طريقة ترامب في الحكم...!

أحمد الفراج



طريقة ترامب في الحكم...!



يتميز الرئيس ترامب عن كل رؤساء أميركا السابقين، بأن لديه القدرة على أن يُحيّر الأميركيين والعالم ، فهو لا يتوانى عن التصريح في ما يطرأ عليه من خواطر، ثم يترك العالم يسهر ويختصم بشأن تلك التصريحات.

 

وأفضل الأمثلة على ذلك هي تصريحاته ضد من يفترض أنهم خصوم أميركا، مثل الرئيس الروسي وزعيم كوريا الشمالية ورئيس إيران، وكذلك تصريحاته عن بعض الحلفاء، إذ يجد المتابع أن الصورة معكوسة، فترامب يبدو ناعماً مع الخصوم، وقاسياً مع الحلفاء، وهذه لا يستطيع المعلق السياسي الحديث عنها، فهي من اختصاص علماء النفس، وإن كان هناك اتفاق على أن ترامب يعاني النرجسية والعناد.

 

والمشكلة هنا هي أن ترامب يخالف القواعد المتبعة في الحراك السياسي الأميركي، فرئيس أميركا- تاريخيّاً- يزن تصريحاته بميزان من ذهب، ولا يخرج منه تصريح، إلا بعد استشارة أهم مساعديه، ويكون حريصاً على ألا تكون هناك كلمة زائدة أو مكرّرة، لأن ما يقوله رئيس القوة العظمى، له تبعات كبرى، فتصريح واحد من الممكن أن يسقط حكومة، مثلما حدث مع الرئيس أوباما وحسني مبارك، وبالمثل، فإن بضع كلمات من زعيم العالم الحر، من الممكن أن تؤثر في الاقتصاد العالمي، وتصيب أسواق المال باهتزازات قاسية.

 

عندما اتصل الرئيس التركي بالرئيس ترامب، كانت الأصول المتبعة في أميركا، أن يجتمع الرئيس مع أعضاء مجلس الأمن القومي، وهم كبار أركان الإدارة، وأبرزهم نائب الرئيس، ووزراء الدفاع والخارجية والطاقة، وكذلك رئيس هيئة الأركان، والمشرف على أجهزة الأمن والاستخبارات، ثم يتخذ الرئيس القرار الذي يراه، عطفا على رؤية شاملة ومشتركة، ولكن ما حدث مع ترامب كان مختلفاً كليّا، فقد تخلى عن الكرد، الذين خسروا أحد عشر ألف مقاتل، أثناء مشاركتهم للقوات الأميركية في ملاحقة مقاتلي داعش، ومنح أردوغان الضوء الأخضر لاجتياح شمالي سوريا، ثم عندما اتضحت النتائج الكارثية لذلك، إذ اختلف الجميع تقريبا مع الرئيس، بما في ذلك أقرب حلفائه الجمهوريين.

 

حاول ترامب معالجة الأمر، وأرسل رسالة شديدة اللهجة لأردوغان، وأرسل نائبه ووزير الخارجية إلى تركيا، ثم حصل اتفاق لوقف التوغل التركي، وقبل أن يجف حبر الاتفاق الهشّ، الذي سمَّـته أميركا وقفاً لإطلاق النار، بينما قالت تركيا إنه ليس كذلك، بل مهلة للكرد، ليغادروا المنطقة العازلة، عاد ترامب يصرّح، ممتدحاً رئيس تركيا، الذي كان قد أرسل له رسالة قاسية قبل ذلك بأيام.

 

وبصرف النظر عن نجاح الاتفاق الأميركي التركي، فإن تعامل ترامب مع انسحاب القوات الأميركية من شمالي سوريا بتلك الطريقة، وإن كان يتواءم مع طريقته المتفرّدة في الحكم، إلا أنه أثار الكثير من الجدل داخل الدوائر الأميركية وخارجها، والكثير من القلق لدى حلفاء أميركا، لكن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، فهذه هي طريقة ترامب في الحكم، منذ أن دخل البيت الأبيض، وكما أنه من الصعب تدريب الحصان بعدما يكبر، فمن الصعب أن نتوقع تغيير ترامب لطريقته في الإدارة والحكم...!

...

أحمد الفراج

كاتب وأكاديمي سعودي

...

نقلًا عن «سكاي نيوز عربية»



أقرأ أيضا

البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.