الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

على أبو الخير



الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل



نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم، والغريب أنهم يشيدون بالحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي دامت أكثر من خمسة قرون تحمل مشاعل الحضارة للعالم بأسره، ولكن رجال الدين لا يريدون الاعتراف بأن تلك الحضارة الزاهية لم تقُم إلا بعيدًا عن فكر رجال الدين أنفسهم، وهو ما نريد شرحه لعله ينير لنا طريق التجديد والفهم والمعرفة والدولة المدنية والمواطنة وغيرها من مفاهيم العقل العالمي.

 

أولًا: نعترف أن الحضارة الإنسانية سلسلة متصلة من التواصل البشري والإنجازات المتتالية؛ تتراكم المعارف وتنتقل الحضارة من جهة إلى جهة، تأخذ اللاحقة عن السابقة وتضيف إليها رغمًا عن كل محاولات حجب مشارق المعارف والفنون والثقافات، وقد انتقلت الحضارة من مصر القديمة وبابل إلى اليونان لتعود إلى الشرق الآسيوي، ثم تنتقل إلى الحضارة العربية الإسلامية؛ لتكون جهة الاتصال والتواصل ونبع الحضارة الغربية الأوروبية المعاصرة.

 

الملاحظ أن الحضارة لا تقوم على رجال الأديان؛ لأنهم يعتقدون أنفسهم حرّاس أبواب السماء، أو أنهم الجهة المنوط بها هداية البشر، وبالتالي يقعون في أتون التعصب والعنف والبطش، فكانوا وما زالوا إذن عائقًا أمام التواصل البشري، حدث هذا في كل الأديان، وقد كانت الحروب التي يقودها رجال الدين أكثرها دموية ووحشية، وينسبون القتل والتدمير إلى الله، مثلًا قال البابا أوربان الثاني عام 1095: "الرب يريد هذه الحرب"، يقصد الحروب الصليبية، ولم يسأله أحد من المؤمنين الطيبين عن كيفية معرفته لرأي الرب.

 

ولم تشذ الحضارة الإسلامية عن تلك القاعدة، فالحضارة الإسلامية لم تحدث بسبب رجال الدين وأصحاب المدارس الفقهية، فلم يأخذ الغرب في نهضته عن الأئمة أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل أو الأوزاعي أو غيرهم من شيوخ الفقه والحديث، ولكنهم أخذ عن علماء الدراية والعقل والعلم المعرفي من أمثال ابن سينا وابن النفيس والفارابي والبيروني وابن الهيثم والكندي والرازي والخوارزمي وجابر بن حيّان وابن رشد.. وباقي سلسلة علماء العقل، بعضهم كانوا رجال فقه، ولكنهم كانوا تنويريين بمفهوم التنوير الحقيقي، ولقد وفّقوا بين العقل والنقل، بين الرواية والدراية، فنهضت الأمة بهم، وكانوا بحق مشاعل نور للعالم. والمتأمل في الحديث النبوي المنسوب إلى الرسول، عليه السلام: "اطلبوا العلم ولو في الصين"، كان يقصد به العلم التجريبي، فليس من المنطق أن يرحل الطلّاب للصين لطلب العلم الفقهي، وهذا هو المقصود في التواصل البشري، والله جل شأنه قال في القرآن الكريم في سورة الحجرات|13: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"، وهو يعني التعارف والتواصل المعرفي والحضاري بين شعوب الأرض، والله جعل الاختلاف من سنن الله في الأرض، والمفترض حراسة هذا التنوع البشري.

 

على أية حال، كانت بداية عصر النهضة الإسلامية رغم الاستبداد السلطاني الذي يسخّر الدين لخدمة السياسة، في أواخر عصر الخليفة العبّاسي أبي جعفر المنصور ثم في عصر الخليفة هارون الرشيد، عندما أستقدم الوزير يحيى بن خالد البرمكي من الهند بعضًا من علماء الطب والفلك والهندسة وغيرها، فتتلمذ على أيديهم كثير من طلاب العلم المسلمين، فكانوا نواة الأخذ بأسباب الحضارة، وتوّج الخليفة عبد الله المأمون المسيرة عندما تمت في عهده ترجمة كتب الإغريق "أرسطو وأفلاطون وسقراط"، وقام رجال المعتزلة بالدفاع عن الإسلام بالمنطق والفلسفة متأثرين بالقرآن الكريم والفلسفة اليونانية في وقت واحد، فنشأ "علم الكلام"، ولكن تلك النهضة حدثت لها نكسة منذ عصر الخليفة المتوكل بالله، عندما تسلّط رجال الدين الحشويين بالمصطلح القديم أو السلفيين بالمفهوم المعاصر، فعاشت الدولة منذ العصر العباسي الثاني ردّة حضارية، فقد قال رجال الدين وقتها "من تمنطق فقد تزندق"؛ أي أن دراسة علم المنطق نوع من الكفر، ومع ذلك انتقل العلم إلى الدولة الأندلسية، فظهر الفقيه الفيلسوف الشهير الوليد بن رشد، كما كان هناك عديد من العلماء الذين برعوا في علم التاريخ والجغرافيا؛ ومنهم ابن الفرضى، ومحمد بن الحارث الخشنى، وأبو القاسم المجريطى من أوائل الذين اشتغلوا بالرياضيات والكيمياء، وعباس بن فرناس في علم الهندسة، وأبو عبيدة القرطبي في علم الفلك، وأبو القاسم الزهراوى وابن البيطار في الطب والصيدلة، وغيرهم كثيرون يفوق الوصف والحصر، كما كان للدولة الفاطمية دور نشر العلم والمعرفة، وعندما ظهرت الدول المستقلة حدث نوع من السيولة السياسية والعلمية كما قال الدكتور جمال حمدان؛ فكان المواطنون ينتقلون من بلد إلى بلد دون شعور بالغربة أو فقدان الوطن، وشهدت تلك الدول المستقلة حضارة متعددة؛ مثل الدول الحمدانية- السامانية- الطولونية.. وغيرها، ونتعجب عندما نقول إن الحضارة الإسلامية توهجت عندما لم تكن الأمة تحت ظلال خليفة واحد، بل عندما كانت تشهد الدول المستقلة.

 

نلاحظ في كل تلك المراحل الحضارية، أنه لم يكن لرجال الدين دور في نهضة الأمة، بل كثيرًا ما كانوا يمثلون عائقًا في تقدمها، ولقد تزامن ذلك مع الهجمات المغولية التترية والصليبية على العالم الإسلامي، هذا وقد أغرق المغول مكتبة بغداد العلمية، وأحرق صلاح الدين الأيوبي المكتبة الفاطمية الكبرى، وأُحرقت مكتبة ابن رشد، فضاع علم كثير، فبدأ موت العقل، وظهر رجال النقل ليسودوا الأمة بالحشو والتبرير. صحيح أن الدول الإسلامية انتصرت في النهاية على المغول والفرنجة؛ ولكنه نصر بطيء دام مئتي عام امتصّ عقل المسلمين، كما يرى المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت، في موسوعته "قصة الحضارة"، دخلت بعدها الأمة في ظلام فكري دامس، إلى أن قام العثمانيون الأتراك باحتلال الدول الإسلامية؛ بما فيها الدول التي قادت مشعل الحضارة، وظل العقل العربي فاقدًا مناعته الثقافية والعقلية والحضارية، حتى ظهر جيل التنوير منذ الغزو الغربي- الأوروبي للبلاد الإسلامية، فكان جيل رفاعة الطهطاوي، ومن جاء بعده محمد عبده وقاسم أمين وفرح أنطون وطه حسين وعلي عبد الرازق.. وغيرهم، ولكن دائمًا كان رجال الدين يقفون لهم، ويعطلون مسيرتهم ومسيرة الأمة كلها، فكان في كل مرة يقوم رجال الدين بالهجوم على شيوخ العقل، فتتمزق الأمة أكثر.

 

انهارت الخلافة العثمانية عام 1924 فظهرت جماعة الإخوان المسلمين، وهم في النهاية من ضمن رجال الدين، الذين يقدّمون النقل على العقل، ويبرّرون الاستبداد الحكومي باسم إحياء الخلافة المزعومة، وعندما يفشلون يعيثون في الأرض فسادًا وقتلًا وتحريقًا، وظهر معهم الوهابيون من الدواعش والقاعدة، وظل رجال الدين في المؤسسات الرسمية ينشرون ثقافة التبرير دون ثقافة التنوير، ثم يسعون لتجديد الفقه الديني بمنطقهم المعروف وفقههم المشهور، وكأنهم ونحن معهم يحرثون البحر أو يقيسون السماء بالشبر أو الذراع.

 

النهضة المطلوبة لابد أن تقوم على أكتاف علماء الفلسفة والاجتماع والاقتصاد والقانون والطب والصيدلة، هؤلاء يحددون المشروع الحقيقي للنهضة، وقد يأخذ المشروع وقتًا، ولكنه الطريق الوحيد الآمن للنهضة، هذا ما نراه صوابًا يحتمل الخطأ، وعلى الله قصد السبيل.

 



أقرأ أيضا

البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.