عبقرية الفول والطعمية

د. محمد المهدي



عبقرية الفول والطعمية


أرشيفية


كنت أتحدَّث في التليفون مع صديق إعلامي عزيز حول فكرة برنامج إذاعي أو تليفزيوني نستعرض فيه الشخصيات المصرية العبقرية (وهي كثيرة)، ونقوم بتحليل تلك الشخصيات وإظهار مواطن وبواعث العظمة فيها رغم ما عاشته –ربما- من مآسٍ وصعوبات في حياتنا المصرية التي نعرفها، ووصلنا إلى أن العبقرية لا تكون فقط في الأشخاص، ولكن أيضًا في الأماكن والأزمنة.

 

وحين وصلنا إلى هذه النقطة كنت قد وصلت أنا بالسيارة إلى مطعم "فلفلة" في "المقطم" قريبًا من عيادتي؛ حيث تعودت أن أتناول ساندوتشَي فول وطعمية قبل بدء نشاطي..

 

وبينما أنا أستمتع بطعم الساندوتشَين وأتذكر ارتباطي الوثيق بهما منذ الصغر وبحثي عنهما في الإفطار صباحًا حين أسافر خارج مصر، فأجدهما في بعض الفنادق؛ خصوصًا في الدول العربية فأكون في غاية السعادة والرضا.. وهنا قفز إلى ذهني فكرة عبقرية الفول والطعمية في حياة المصريين بالذات (فهل تكون العبقرية في بعض الأكلات أيضًا؟!) فهذه الأكلة تميزهم، وتعتبر جزءًا من هويتهم؛ لأنها تتغلغل في حياتهم أكثر مما تتغلغل أية أكلة أخرى، لدرجة أن بعض إخوانّا العرب كانوا إذا أرادوا مداعبتنا (أو معاكستنا أو مكايدتنا أو معايرتنا) قالوا: "يافوَّال" (على الرغم من أنهم عشقوا هم أيضًا الفول والطعمية وبعضهم انضم إلى نادي الفوَّالين)، وقد كنت أسعد بهذا اللقب، وأضيف لهم: "أنا مصري عربي مسلم فوَّال".

 

وأتذكر في طفولتي وصباي أسماء مطاعم الفول والطعمية؛ مثل (أبو ستو، وأمين الهنداوي)، وغيرهما.. (لم تكن مطاعم بل دكاكين متواضعة)، وفي شبابي مطعم "توتو والشويحي والموافي والسيدة زينب" في المنصورة، وفي سن أكبر مطاعم "فلفلة ونعمة والتابعي الدمياطي وجاد والشبراوي والعمدة والبغل".. وغيرها في القاهرة.

 

فما يا تُرى مواطن العبقرية في الفول (الذي قد يبقى فولًا كما هو أو يتحول إلى طعمية)؟.. إنها كثيرة لا يحصرها عد، ولكن نكتفي بما يلي:

  • هو أكلة للفقير والغني؛ أي أنه عابر للطبقات الاجتماعية، وموحد للمصريين على حبّه.
  • يأكله المثقف والأُمِّي، وأذكر أن الأستاذ نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله وخضوعه لعمليات جراحية، حين أفاق كان أول مطلبه طبق فول وقرصَّي طعمية، وهكذا حدث مع كثير من المبدعين العظام في مصر.
  • يؤكل في الصباح والمساء على حد سواء.
  • هو أشهى أكلة في رمضان، وينافس أعظم الأطباق على الفطور أو السحور.
  • يأكله الإنسان والحيوان على السواء، وهذا يُعَلِّم الإنسان التواضع.
  • يمسك البطن ويمنع الجوع لفترة طويلة.
  • بلاهة آكلي الفول، والتي تظهر في بعض مراحل هضمه، قد تكون نوعًا من المسكنات والملطفات لمآسي وآلام الحياة، فالفول صديق المعذبين والمتعبين والمقهورين.
  • يقبل شركاء آخرين على الترابيزة؛ مثل: الباذنجان والبطاطس والبيض والعجة والجرجير والبصل والمسقعة، ويتناغم جدًّا معها في وئام غذائي عجيب، ويتقبَّل شاكرًا وممتنًّا كوباية الشاي بعده "علشان تحبس"، وبالتالي يصبح هو مظهرًا من مظاهر قبول الآخر والتعددية في الحياة المصرية.   
  • رخص ثمنه (على الأقل نسبيًّا).
  • يؤكل الفول بأشكال متعددة؛ فهناك فول بالزيت وفول بالطحينة وفول بالسمنة البلدي وفول بالزبدة وفول بزيت الزيتون وفول بالزيت الحار وفول بالليمون وفول بالطماطم وفول بالصلصة وفول بالبيض والفول السادة والفول المهروس والفول المقشَّر والفول النابت. وتأخذ الطعمية أيضًا تنويعات؛ مثل الطعمية السادة والطعمية بالسمسم والطعمية بالبصل والطعمية بالبيض، وقد تكون على شكل كرات صغيرة أو أقراص مختلفة الحجم. هذه التنويعة الثرية لا توجد في أية أكلة أخرى.
  • يؤكل في مطاعم للأثرياء والطبقة المتوسطة، ويؤكل على عربية في الشارع للفقراء والكادحين.
  • انتقل من المحلية إلى العالمية؛ فأصبحنا نراه في كثير من الدول العربية وبعض الدول الأجنبية.
  • لا يسبب الحساسية، وكثير من المرضى يصبح هو الأكلة الآمنة والصحية لهم (باستثناء وحيد في مرضى أنيميا الفول).
  • يصنع في "قِدْرَة" في المطاعم، ويُكَمَّر في "زراوية" توضع في "محمة الفرن" في القرى (قديمًا شويّة) ويطبخ في "حلَّة" أو "كسرونة" أو "دقيَّة" (قد تكون بعض هذه الكلمات قد انقرضت فلا تنزعج).  

 

لكل هذه الأسباب سالفة الذكر نجد أن الفول والطعمية قد تحوَّلا من مجرد أكلة إلى حالة انتماء وهوية وثقافة وترابط ومتعة.

 

وكثيرًا ما أتمنى إن تكرَّم ربي عليَّ وأدخلني الجنة أن أجد هناك حاجتي من الفول والطعمية.    



أقرأ أيضا

البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.