أعظم فيلم مصرى الذى لم يتم تصويره

إبراهيم عيسي



أعظم فيلم مصرى الذى لم يتم تصويره


صورة ارشيفية


صحيحٌ أنها عن فيلم لم يحدث، بل لم يتم إطلاقًا، والأكثر مفارقة أنه لم يبرح رأس رجل، ومع ذلك فهو أعظم فيلم مصرى لم يتم إنتاجه.

 

لنفك سر اللغز حالاً ونتحدَّث عن الفريق سعد الدين الشاذلى، وهو واحد من أعظم قادة مصر العسكريين، ليس فقط لأنه رئيس أركان الجيش المصرى فى حرب أكتوبر، بل لأنه إضافة إلى هذا هو صانع ومنفِّذ خطة العبور.

 

يمكن أن تصفه وأنت مطمئنٌّ تمامًا ضميريًّا وتاريخيًّا أنه هو بطل العبور. 

ليلة السادس من أكتوبر وحيث يدخل الفريق الشاذلى إلى غرفة نوم ملحقة بمكتبه فى غرفة عمليات الحرب التى ستشتعل بعد ساعات ويستلقى جسده على فراشه، فإذا بالفكرة تسطع وسط كل هذه المسؤوليات فى ذهنه، فكرة الفيلم.

نعم، فيلم سينمائى عن حرب أكتوبر التى ستبدأ فى الظهيرة التالية.

دعنا الآن نذهب إلى مذكراته الأهم ونقرأ هذه الوثيقة التى دوَّنها عن فيلم حرب أكتوبر.

 

يقول تحت عنوان: شعورى وأفكارى قبل بدء المعركة (وبنهاية يوم الجمعة قررت أن أنام مبكرًا لكى آخذ أكبر قسط من الراحة قبل أن تبدأ العمليات ويصبح من الصعب الحصول على فرصة للنوم أو الراحة.

 

تناولت عشاءً خفيفًا وأويت إلى فراشى الذى يقع فى غرفة ملاصقة لغرفة العمليات، حاولت النوم ولكن دون جدوى. كان سيناريو scenario عملية اقتحام قناة السويس وحصار وتدمير خط بارليف يمر فى خيالى، وكلما انتهى عرض هذا الفيلم عاد ليعرض نفسه من جديد.

 

وهنا بدأت حوارًا مع نفسى حول تصوير المعركة، كنت أناقش مع نفسى فكرتَين: إحداهما تنادى بتصوير معركة العبور، والأخرى كانت تعارض الفكرة الأولى، ونظرًا لوجاهة الأسباب التى كانت تؤيد كل فكرة فسوف أعرض مزايا وعيوب الفكرتَين تاركًا للقارئ حرية الحكم على أفضلية كل منهما.

 

وسوف أذكر فى ما يلى كيف كانت الفكرتان تتصارعان فى رأسى.. وسأرمز بالرأى الذى يعارض التصوير بـ«الأول»، وسأرمز بالرأى الذى يؤيد بـ«الثانى».

 

الأول: إذا قُمنا بتصوير فيلم عن معركة العبور فإن قيمته السوقية يمكن أن تزيد على 100 مليون دولار، أما قيمته التاريخية فإنها لا تقدَّر بثمن.. ولكن كيف يمكن تصوير هذا الفيلم دون أن يكون مخرج الفيلم على علم مسبق بالسيناريو والمواقف والتوقيتات كلها.

 

إن هذا يعنى إذاعة أسرار الخطة للمخرج فى الوقت الذى حجبنا فيه هذه المعلومات عن كثير من القادة، وحتى القادة فإن كلّاً منهم يعرف فقط ما يخص القوات التى تحت قيادته ولا يعرف عن عمل باقى القوات الأخرى إلا بالقدر الذى يتيح له التعاون معها، أما هذا المخرج فيجب أن يعرف كل شىء لكى يمكنه القيام بواجبه على الوجه الأكمل.

 

الثانى: صباح غدٍ سوف يعلم عشرات الألوف من الضباط والجنود بنبأ الحرب، فماذا لو عرف أيضًا مخرج الفيلم؟ يمكنك أن تدعو أحد المخرجين صباح غدٍ وتكلفه بالمهمة.

 

الأول: ماذا تقول؟ غدًا هذا مستحيل، لن يكون لديه الوقت الضرورى لتنفيذ المهمة. إن مخرج الفيلم يحتاج إلى يوم كامل لفهم السيناريو، ثم يحتاج إلى 3 أو 4 أيام لتجهيز نفسه لعملية التصوير.

الثانى: مَن قال لك ذلك؟

الأول: لا أحد، ولكنى أعتقد ذلك. إن هذا هو التفكير المنطقى.

الثانى: الوقت ليس متأخرًا كما تعتقد، ما عليك إلا أن تستدعى المخرج صباح غدٍ وتكلفه بالمهمة ثم تستمع إلى ما يقول).

 

ويمضى الفريق سعد الشاذلى ليسجل هذا الحوار الدائر الهادر فى ذهنه بين طرفَين يتنازعان حول استدعاء مخرج سينمائى لتصوير حرب أكتوبر فى اليوم التالى.

 

(الأول: ربما يطلب منى طائرتَى هليكوبتر على الأقل لكى يستخدمهما فى التصوير، وهناك احتمال أن يقوم رجالنا بإسقاطهما على اعتبار أنهما طائرتان معاديتان، وحتى لو أصدرنا تعليمات مشددة بعدم إطلاق النار على هاتين الطائرتين فلا يمكن لأحد أن يضمن وصول هذه التعليمات إلى الأفراد جميعًا، وعلاوة على ذلك فإن إصدار مثل هذه التعليمات للجنود لتأمين طائرتَى تصوير الفيلم قد يخلق لدى الجنود نوعًا من التردد فى إطلاق النار على طائرات الهليكوبتر المعادية ظنًّا منهم أنها طائرات صديقة.

 

الثانى: إن المزايا التى يمكن الحصول عليها نتيجة تصوير هذا الفيلم تفوق بكثير المخاطرة باحتمال إسقاط طائرتَى هليكوبتر. لقد تعودنا أن نسمع منك فى كثير من المناسبات عبارة «المخاطرة المحسوبة»، لماذا لا ندخل هذا العمل ضمن «المخاطرة المحسوبة»؟

 

الأول: هذا شىء مختلف، إن هذا العمل لن يكون له أى أثر مباشر أو غير مباشر على نتيجة الحرب، إنه فقط للتسجيل التاريخى.

الثانى: إن تسجيل التاريخ هو عملية مهمة، إن من حق أبنائنا وأحفادنا أن يعرفوا ما قام به آباؤهم وأجدادهم لكى يفخروا به ويستفيدوا ويتعلموا منه.

 

الأول: إنى مقتنع بما تقول، ولكنى مقتنع أيضًا بأن إذاعة سيناريو العبور بكامله أمام مخرج الفيلم قبل بدء العمليات الحربية هى مخاطرة كبيرة ليس هناك ما يسوغها.

 

وبهذه المناسبة يجب أن أقرر هنا أن الصور التى نشرت فى الصحافة الوطنية والصحافة العالمية، والتى كانت تمثل دباباتنا وهى تعبر فوق الكبارى والمعديات، وجنودنا المشاة وهم يركبون القوارب التى يرفرف عليها العلَم المصرى فى أثناء العبور، كلها صور مزيفة لم يتم تصويرها فى أثناء المعركة. إنها صور قام الإعلام المصرى بالتقاطها بعد المعركة لأغراض الدعاية وقام بتمثيلها جنود كومبارس وأخذت لهم تلك الصور بعيدًا عن قصف المدافع ولعلعة الرشاشات. وإنى أعلن أنه لم يدخل مصوّر واحد إلى منطقة القتال إلا بعد ظهر يوم 8 أكتوبر، أى بعد بدء القتال بأكثر من 48 ساعة.

 

إنى لا أقول هذا لكى ألوم أحدًا من المصورين، فلم يُطلب من أى مصور الذهاب إلى الجبهة ورفض، ولكن أقول ذلك لأنه الحقيقة، وقد اكتشفت ذلك عندما زرت الجبهة يوم 8 أكتوبر، فأمرت بإلحاق بعضهم بالوحدات فقاموا بتنفيذ ذلك اعتبارًا من بعد ظهر يوم 8 أكتوبر.

 

لم يكن يهمنى أن أقول هذه الحقيقة لو أن الصور التى التقطت تمثِّل حقًّا الجندى المصرى الشجاع وهو يقتحم القناة، ولكنى صدمت عندما شاهدت هذه الصور فى الصحف الأجنبية.

 

إن بعض هذه الصور يمثل جنودًا يعبرون بصورة غوغائية ينعدم فيها الضبط والربط والنظام الدقيق الذى كان مفروضًا فى أثناء عملية العبور، إنها صور لا تمثِّل مطلقًا الجندى المصرى الذى عبر القناة.

 

كم أشعر الآن بتأنيب الضمير لأننى لم أستمع إلى النداء الذى كان يطلب منى أن نقوم بتصوير هذا العبور، ورفضت ذلك من أجل المحافظة على السرية).

 

تخيلوا لو كان الفريق الشاذلى قد انتصر لفكرة استدعاء مخرج لتصوير هذا الفيلم، لَكُنا سنرى عملاً مذهلاً خالدًا خلود هذه الحرب بعيدًا عن أفلام أكتوبر حسنة النية التى تليق بالنوايا لكن لا ترقى لمقام حربنا الأعظم.

 

ولكن تفتكر مَن هو المخرج الذى كان سيدعوه الفريق الشاذلى فى منتصف الليل ليخرج أعظم أفلام عمره؟ 

 

للأسف لم يخبرنا الشاذلى اسمه، وفات السينما المصرية كلها أن تسأله قبل وفاته عن اسم هذا المخرج!



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.