الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

طارق أبو السعد



الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر



اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان. لا تملك أن تقول إن الإسلام السياسى خسر رئيسًا وحكومة بعد عزل البشير، ففى غضون أشهر قليلة صار له رئيس وحكومة وبرلمان فى تونس.. 2019 عام الحيرة، لا نحن انتصرنا على الإسلام السياسى أمنيًّا وعسكريًّا، ولا نحن حاربناه فكريًّا.

 

يناير 

لم يكد العام الميلادى الجديد يبدأ والعالم فى نشوة الانتصارات على «داعش» فى العراق عام 2018، ففى يوم الأربعاء الموافق 16 يناير قام انتحارى بتفجير نفسه على مقربة من مطعم كان عددٌ من العسكريين الأمريكيين داخله، الذى تكبَّد خسائر مادية بسبب شدة الانفجار، رفع هذا التفجير من الروح المعنوية لعناصر «داعش»، ما ألهمهم ارتكاب عمليات أخرى.

 

فبراير

فى يوم 18 فبراير 2019 استهدفت الجماعة الإرهابية فى سيناء كمين «جودة 3» بالقرب من مطار العريش، ما أدى إلى مقتل عديد من الجنود المصريين والضباط، وهو ما سمح للبعض أن يتساءل متى تنتهى تلك الجماعات؟! والبعض أصابه اليأس من الانتصار عليهم. وعلى وجه الخصوص، بعد تلك العملية بساعات قام إرهابى بتفجير نفسه فى اثنين من رجال الأمن فى أثناء إلقاء القبض عليه، فى حى الجمالية بالقاهرة القديمة، بالقرب من الجامع الأزهر. وحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية، فإن (قوات الأمن كانت تتعقب مساء الإثنين، وقتذاك، شخصًا ألقى عبوة ناسفة بدائية الصنع أمام مسجد الاستقامة بالجيزة، يوم الجمعة الماضى، وفى أثناء إلقاء القبض عليه كان بحوزته عبوة ناسفة فجرها فى الجميع).

 

مارس

لم يكد الربيع يطل على العالم ومع صباح يوم الجمعة‪ الموافق 23 مارس، حتى فاجأنا الرئيس ترامب بإعلان هزيمة «داعش» فى سوريا، وانتهاء دولة الخلافة الداعشية إلى الأبد، فى حين أن قوات سوريا الديمقراطية أعلنت فى الوقت نفسه أنها لا تزال تطارد فلول تنظيم داعش الإرهابى المتحصنين فى آخر جيب لهم فى بلدة الباغوز شرقى سوريا، فى لحظة من أشد اللحظات ارتباكًا وازدواجية، فلا نحن نعرف هل انتصر العالم على أهل الشر «داعش» وإخوته، أم أن فلولهم ما زالت تتمركز فى مناطق بعينها وتمتلك السلاح والعتاد؟!

 

أبريل

ثم بعد إعلان هزيمة «داعش» فى سوريا، أُصيب الإسلام السياسى بزلازل من نوع آخر، ففى تركيا انهزم حزب العدالة والتنمية (حزب أردوغان) راعى الإرهاب وحامى الإسلام السياسى فى العالم، وكانت هزمته فى المحليات وفى المدن الكبرى، فقد أظهرت نتائج الانتخابات المحلية فى 1 أبريل 2019 بتركيا، فوز حزب الشعب الجمهورى، أكبر أحزاب المعارضة فى تركيا، فى كلٍّ من بلدية أنقرة، العاصمة الإدارية، وإسطنبول.

 

ثم صفعة أخرى على وجه الإسلام السياسى عندما أعلن وزير الدفاع السودانى، عوض بن عوف، يوم الخميس 11‏ أبريل 2019، عزل الرئيس عمر البشير، قائلًا: إن مجلسًا عسكريًّا انتقاليًّا سيتولى إدارة الدولة خلال عامَين.. وبهذا تنتهى عقود من حكم الإسلام السياسى للسودان.

 

وفى وسط الإحباطات المتتالية، يقوم تسعة انتحاريين، بينهم امرأة، بتفجيرات بسريلانكا يوم الأحد 21 أبريل 2019، ما أسفر عن سقوط 359 قتيلًا بينهم 39 أجنبيًّا. ويثور التساؤل مرة أخرى: هل يمكن إعلان الانتصار على «داعش» وما زالت أفرعه تعمل؟!

ووسط التشابك الإعلامى بين مؤيدى العمل العسكرى فقط ضد الإسلام السياسى ومؤيدى المواجهة الفكرية، يظهر علينا زعيم داعش أبو بكر البغدادى، فى فيديو شهير يعلن فيه الهزمية فى الباغوز بسوريا، ويستعد للمرحلة التالية. وحسب الفيديو فقد امتدح تفجيرات سيريلانكا كانتقام للخسائر الأخيرة فى سوريا.

 

مايو

عندما كاد شهر مايو ينصرف والإسلام السياسى يتجهز لهجوم قادم، تمكنت الدولة المصرية من ترحيل الإرهابى هشام عشماوى، من ليبيا إلى القاهرة، تمهيدًا لمحاكمته، إذ تم الترحيل فى 28 مايو. ويمثل هشام عشماوى قيمة كبرى فى الإسلام السياسى، فهو كضابط صاعقة مصرى سابق امتلك مقومات القائد الميدانى لـ«القاعدة». وأظهر عشماوى قدرة فائقة فى إدارة العمليات الإرهابية فى سيناء ضد الجيش المصرى، وعندما هرب إلى ليبيا ترأس أحد التنظيمات الإرهابية بمدينة درنة، ونفَّذ عددًا من العمليات الإرهابية بدولتَى ليبيا ومصر، فكان تسليمه إلى مصر صفعةً قويةً تألَّم لها كل عناصر الإسلام السياسى.

 

يونيو

 فى عملية انتقامية لتسليم عشماوى إلى مصر، قامت الجماعات الإرهابية فى سيناء بمهاجمة كمين فى العريش فى صبيحة يوم خمسة يونيو، ما أسفر عن استشهاد ضابط وأمين شرطة و6 مجندين، بينما قُتل 5 من العناصر الإرهابية خلال تصدِّى قوات الأمن للهجوم الإرهابى.

 

إلا أن الصدمة التى تلقاها أبناء الإسلام السياسى فى يوم 17 يونيو 2019 لم تكن مجرد هزيمة فى معركة، بل كانت ضياعًا للأمل بعودتهم إلى الحكم فى مصر مرة أخرى، فقد توفى الرئيس المعزول محمد مرسى، فى أثناء حضوره جلسة المحكمة، إذ سقط مغشيًّا عليه وتوفى بعدها. ساد الحزن الأسود جميع فصائل الإسلام السياسى، خصوصًا الإخوان المسلمين، فقد بطُلت حيلتهم وانكشف زيفهم وثبت فشلهم، فهم لا يعلمون كيف يبررون لأتباعهم عدم عودة مرسى إلى القصر بعدما أقسموا أن رئيسهم مرسى عائد إلى الحكم بعز عزيز أو ذل ذليل.

 

ثم تأكدت هزيمة الإسلام السياسى فى تركيا يوم 24‏ يونيو 2019، بعد إعادة إجراء انتخابات البلدية، إذ خسر حزب العدالة والتنمية التركى الحاكم معركة السيطرة على بلدية إسطنبول، ما مثَّل ضربة قاسية للرئيس التركى أردوغان ويومًا حزينًا للإسلام السياسى.

 

يوليو

ثم فى خضم بحث الإسلامويين عن بديل يعيد إليهم الأمل، أفاد بعض التقارير الصحفية فى 31 يوليو 2019، أن حمزة أسامة بن لادن قد قُتل، حيث زَعمت تلك المصادر أنها حصلت على معلومات من مسؤولين أمريكيين، لم تكشف عن هويتهم، ادَّعوا أن حمزة قد قُتل خلال السنتَين الأوليين من حُكم إدارة ترامب، مؤكدين فى الوقت ذاته أن الحكومة الأمريكية قد لعبت دورًا فى عملية الاغتيال هذه دون توضيح الطريقة‪.

 

أغسطس

لم يمر أسبوع على مقتل حمزة ابن زعيم القاعدة ومؤسسها، حتى قامت حركة حسم الإخوانية، بعملية مريبة. ففى الخامس من أغسطس فوجئ الشعب المصرى بانفجار سيارة مفخخة أمام معهد الأورام. اتهمت السلطات المصرية جماعة حسم التى تنتمى إلى الإخوان المسلمين بالضلوع فى العملية. وأعلنت وزارة الداخلية أن منفذ العملية لم يكن يستهدف معهد الأورام، بل كان يجرى تجهيز السيارة استعدادًا لتنفيذ إحدى العمليات الإرهابية بمعرفة أحد عناصرها.

 

سبتمبر

وهزيمة تلو هزيمة ورد فعل بالمقابل، استيقظ المصريون يوم الجمعة 27 سبتمبر 2019 على أنباء هجوم مسلحين إرهابيين فى سيناء، استهدف كمين «تفاحة» فى مدينة بئر العبد، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة جنود مصريين ومدنى، وأُصيب أربعة جنود آخرون، وقد قُتل 15 مسلحًا من منفذى الهجوم بطائرات حربية مصرية.

 

أكتوبر

 ثم توالت الهزائم على عناصر الإسلام السياسى، ففى يوم 26 أكتوبر 2019 قامت القوات الأمريكية بشن غارة شمال غربى سوريا، أسفرت عن مقتل أبى بكر البغدادى زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، والذى أعلن نفسه سابقًا خليفةً لعموم المسلمين فى الأرض. وجاء إعلان مقتله على لسان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى يوم 27 أكتوبر، ببيان غير اعتيادى من البيت الأبيض، وجاء مقتل البغدادى بهذه الطريقة ليضع نهاية لمشروع إقامة دولة للإسلامويين، تكون قاعدة للعمليات الإرهابية التى تستهدف المسلمين فى أوطانهم، ويشعر أبناء الإسلام السياسى بمرارة الهزيمة مرة أخرى.

 

نوفمبر

 رغم الهزائم المتتالية، فإن الإسلام السياسى تمكن من تحقيق انتصار مهم وكبير، ففى الوقت الذى تلقى فيه هزيمة سياسية فى القاهرة والخرطوم وأنقرة، هاهو يحقق انتصارًا فى تونس، فقد تمكنت حركة النهضة، الفرع الإخوانى فى تونس، من الفوز فى الانتخابات التشريعية، إذ أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية يوم 8‏ نوفمبر 2019، النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التى جرت فى 6 أكتوبر الماضى، والتى أسفرت عن فوز «النهضة»، ما سمح لراشد الغنوشى برئاسة البرلمان التونسى وتشكيل الحكومة، وكانوا قد ساعدوا الرئيس التونسى قيس سعيّد، على الفوز فى انتخابات الرئاسة.

 

ووسط الفرحة بالانتصار التونسى، بعد عشرة أيام، تحديدًا فى 18 نوفمبر، كشف موقع "إنترسيبت" عن وثائق سرية مسربة للاستخبارات الإيرانية، حصل عليها الموقع ونشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، عن اجتماع سرى بين الحرس الثورى الإيرانى وتنظيم الإخوان المسلمين، من أجل ضرب المصالح السعودية، ووضع إطار عمل للتعاون فى ما بينهما بالمنطقةـ وذكرت الوثائق أن مسؤولين بارزين فى «فيلق القدس» التابع للحرس الثورى الإيرانى، اجتمعوا مع قادة بتنظيم الإخوان فى تركيا، فى أبريل عام 2014. هذا التسريب كشف عن الوجه القبيح للإخوان المسلمين، قلب الإسلام السياسى، وكيف أنهم يتعاملون فى الخفاء مع إيران ويعلنون أنهم ضدها فى العلن، ولم يجد الإخوان ما يبررون به سقوطهم المشين إلا الزعم بأنهم قد تعرضوا للتو إلى ضربة قوية فى مصر أدَّت إلى خسارتهم السلطة، وأنهم لجؤوا إلى التحالف مع الإيرانيين على أنه "فرصة" لاستعادة شىء من المكانة الإقليمية.



أقرأ أيضا

البلد

أزمة ليبيا بين فشل موسكو وآمال برلين

في الطريق إلى مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية الذي يبدأ أعماله اليوم، كان العبور بمحطة محادثات موسكو التي انتهت بالفشل حدثاً مهماً أزاح الكثير من الغموض عن مواقف الأطراف التي شاركت في المحادثات...
البلد

فرق تسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب؟

قبل الغزو العثماني، كانت السلطنة المملوكية تشمل أقاليم مصر والشام والحجاز وجنوب الأناضول، مع وجود حاميات أو أنظمة موالية للقاهرة في النوبة واليمن وقبرص والمناطق الحدودية بين الأناضول والعراق والشام.
يرحمكم الله

محاولة للفهم.. الطورانية + الإسلام السياسي + الغاز = رجب أردوغان

​​​​​​​ليس الهدف من هذا المقال النيل أو التجريح في الشعب التركي، فهو شعب شقيق، نرتبط معه بعلاقات تاريخية وشعبية، ولكن نكتب عن الأسباب التي تدفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى التدخل في الشأن العربي..