لاكتشاف ما حدث فى بلادنا على مدى العامين وبضعة الأشهر الماضية».
 

وبعد انتشار خبر طلبات الوثائق سرعان ما أصدر رؤساء 3 لجان -المراقبة والعلاقات الخارجية والاستخبارات- خطابات إلى القائم بأعمال رئيس موظفى البيت الأبيض ميك مولفانى، ووزير الخارجية مايك بومبيو، سعيًا وراء وثائق متعلقة باتصالات ترامب بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين. ويسعون نحو إجراء مقابلات مع المترجمين وأى شخص مطَّلع على محادثاته مع بوتين. وإذا رفض البيت الأبيض تلك الطلبات ربما تبدأ معركة قانونية. وقال لى آدم شيف، رئيس لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب: «نحن مستعدون لأخذ الأمر إلى أبعد مدى، حتى نحصل على الإجابات».
 

وستجرى لجنة شيف الأسبوع القادم مقابلة مع فيلكس ساتر، وهو مجرم مدان لديه روابط مع كل من الجريمة المنظمة ووكالات الاستخبارات الأمريكية، وكان فى قلب المفاوضات حول مقترح ببناء برج ترامب فى موسكو. ويقول شيف: «لقد اخترنا أن نركز مبكرًا على اتفاق برج ترامب بموسكو، لأنه من ضمن الأمثلة الحية لكيف قد يأتى تركيز مرشح أو رئيس على جنى الأموال لنفسه على حساب ما فى مصلحة بلادنا».
 

وفى ظل الاستقطاب السياسى ما من سبب يجعلنا نتوقع أن تغيّر جلسات الاستماع القادمة وجهات نظر كثيرة. ما فى استطاعتها أن تفعله هو وضع السؤال حول إجرام ترامب فى قلب الحياة السياسة، مثلما فعلت جلسات استماع «ووترجيت» فى نيكسون. فبإمكانهم خلق خطاب يصعب السيطرة عليه حتى من قبل متعهد تليفزيون واقع مثل ترامب.
 

من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت ستؤدى هذه التحقيقات إلى سحب الثقة من ترامب، المهم أن تؤدى إلى كشفه. فعلى عكس نيكسون، خسر ترامب التصويت الشعبى، وترفضه الأغلبية بشكل مستمر. وبالتالى، لا يستطيع تحمل أقل نسب تآكل التأييد.
 

وقال راسكين: «يجب عليك أن تفكر فى ظاهرة ترامب كطائفة دينية تحيط عائلة جريمة منظمة»، متابعًا: «ولكن على المحيط الخارجى بدأ الناس فى الذوبان. ورحيل مايكل كوهين لحظة دالة فى تطور ظاهرة ترامب. فهو أقرب متملق لترامب خرج عن الصف». وقريبًا ستتابع أمريكا، لمعرفة مَن التالى.
 


 

ميشيل جولدبرج
صحفية أمريكية، التحقت بجريدة «نيويورك تايمز» ككاتبة آراء عام 2017، وكانت من بين الفريق الذى فاز عام 2018 بجائزة بوليتزر للخدمة العامة عن تغطية قضايا التحرش الجنسى فى أماكن العمل، ومن مؤلفاتها: «المملكة القادمة.. صعود القومية المسيحية» عام 2006.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات