.

جارية تزوجت خليفة وأنجبت خلفاء وساست أمور الخلافة

Foto

لماذا يعتقد بعض المؤرخين أن «الخيزران» كذبت على الخليفة «المنصور» وكانت حرة ادّعت أنها أمَة؟ وهل استبدت الأم المسيطرة بشؤون الخلافة ونازعت ابنها الخليفة الغيور وأمرت جواريها بقتله فى النهاية؟


جارية عربية، سمراء فاتنة، ذات سحر ودلال، يقال إنه استوحيت من سيرتها شخصية «شهرزاد»، وإنها أديبة وشاعرة أخذت العلم عن «الأوزاعى»، اختطفت وهى صغيرة من قبل أعراب من اليمن، وبقيت جارية فى قصر الخليفة، إلا أنه أعجب بها، ثم أحبها، ثم تزوجها، فارتفع بذلك مقامها، من جارية تُباع فى سوق الرقيق لتكون محظية الخليفة، فأم أولاده، فزوجته الرسمية والملكة غير المتوّجة، حتى تمكنت أخيرًا من أن تحدث انقلابا فى القصر العباسى، لتكون المسيطرة على قرار الخليفة بتعيين وُلاته وخلفائه من أولادها.


هذه هى الرواية المتداولة عن «الخيزران بنت عطاء»، توفيت «173هـ/ 789م»، زوجة الخليفة العباسى «المهدى أبو عبد الله محمد بن المنصور»، «ت: 169هـ/ 785م»، وأم الخليفتين «موسى الهادى» «ت: 170هـ/ 786م»، و«هارون الرشيد»، «ت: 198هـ/ 813م».

وتقول الروايات إنها استرعت انتباه الخليفة أبى جعفر المنصور «ت:158هـ/ 775م»، بعد أن كشفت له أنها من اليمن، وأجابت عن سؤاله لما سألها: «أما يزال لك أهل هناك؟»، قائلة له: «كلا، لم يكن لوالدتى أحد سواى»، ثم أضافت عبارة أثّرت فى الخليفة، هى: «إننى وحيدة، وليس لى فى هذه الدنيا غير الله» ما جعله يأمر: «خذوها إلى المهدى، وقولوا له إنها أهل لإنجاب الأولاد».


ويقال إن الخيزران قالت للخليفة: «ولدت فى مكة لكننى ترعرعت فى جورش فى أرياف اليمن»، وهو ما جعل طائفة من المؤرخين يظنون أنها كذبت على الخليفة وأنها حرة ادّعت الرق لأنه السبيل الوحيد الذى رأته موصلا إلى أهدافها.

وقد دفعها إلى ذلك ما عرف من تضييق فقه الحرائر على النساء بهدف حصرهن وتكريس السلطة الرجالية عليهن، وما عُرف من اتساع دائرة الحريات الخاصة بالإماء فى ذلك العصر، وما توفر لهن من فرص التعلم والترقى فى مقامات القرب من الخلفاء والوجهاء، ما أتاح لهن فرص المشاركة فى السلطة والسياسة.


وما يقيم منه المؤرخون شاهدا يدعمون به فرضية أن الخيزران كانت امرأة مسلمة حرة ادّعت -لطموحها- أنها جارية، هو أنها لم تكن بحسب الرواية السابقة وحيدة أمها، فقد كان لها أختان، يبدو أنهما لم تختلفا عنها فى مضمار الطموح السياسى، فإحدى أختيها «أسماء» تقول الروايات إنها حاولت أن تخطف منها زوجها المهدى، وشقيقتها الثانية «سلسل» تزوجت من جعفر، شقيق الخليفة، كما أصبح شقيقها «الغطريف»، وبفضل وساطتها، حاكمًا على اليمن. ويقول أحد أحفاد الخيزران، وهو «هارون بن عبد الله بن المأمون»، يصف اللقاء الأول بينها وبين جده «المهدى»: «لما عرضت الخيزران على المهدى قال لها: والله يا جارية إنك لعلى غاية التمنى، ولكنك حمشة الساقين «دقيقتهما»، فقالت: يا مولانا، إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما».


وكما يبدو من هذه الرواية فقد كانت الخيزران ناجحة منذ البداية فى إثارة خيال الخليفة بأنوثتها.

والمؤرخ أبو عبد الله الواقدى «ت: 207هـ/ 822م»، كان من جلساء الخليفة المهدى، وفى أثناء جلوسه حدث أن قام المهدى وقد اشتاق لـ«الخيزران»، ثم ما لبث أن عاد سريعا يشكو لـ«الواقدى» قائلا له: «دخلت على الخيزران فقامت إلىّ ومزقت ثوبى وقالت: يا قشاش ما رأيت منك خيرا. وإنى والله يا واقدى إنما اشتريتها من نخاس، وقد نالت عندى ما نالت وقد عقدت البيعة لولديها ليكونا الخلفاء من بعدى ومع ذلك تفعل بى ما فعلت». كما يروى أن المهدى استوحش لفراقها فى أثناء قيامها برحلة الحج فأرسل إليها مع بعض الحجاج هذه الأبيات يستعجلها: «نحن فى غاية السرور ولكن/ ليس إلا بكم يتم السرور.


 عيب ما نحن فيه يا أهل ودى/ أنكم غيب ونحن حضور.


فأجدوا فى السير بل إن قدرتم/ أن تطيروا مع الرياح فطيروا».


ومات المهدى بعد أن خلع عمه عيسى بن موسى عن ولاية العهد مقابل عشرة آلاف ألف درهم «عشرة ملايين درهم» وتنصيب ولديه «الهادى» و«الرشيد» بدلا منه، وقال «السيوطى»: «ساق المهدى خلف صيد، فاقتحم الصيد خربة، وتبعه الفرس فدق ظهره فى بابها، فمات لوقته، وقيل مات مسموما».

وبعد موته تولى ابنه الهادى، الذى قال عنه المؤرخ «ابن طباطبا»: «إنه متيقظ غيور شديد البطش ذو إقدام وعزم».

وهنا وقع الخلاف بين الخليفة الجديد وبين أمه المسيطرة.


إلا أن الطبرى يذكر أن الهادى سمح باستمرار نفوذ أمه أربعة أشهر، وقال: «كانت الخيزران فى أول خلافة ابنها موسى الهادى، تفتئت عليه فى أموره وتسلك به مسلك أبيه من قبله فى الاستبداد بالأمر والنهى، إلا أن الهادى ما لبث أن ثار على ذلك الوضع ولم يحتمله، فقال لها: إنه ليس من قدر النساء الاعتراض فى أمر الملك، وعليك بصلاتك وتسبيحك». ويصور المسعودى فى «مروج الذهب» آخر لقاء بينهما، فيقول: «فكلمته ذات يوم فى أمر، فلم يجد إلى إجابتها سبيلا، فاعتل عليها بعلة، فقالت: لا بد من إجابتى.

قال: لا أفعل. قالت: فإنى ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك «قائد الشرطة»، فغضب الهادى وقال: ويل لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها. والله لا قضيتها لك. قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدًا، فقال لها: إذن والله لا أبالى. وقامت مغضبة، فصاح بها: مكانك، فاستوعبى كلامى.

والله وإلا نفيت من قرابتى لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لئن بلغنى أنه وقف ببابك أحد من قوادى أو خاصتى أو خدمى لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك.

ما هذه المواكب التى تغدو إلى بابك كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك إياك أن تفتحى فاك فى حاجة مسلم ولا ذمى». ويضيف المؤرخ أنها: انصرفت وما تعقل ما تطأ، أى لا ترى خطواتها من الغضب.


ويتفق الطبرى مع تفاصيل هذه الرواية، لكنه يضيف عليها تفاصيل أخرى جديدة، منها أن الهادى بعد أن حمى وغضب قال لها: ما للنساء والكلام فى أمر الرجال؟ ثم ازداد غمه من ذلك فجمع قواده وأخذ يسائلهم عن أمه وأمهاتهم، وصولا إلى أن أمه أفضل من أمهاتهم وأن الرجال يخجلون من الحديث فى أمور النساء فما بال الرجال يأتون أمه فيتحدثون بحديثها. ويقول الطبرى إن ذلك شقّ على الخيزران، فحلفت أن لا تكلمه فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة.


وعن وفاة الخليفة الهادى المفاجئة بعد عام واحد من توليه الخلافة، يقول الطبرى: «اختلف فى السبب الذى كان به وفاته فقال بعضهم كانت وفاته من قرحة كانت فى جوفه وقال آخرون كانت وفاته من قبَل جوارٍ لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله». وتضيف رواية أخرى فى تأكيد الاحتمال الثانى، أى قتل أم الخليفة له، أنه: «لما أتاها الرسول يخبرها بوفاة ابنها قالت: وما أصنع به؟ فقالت لها «خالصة»، جاريتها المقربة: قومى إلى ابنك، أيتها الحرة، فليس هذا وقت تعتب ولا تغضب. فقالت أعطونى ماء أتوضأ للصلاة.

ثم قالت: أما إنا كنا نتحدث أنه يموت فى هذه الليلة خليفة ويملك خليفة ويولد خليفة؟».

كذلك تدور رواية أخرى حول ما فعلت السيدة الخيزران لما جاءها خبر وفاة ابنها الهادى، ومُفادها أنها كانت فى بستان مع أربع نسوة، فلما أخبرتهن «خالصة» بالخبر، قالت الخيزران: «إن كان مات موسى الهادى فقد بقى هارون الرشيد، هات لى سويقا. فجيئت بسويق فشربت وسقتنا ثم قالت هات لساداتى أربعمئة ألف دينار ثم قالت: ما فعل ابنى هارون؟ قيل: حلف أن لا يصلى الظهر إلا ببغداد، قالت: هاتوا الرحائل فما جلوسى ههنا وقد مضى فلحقته إلى بغداد».


ويقول الطبرى أيضًا إنها أمرت جواريها الحسان بالتسلل إلى مخدع الخليفة حيث ينام وخنقه تحت الوسائد. فوضعن الوسائد على رأس الهادى كأنهن يداعبنه، وجلسن عليها حتى لفظ أنفاسه.. وربما تكون بعض هذه الروايات، التى دارت حول سيرة الخيزران وطموحها السياسى الكبير ثم قتلها لابنها، حقائق. وربما يكون بعضها مبالغات أرادت النيل من سيرة امرأة تزوجت خليفة وولدت خلفاء، وساسَت شؤون الخلافة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات