.

مراحل تطور مقولة «الجمهور عايز كده»

Foto

«الجمهور عايز كده» باتت مؤخرًا واحدة من الجُمل الكثيرة التى يبيع بها المُنتِج سلعته التقليدية «رخيصة الثمن» للمستهلك ويقنعه بأنه هو مَن طلبها ولا يريد سواها


على مدى أعوام كثيرة كانت مقولة «الجمهور عايز كده» محركًا رئيسيًّا فى صناعة السينما المصرية وسببًا فى تطور الأفلام وتدهورها أحيانًا، فبالفعل الجمهور يريد سينما خفيفة ترفّه عنه وتقلل من معاناته فى حياته اليومية أو تعطيه جرعة تفاؤل، وتنتهى نهايات سعيدة ترضى الجميع، لكن مَن قال إن الجمهور «عايز كده» طوال الوقت؟!

 

لم تكن تلك المقولة الشهيرة سيئة المعنى فى البداية، حيث إن اختيارات الجمهور فى السابق جعلت صناع السينما يقدمون أفلامًا صُنِّفت بالتجارية وقتها تعبِّر عما يطلبه المشاهدون، لكنها باتت فى ما بعد من أشهر وأفضل الأفلام فى السينما المصرية، فلا ننسى أفلامًا مثل «الزوجة الثانية» و«خلى بالك من زوزو» و«اللص والكلاب» و«الزوجة 13» و«إشاعة حب».. وغيرها، كلها أفلام لا نملّ من مشاهدتها حتى لو تكرر عرضها يوميًّا، ولم ولن تُنسى وسط أفلام «المقاولات».
 

«الجمهور عايز كده» باتت مؤخرًا واحدة من الجُمل الكثيرة التى يبيع بها المُنتِج سلعته التقليدية «رخيصة الثمن» للمستهلك، ويقنعه بأنه هو مَن طلبها، ولا يريد سواها، ليقتنع مرة بعد مرة بأنه فعلًا مَن يريد مشاهدة الأفلام التى لا تهدف إلى أى شىء فى النهاية، والتى لا تقدم له ما يتناسب مع عقليته.
وبناءً على تلك الجملة انتهى مصطلح «أفلام المقاولات» وحل محله مصطلح «أفلام السبكى»، تلك الأفلام التى ارتبطت فى أذهان الجمهور بعرضها فى مواسم الأعياد، وتعتمد إيراداتها على فئة الشباب والمراهقين من الجمهور، ويكون أبرز ما يميزها الرقص والغناء الشعبى، أما القصة فهى آخر ما يفكر فيه منتج تلك الأفلام، سواء أكان السبكى أم غيره ممن يريدون المكسب السريع بغض النظر عن المحتوى المقدم.


وعلى الرغم من سيطرة تلك الأعمال طوال العام، فإن هناك تجارب لم تلقَ النجاح الكافى المساوى للأفلام التى عادة ما تدور فى إطار شعبى، فخرجت تجارب جادة وهادفة تعبِّر عن الواقع الذى نعيشه، وتناقش قضايا جريئة لكن اعتبرها الجمهور حينها «أفلام مهرجانات» لا تناسب المتفرج العادى الذى يريد أن يدخل السينما من أجل المتعة والترفيه فقط، ثم بدأ يقتنع بعد تكرار مشاهدتها أنها أعمال مميزة قد تكون ظُلمت فى البداية.
 

بالطبع وعى الجمهور تطور كثيرًا فى السنوات القليلة السابقة، فبات لا ينتظر مَن يحلل له الأعمال السينمائية أو يوضح له الهدف المرجو من العمل الفنى، بل أصبح هو المشاهد والناقد.. يكوِّن وجهة نظره دون مساعدة من أحد، بل ويجبر أحيانًا صناع السينما على تقديم أعمال مختلفة تلائم تطور وعيه، فلم يعد يكترث كثيرًا للأفلام الشعبية المعتمدة على رقصة وأغنية ومشاهد ضرب واستعراض عضلات، لكنه بدأ يطلب مشاهدة سينما جادة شبيهة لما يفضل مشاهدته فى السينما العالمية، أو حتى سينما خفيفة أو شعبية لكن بتنفيذ جيد.
 

لكن تطورت جملة «الجمهور عايز كده» مرة أخرى، فلم يعد الجمهور مقتنعًا إلا بالأفلام ذات التكلفة الإنتاجية العالية التى يلعب بطولتها عدد من النجوم مجتمعين، والتى تعتمد على مشاهد الأكشن والحركة التى يتم تنفيذها بأسلوب يشبه الأفلام العالمية، حتى إن كانت حبكتها غير متماسكة فى بعض الأوقات، ومن أبرز هذه الأفلام «حرب كرموز» الذى بلغت إيراداته أكثر من 57 مليون جنيه، و«هروب اضطرارى» الذى حقق أكثر من 55 مليونًا، وتطور الأمر سريعًا أيضًا إلى الاستعانة بنجوم عالميين فى هذه الأفلام، وكلما ازداد عدد هؤلاء النجوم كانت فرصة نجاح الفيلم أكبر، وهو ما يتحقق حاليًّا فى فيلم «حملة فرعون» الذى استعان منتجه محمد السبكى بكلٍّ من مايك تايسون وهافبور جوليوس جورنسون «ذا ماونتن»، وكان من المفترض أن ينضم فان دام لكنه اعتذر مؤخرًا، وكذلك استعان المنتج وليد منصور بالممثل التركى خالد أرجنش فى فيلمه الجديد «كازابلانكا» الذى يشارك فيه أمير كرارة وإياد نصار وعمرو عبد الجليل، وغيرهم.
 

بالطبع نتمنى وجود أفلام كثيرة بتكلفة إنتاجية مرتفعة وبتنفيذ جيد تُشعر الجمهور بأن السينما المصرية قد تنافس العالمية فى يوم من الأيام، لكن مع كل هذا يظل الجمهور منتظرًا وجود أفلام أخرى تُعرض باستمرار، تعبر عنه، تشبه مشاعره، تتحدث بلسانه وتعبر عن أحلامه وإخفاقاته وعلاقاته والقضايا الشائكة التى قد لا يجد مَن يتحدث عنها، وكل شىء يمر به بشكل درامى منطقى، وبرؤية مختلفة عن السائد، وبعيون مخرجين مميزين قلما نجد لهم أعمالًا إلا كل عدة سنوات، مثل يسرى نصر الله وداود عبد السيد أو بعض المخرجين الشباب أصحاب الآراء الصادمة، وهو ما جعل فئة ليست بقليلة يتجه تركيزها مع أفلام سينما زاوية التى يحاول القائمون عليها تسليط الضوء على أعمال مهمة لا نجد المنتجين المعروفين مهتمين بها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات