عقل مصر يخلع الحجاب

رحاب السماحى



عقل مصر يخلع الحجاب



لماذا استشعرت دار الإفتاء خطرًا على وجود الحجاب؟ كيف كان الحجاب أداة للتفرقة بين الإماء والحرائر؟ كيف لعبت السياسة دورًا فى صعود نجم الحجاب وفرض صبغة دينية على المجتمع؟ لماذا كان الشعراوى يخيف الفنانات من مصيرهن بعد الشيخوخة؟ كيف روج الشيخ كشك لحديث كاذب عن الحجاب؟

 

لا تزال قضية الحجاب هى أزمة كل عام، وفى 2019 كان الحجاب إحدى القضايا الدينية التى لا تزال مطروحة على المجتمع، فقد حظيت قضية الحجاب باهتمام كبير فى مصر، ولم يُحَط شىء بهالة من القداسة كالحجاب، حتى اعتبره البعض أحد ثوابت الأمة.

 

الأمر الذى يشى بأن الموضوع أكبر بكثير من كونه زيًّا أو قطعة قماش تجثم على شعر المرأة التى أضحى جسدها رقعة شطرنج يلهو عليها أصحاب المصالح ويلعبون (جيم) سياسيًّا، فتُستغل المرأة لفرض نموذج معين، أو لهزيمة فصيل بالضربة القاضية.

 

فتصريح المفتى الأخير بفرضية الحجاب لم يأتِ من فراغ، ولكن لاستشعاره خطرًا على وجود الحجاب على الأرض، خصوصًا مع التنامى المضطرد لظاهرة خلع الحجاب التى تجلَّت كإشارة مهمة فى إقدام فنانات الثمانينيات اللاتى لعب الشيخ الشعراوى الدور الأبرز فى حجابهن وفرضْ نمط وهابى بأموال سعودية، الأمر الذى مثَّل هزيمة حقيقية لمشروع الحجاب فى مصر، فهاهو الرعيل الأول للمحجبات اللاتى مثَّلن قدوة لغيرهن بارتدائه على مدى عقود، تتمايل خصل شعورهن المصبوغ بحرية ويبدين أصغر وأجمل بعيدًا عن ادعاء تديُّن زائف.

 

عندما نعود أدراجنا إلى مرجعيات فرض الحجاب فى الإسلام، محاولين رسم صورة أكثر شمولًا لطبيعة المجتمع، آنذاك، فسنجد آية «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ»، وإذا أضفنا إليها آية «وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ الله عَظِيمًا»، سنجد أنه ليس هناك ذكر للحجاب كغطاء رأس، بل بمعنى حاجز أو ساتر، وأنه كان حكمًا خاصًّا لنساء النبى المسلمات، للتفريق بينهن وبين الإماء،‪
فهذا الزى فرض فقط على الحرائر، ولكن الجارية، أى الأمَة، كانت تتحرك عارية الصدر، فعورتها كالرجل من السُّرة إلى الركبة، وعندما حاولت جارية بائسة ستر نفسها، ضربها عمر بن الخطاب، لأنها تتشبه بالحرائر. هذا يؤكد ارتباط الزى بالمجتمع البدوى البدائى، حيث الخيام وقضاء الحاجة فى العراء، ولهذا فرض هذا الزى حتى لا تتعرض المسلمات إلى الإيذاء، ولكن إن كان هذا له ما يبرره فلماذا تُجبر الجارية على كشف جسدها، فهل هذا يتناسب مع قواعد الحشمة؟ فالسبب وراء هذا التمييز الطبقى يبدو غامضًا، وتبتعد هذه الممارسة عن روح العدل، وتنتهك قوانين العفة، فهل لدينا الآن حرائر وعبيد؟ فكيف نطبق قاعدة انبثقت من طبيعة مجتمع فى زمن معين على مجتمع مختلف تمامًا فى القرن الواحد والعشرين؟!

 

ومن سوء الطالع أن لعبت السياسة دورًا مهمًّا فى صعود نجم الحجاب واستخدامه فى لعبة الشد والجذب واستعراض القوة.. فكان لطلب الهضيبى، المرشد العام للإخوان المسلمين، آنذاك، من عبد الناصر أن يُحَجِّب النساء، الأمر الذى رفضه الأخير، دلالة سياسية واضحة لاستخدام الحجاب، لفرض صبغة دينية على المجتمع، وبالفعل نجحوا فى أواخر السبعينيات فى فرضه باللين تارة وبالعنف والوعيد تارة أخرى. ومما عاظم تأثير الوهابية على المجتمع هو عودة المصريين من الخليج محملين بفكر غريب أسن مضاد للإنسانية، وكان أغلب مَن سافر لكسب العيش من الطبقات الوسطى، فأُصيب المجتمع المصرى فى مقتل.

 

وأتذكر هنا وأنا طفلة فى الثامنة من عمرى، كانت أول مرة لى أن أسمع عن مصطلح التبرُّج من صديقة لى كانت فى الخليج، وكنت وقتها لا أفهمه، لكن قلبى لم يسترح إلى الكلمة، وسألت جدتى عن معناها، فأجابت بامتعاض وكأنها كانت لا تريد أن تلوث عالمى الوردى الهادئ بثقافة مغايرة عما عاشته هى فى الخمسينيات والستينيات.

 

اعتمد الحجاب فى انتشاره على التخويف وبث الذعر فى نفوس النساء من عذاب النار، حتى إن الشعراوى عندما سأله الصحفى محمود فوزى، عن كيفية إقناعه فنانات الثمانينيات بارتداء الحجاب، قال إنه كان يُخيفهم من مصيرهن بعد الشيخوخة وانحسار الأضواء عنهن.

 

وانتشرت شرائط الشيخ كشك المعادية للمرأة والمليئة ببث الرعب فى النفوس، خصوصًا الترويج لحديث مفاده أن الرسول خلال رحلة المعراج رأى فى النار نساء عُلِّقن من شعورهن، وسأل جبريل عنهن، فقال إنهن كن لا يغطين شعرهن أمام الأجانب، أى (غير ذى محرم).. هذا حديث مكذوب باطل لا أصل له وَفقًا لما جاء فى موقع (الإسلام سؤال وجواب).

 

ورغم ذلك، كان هذا الحديث يُساق دائمًا كمسوغ لفرض ارتداء الحجاب، وأغلب المصريين، وقتها وحتى الآن، لا يقرؤون وثقافتهم سماعية تعتمد على الشيوخ، فالمحصلة رعب حقيقى بدوافع ملفقة فرضت نفسها كواقع لا يقبل الشك. وبدأت معركة فرض الحجاب وأصبحت المدارس رأس الحربة فى ظل تغافل الدولة، فأخذت تفرض الحجاب وتدمجه زورًا ضمن الزى المدرسى، وكانت مَن لا ترتديه تعرِّض نفسها إلى العقاب والإهانة، فكنت أرتديه شخصيًّا ليس فقط خشية الضرب على رأسى العارى، ولكن تفاديًا لإذلال علنى فى الطابور أمام الجميع، وللأسف قد نجحوا تمامًا فى كسر كبرياء الفتيات، حتى يصبحن عجينة طيعة يشكلونها كيفما شاؤوا، وفى البيت كان الأهل يضغطون على الفتيات لارتدائه، حتى فى سن صغيرة، حرصًا منهم على أن تعتاد عليه الفتاة، فلا تقاومه عندما تكبر، معتقدين أنه يحمى بناتهم من الخطيئة والتحرش ويقيهن عذاب النار، فكانت الفتيات بين شقى الرحى يسحقن بلا شفقة، وكان ينتشر بعض الأكاذيب التى منعت الفتيات حينها من خلع الحجاب والزعم أن من تخلعه ستعاقب فى النار أضعاف ممن لم تقُم بارتدائه أصلًا، وأن المسموح تجاوزًا أن يظهر من الشعر ثلاث شعرات، وإذا زادت على هذا الحد ستشوى فى الجحيم.. إلى هذا الحد بلغت القسوة والغلظة فى فرض الحجاب وَفقًا لهذا السيناريو الجهنمى.

 

ونعيد التساؤل الكلاسيكى: هل حقًّا كان ارتداء الحجاب خيارًا محضًا للنساء؟ هذا السؤال موجه إلى مَن يدَّعون أن الحجاب حرية شخصية، فلماذا إذن يتباكون على خالعات الحجاب مثل حلا شيحة؟! لماذا لا يندرج خلعه تحت مبدأ الحرية؟!

 

والآن، فى تقديرى نشهد تحولًا جوهريًّا، فرغم كل القهر فإن السجين خرج من عقاله وبدأ رحلته الشائكة نحو الحرية، فالحجاب أصبح بالليجن والأستموك تماشيًا مع الموضة، وفى الوقت نفسه ما زالت تحرص الفتيات على إرضاء مجتمع جاهل ومريض اختصر شرف وأخلاق المرأة فى خرقة بالية، وبالتدريج يتحرر بعض الشعر طليقًا يتنسم الهواء وتتقلص رقعة الحجاب شيئًا فشيئًا، إيذانًا بعصر جديد تقهر فيه المرأة سجانيها، لتلقى بالكرة المشتعلة التى لطالما اكتوى بها قلبها فى وجوه مَن سحقوها.

 

ففى محيطى الصغير، أعرف عددًا ليس بالقليل من الفتيات اللاتى نزعنا الحجاب رغم مقاومة الأهل التى قد تكون قوية ومكلفة فى معظم الأحيان، إلا أنها صيرورة التاريخ التى لن يوقف تقدمها أحد، فالنساء هن الرقم الصعب فى المعادلة، القادرات دومًا على إدهاشنا.

 

رغم تضافر العوامل لإنجاح مشروع الحجاب، فإننى أعتقد الآن أن السحر أوشك أن ينقلب على الساحر، فرفض المصريين للإخوان كمشروع وصدمة البعض من ممارسات «داعش» قد تجعلهم يذهبون بعيدًا عن فكرة خلع الحجاب حتى، فقد تلاشى الإسدال الإيرانى من الشارع المصرى وتراجع النقاب، وفتيات بدأن يستبدلن بالطرحة التربون أو البونيه ويطلقن خصلاتهن بعيدًا عن الظلام والشتاء الطويل الذى عاشته مصر.

 

واليوم، هل ستصيبنا عدوى الحداثة والانفتاح التى شهدها المجتمع السعودى مؤخرًا كما أُصبنا بلعنة الوهابية والجمود؟



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..