.

بقاء جلال أمين.. أيهما سيصمد أكثر فى التاريخ: جلال أمين أم أبوه أحمد أمين؟

Foto


لا مجال للكتابة اليوم عن أحمد أمين، والد الراحل جلال أمين، وإن كانت الكتابة عنه هامة، فقد خاض معارك فكرية وإدارية كبيرة مع زكى نجيب محمود وطه حسين ومحمد حسين هيكل، وشغل مناصب إدارية وثقافية هامة، خصوصًا مدرسة القضاء الشرعى التى تحتاج إلى مقال مستقل، وإنتاج أحمد أمين كان غزيرًا (ضُحى الإسلام «3 أجزاء»، ظُهر الإسلام «4 أجزاء»، يوم الإسلام، حى بن يقظان، قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية، زعماء الإصلاح فى العصر الحديث، كتاب الأخلاق، حياتى، فيض الخاطر «10 أجزاء»، الشرق والغرب، النقد الأدبى «جزآن»، هارون الرشيد، الصعلكة والفتوة فى الإسلام، المهدى والمهدوية، إلى ولدى، ابتسم للحياة، حرب الشر، علمتنى الحياة، التكامل فى الإسلام).

 

وهو أول مَن فكر فى ما يطلق عليه الآن «شَعبنة العلوم»، فقد أنشأ ما يسمى بالجامعة الشعبية عندما تولى منصب مدير الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، التى أحياها وتحولت إلى بيوت الثقافة الآن، وهو صاحب فكرة النزول بالمعارف إلى الشارع، وتولى لجنة الترجمة التى ترجمت 200 كتاب فى كل علوم المعرفة الثقافية والفلسفية والأدبية، وفتحت أعين العالم العربى على التراث الغربى، وامتازت كتاباته بالصدق، وربما كان تأثر ابنه جلال به هو الأكثر بين إخوته، حتى كتاب «ماذا علَّمتنى الحياة؟» للدكتور جلال أمين كان محاكاة لكتاب والده «علمتنى الحياة».
 

ورغم أن جلال أمين فى الأساس دكتور فى الاقتصاد، فإنه أقرب إلى المؤرخ منه إلى عالم الاقتصاد، فقد كان ذا بصيرة نافذة وحكمة أصقلتها الحياة، وشرح الواقع المصرى بكتابات عدة، منها «ماذا حدث للمصريين؟ وصف مصر فى القرن العشرين، عصر الجماهير الغفيرة، مصر والمصريون فى عهد مبارك»، وربما كان مثل أبيه فقد اعترف أبوه بأنه لم يندفع اندفاع السياسيين لأنه كان يخاف السجن ويخاف العقاب، وكذلك جلال أمين كانت معارضته هادئة باسمة، لا تثير حنق السياسيين، ولم يشأ أن يعتلى منصب المعارض الثورى، ولا منصة الخطاب الثورى، وكان أقرب إلى المحلل والمؤرخ، وكان هذا يضع مسافة بينه وبين غضب السلطة السياسية عليه، واستطاع أن يشرح الاقتصاد بطريقة سهلة وبسيطة بعيدًا عن اللغة الأكاديمية التى تقدَّم فى الجامعات، كان يعى المسافة جيدًا بين الطلاب الأكاديميين وحديثهم الجاف عن معدلات النمو وعوائد التنمية ومؤشرات الاقتصاد بشكل عام، وحديثه للعامة فى الحلقات التليفزيونية، إذ كان يشرح ببساطة وهدوء يجبرك على حبه فى بساطته وصدقه.

 

وبالطبع جاءت سيرته الذاتية فى ثلاثة كتب من أبدع ما يكون فى الصدق والتحليل، وقد كنت مُمتنًّا قبل ذلك بكتاب الدكتور المسيرى «رحلتى الفكرية فى البذور والجذور والثمر.. سيرة غير ذاتية غير موضوعية»، وكنت متحيزًا له حتى قرأت كتب جلال أمين الثلاثة «ماذا علمتنى الحياة؟ ورحيق العمر، ومكتوب على الجبين (الكرمة، 2015)، الذى يمثل تقريبًا الجزء الثالث من سيرته الذاتية ذائعة الصيت».
 

عرض لقصة تحوُّله الفكرى العميق والهادئ من القومية فى بواكير شبابه إلى الاشتراكية، إلى المادية الوضعية، إلى أن وصل إلى مرحلته الأخيرة فى نظرته الإيجابية والمتعاطفة مع الدين عمومًا، والإسلام خصوصًا، وكان صادقًا بشكل انتقده الكثيرون، إذ إنه ربما تحدث عن أبيه وعن امتعاضه من أن زوجته «أم جلال» لم تكن جميلة، وتحدث عن تدينه الشخصى، وقد امتازت كتبه بالسهولة واليُسر وشدة الجاذبية كجاذبية الروايات، فتفتح الكتاب ولا تمل حتى تنهيه، وترتبط إنسانيًّا بكاتبه وكأنه صديقك الصدوق.
 

تعترينى رغبة عارمة الآن فى إعادة قراءة كتبه مرة أخرى، واستعادة ما تم فقده عن طريق الاستعارة أو غيرها من كتبه التى لم أقتنِها، وإعادة قراءتها، وأتمنى أن لا تفتُر تلك العزيمة مع تسارع الأحداث وتداخلات الحياة اليومية التى ترهق الجسد والذهن فى آن واحد. لم أتمالك وأنا أشاهد بعض فيديوهاته الموجودة على يوتيوب، الضيق الذى انتابنى فى الصدر، وربما درجة من الاكتئاب، لا أدرى أهو ألم فقد الإنسان أم فقد أحلامه التى نمت مع الثورة ولم يمهله العمر ليرى المصريين أفضل؟ فهو كان نصير الفقراء بقلبه وقلمه، حتى بعد تحوله من الاشتراكية للمادية الوضعية كما وصف، فهذا لم يُفقده حماسه فى تحقيق توزيع عادل للثروة وتقليل الفجوات بين الطبقات.
 

وربما الرسالة التى قدمها أحمد أمين بالجامعة الشعبية، مرورًا بتبسيط جلال أمين مفاهيم الاقتصاد للبسطاء وشرحها للعامة، وتمرير مصطلح شعبنة العلوم الذى راج فى العقد الأخير، وساعدت فى ذلك وسائل الاتصال الحديثة، فنشأت قناة «ناشيونال جيوجرافك» التى يشاهدها الأطفال، ومن خلالها يبدؤون فى حب العلم والمعرفة بسبب العرض الشيق المصحوب بالأفلام، لتصبح المعرفة والعلوم مُحببة وليست مادة سمجة يتعاطاها الناس كالدواء المر، وصولًا إلى أحمد الغندور، المشهور بالدحيح، الذى يعرض المعرفة والعلوم بشكل أقرب للكوميديا منه إلى الجدية، رغم ضخامة الأبحاث التى يقوم بها، ليقدم فقرة شيقة لمدة دقائق معدودة وبشكل كوميدى، تجاوبًا مع الجيل الجديد، جيل التويتر الذى كان 140 حرفًا، ولا أدرى إن كان إيجابيا أم سلبيا مَد حروفه لضعف هذا الرقم، فقد جاءت الفيديوهات الملقاة إلى هذا الجيل فيديوهات قصيرة، فلا طاقة ولا مجال لمشاهدة فيديو لمدة ساعة أو أكثر، فالمتاح ضخم بشكل مذهل، فإما أن تكون جاذبًا ومشوّقًا، وإما أن يتخطاك المشاهد إلى كم هائل من المعلومات الملقاة كل لحظة على المواقع المختلفة.
 

رحم الله فقيد العالم العربى والإسلامى الدكتور جلال أمين، وأدخله فسيح جناته، وأمتعنا بعلمه وصدقه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات