ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

إيهاب التركى



ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!



فى سينما 2019 اختلطت ألوان ماكياج الجوكر الملونة الصارخة كما رأيناها فى فيلم «‪Joker»، بحُمرة دماء ضحايا عصابات المافيا الإيطالية النيويوركية فى فيلم «‪The Irishman»، وبينما كان «واكين فينكس» يُطلق ضحكته العصبية المريضة المستفزة، كانت صرخات الأسد «موفاسا» تُدوى وهو يسقط فى الوادى بعد أن دفعه شقيقه الأسد «سكار» إلى الهلاك فى النسخة الواقعية من فيلم «ديزنى» الشهير «‪The Lion King»، وخلَّف القاتل المحترف «جون ويك» عشرات الجثث فى كل مشهد ظهر فيه فى الجزء الثالث من مذبحته السينمائية «‪John Wick: Chapter 3»، وفى حدوتة «تارانتينو» الملونة عن هوليوود الستينيات فى فيلم «‪Once Upon a Time in Hollywood» إعادة تجسيد لنهاية حقبة الستينيات الهوليوودية، وفى الفيلم تظهر شخصية الممثلة الشقراء «شارون تيت»، وكانت زوجة المخرج «بولانسكى»، وقد قُتلت بوحشية وهى حامل فى شهرها التاسع بواسطة أتباع عصابة المجرم «شارلز مانسون»، وانتهى فيلم الكوميديا السوداء الكورى «‪Parasite» «طفيليات» بحفل عيد ميلاد دموى صادم وغرائبى. إنه عام حفلات العنف الدرامى الصاخب، وطرطشة الدماء فى وجوه المتفرجين، والشخصيات السيكوباتية التى نُشفق عليها، ونخشاها، ونُحلل صراعاتها الدرامية بكل حِرص ووَجَل.

 

ما زالت شبكة «نتفليكس» فى حالة حرب عالمية مع بعض كبار رجال السينما، ممن يرفضون تقزيم شاشة العرض السينمائى إلى مساحة شاشات الهواتف والتليفزيونات الذكية، إنها حرب منصات المشاهدة الحديثة مع أسماء بحجم الأمريكى «ستيفن سبيلبرج» والإسبانى «ألمودوفار»، ولهذا كان دعم الشبكة عظيمًا للمخرج «مارتن سكورسيزى»، حينما قرر أن يكون مخرجًا لفيلم «الرجل الأيرلندى»، فمنحته فى البداية ميزانية بلغت 100 مليون دولار، ووصلت فى النهاية إلى 159 مليون دولار، بعد زيادة تكلفة مشاهد التعديل بالكمبيوتر (‪CGI)، لتخفيف تجاعيد شخصيات الفيلم فى المراحل العمرية المختلفة، ومن المُتوقع أن يحتل الفيلم مكانًا مميزًا فى قوائم ترشيحات التمثيل والسيناريو والإخراج والمونتاج.

 

أن تصنع فيلمًا بطولة «آل باتشينو» و«روبرت دى نيرو» و«جو بيشي»، فهذا كافٍ جدًّا، فالثلاثى قادر على تحويل جمل عادية للغاية إلى مقولات خالدة، وإفيهات ذكية. ورغم أن حكايات رجال عصابات نيويورك قتلها «سكورسيزى» أفلامًا، فإنه فى «الرجل الأيرلندى» يقدم فى 209 دقائق اعترافات القاتل المحترف «فرانك شيران»، الذى يلعب دوره «روبرت دى نيرو»، عن شخصية حقيقية مقتبسة من كتاب المحقق الفيدرالى «تشارلز برانديت» بعنوان «سمعت أنك تدهن المنازل»، وهو مصطلح «عصاباتى» يشير إلى القتلة المحترفين، وبقع دماء ضحاياهم المُتناثرة على الحوائط، وبعيدًا عن الشكل النمطى لأفلام أكشن عصابات الجريمة المنظمة، نتعرف على عالم «شيران»، الجندى الأمريكى السابق فى الحرب العالمية، المكان الذى تعلم فيه قتل الأسرى بدم بارد، بأوامر قادته، وهو أمر أتلف بوصلته الأخلاقية حتى آخر حياته؛ فهو يقتل دون تردد أو ندم، لأنه يرى الأمر حتميًّا، ولو لم يفعله هو، فعله آخرون.

 

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج، بل كانت سردًا نفسيًّا لأصول شخصية كوميديان فاشل، يعيش فى مدينة «جوثام»، ويُعانى مشكلات نفسية، من أعراضها أنه يقهقه بصوت عالٍ حينما يتوتر، ويتدرج سيناريو «تود فيليبس» و«سكوت سيلفر» بالشخصية من حالة الهشاشة والبؤس إلى التحول الجذرى إلى عالم الإجرام العبثي، مرورًا بخلفية فساد مدينة «جوثام»، واستلهام المتظاهرين ماكياج وهيئة الجوكر، الذى يجد نفسه -دون قصد- رمزًا ثوريًّا لكل المهمشين والضعفاء.

 

لم يستلهم فيلم «جوكر» كثيرًا من مغامرات الجوكر التى أصدرتها "‪DC Comics" على هيئة قصص مصورة، لكنه استعان بمصادر سينمائية أخرى، أبرزها شخصيات أفلام المخرج «مارتن سكورسيزى»، وسنجد فى الملامح النفسية لتطور شخصية الجوكر الدرامية ملامح من شخصيات لعبها «روبرت دى نيرو» فى أفلام سابقة قدمها «سكورسيزى»، منها شخصية الكوميديان الفاشل فى ‪The King of Comedy «ملك الكوميديا»، وشخصية سائق التاكسى المشوش، العائد من حرب فيتنام فى (‪Taxi Driver) «سائق التاكسى»، وكلاهما ضغط عليه المجتمع، ودفعه إلى ركن ضيق لا مهرب منه، وكلاهما تطورت شخصيته من الهدوء والدماثة إلى العنف الصادم.

 

دراما الإثارة النفسية احتلت مساحة كبيرة من أفلام هذا العام، وقدمها فيلم ‪Us «نحن»، إخراج وتأليف «جوردان بيل»، فى إطار غرائبى وخيالى، يبدأ بتعرض عائلتين إلى هجوم من قرائن غامضة، يشبهون أفراد العائلتين تمامًا، لكنهم يتصرفون نحوهم بعنف مفرط، ومن نوعية الرعب النفسى أيضًا، يقدم فيلم "‪The Lighthouse" تجربة مخيفة يتعرض إليها حارسا فنار على جزيرة معزولة، والفيلم تأليف وإخراج «روبرت إيجرز»، وشارك «ماكس إيجرز» فى كتابة السيناريو، وهو بطولة «ويليام دافو» و«روبرت باتينسون»، ويستكمل فيلم "‪Doctor Sleep"، إخراج «مايك فلانجان» حكاية الطفل الذى يستطيع رؤية الأشباح، بعدما أصبح رجلًا ناضجًا، والحكاية تعود بنا إلى وقائع سابقة وردت فى فيلم (‪The Shining) «البريق»، إنتاج 1980، وإخراج «ستانلى كوبريك» الذى قدم واحدًا من أكثر أفلام الرعب النفسى شهرةً وجماهيرية، والفيلم مأخوذ عن رواية الكاتب «ستيفن كينج»، وتدور أحداثها حول حارس فندق مهجور «جاك نيكلسون»، تُسيطر عليه روح الحارس القديم للفندق، وتدفعه إلى قتل زوجته وابنه الصغير «دانى»، وينجو الطفل، لكنه يكبر ولا يزال يعانى صدمة الطفولة، ويجسد «إيوان مكريجور» شخصية «دانى» بعد مرور 35 عامًا على أحداث فندق «أوفرلوك»، والفيلم مأخوذ عن رواية «ستيفن كينج»، التى تحاول تتبع مصير الطفل صاحب القدرات الخارقة.

 

مغامرات سينمائية لافتة شهدتها سينما 2019، منها فيلم سباقات السيارات "‪Ford v Ferrari"، والفيلم الحربى "1917"، إخراج «سام منديز»، ويصور حكاية عرفها المخرج من جده، عن مهمة مستحيلة لجنديين بريطانيين فى أثناء الحرب العالمية الأولى، تتضمن اختراق جبهة العدو، والوصول إلى كتيبة بريطانية، وتحذيرها من كمين يهدد بتدميرها بالكامل، وينتقل «براد بيت» فى فيلم "‪Ad Astra"، إخراج «جيمس جراى» إلى كوكب «نبتون» لتنفيذ مهمة فضائية للبحث عن والده الذى يُظن أنه على قيد الحياة، بعد مرور أعوام على مهمة فاشلة انتهت بافتراضه ميتًا.

 

فرضت السينما الكورية نفسها على هوليوود، إذ قدمت واحدًا من أهم أفلام هذا العام، وهو فيلم (‪Parasite) «طفيليات»، إخراج «بونج جون هو»، وهو أول فيلم كورى يحصل على السعفة الذهبية فى مهرجان كان، ورشحته كوريا ممثلًا عنها لجائزة أوسكار الفيلم الأجنبي، والعمل كوميديا سوداء عن عائلة مهمشة من العاطلين، يتحايل أفرادها للعمل لدى عائلة غنية، ولا تعلم العائلة الثرية أن السائق ومديرة المنزل ومعلمة الطفل وأستاذ اللغة الإنجليزية ما هم إلا أفراد عائلة واحدة، مكونة من الأب وزوجته والابن والابنة، ويمثل كل واحد منهم دوره بحرص، حتى لا يكشف الآخرين، وتتحول حياتهم من حدوتة ساخرة عن العلاقات الزائفة بين الطبقات الاجتماعية، إلى صراع دموى بين شخصيات طفيلية، من أجل الاستمرار فى خداع العائلة الثرية الساذجة.

 

إنه أيضًا عام الأداء التمثيلى، وقائمة المنافسة كبيرة، تبدأ بأسماء، مثل: «روبرت دى نيرو» و«جو بيشى» و«آل باتشينو» و«واكين فينكس» و«براد بيت» و«أنطونيو بانديراس» و«رينيه زيلويجر» و«كاتى بيتس» و«لورا ديرن» و«لوبيتا نيونجو»، وتصل حتى «آدم ساندلر» عن دوره فى الفيلم الكوميدى «‪Uncut ‪Gems»، إخراج الأخوين «جوش وبينى صفدى»، ويجسد فيه شخصية صاحب محل مجوهرات مقامر، يحاول سداد ديون القمار المتراكمة عليه قبل فوات الأوان، وربما تحدث المفاجأة ويترشح عنه لأوسكار التمثيل.



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..