هل تستفيد مصر من الحرب التجارية العالمية؟

محسن عادل



هل تستفيد مصر من الحرب التجارية العالمية؟


أرشيفية


في مقال حديث للدكتور محمود محيي الدين، نائب رئيس البنك الدولي، أشار فيه إلى تزايد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين كأكبر اقتصادَين على مستوى العالم. فبين رفع للتعريفة الجمركية من ناحية وحظر استيراد بعض السلع من ناحية أخرى، تزايدت تقلبات الأسواق مع قلق التجار والمستثمرين، وتوقعات بأن تدفع هذه التوترات الاقتصاد العالمي إلى مزيد من التباطؤ بتراجع النمو والصادرات والاستثمارات، وانخفاض طلب المستهلكين للسلع والخدمات.

 

ومع استمرار حالة التوتر واتخاذ إجراءات عقابية من طرف برد فعل مماثل أو أكبر، من طرف آخر، تتباطأ فرص التسوية وتتزايد احتمالات الولوج في حرب تجارية كاملة العناصر؛ خصوصًا مع تبادل الاتهامات بالتلاعب في قيم سعر الصرف، إيذانًا بإشعال حرب أخرى في جبهة أخرى، في ما يُعرف بحرب العملات بين مؤيد لوجود تلاعب في أسعار الصرف، ومنكر لذلك؛ باعتبار أن هذا تغيُّر طبيعي يرجع إلى الاعتبارات الاقتصادية الحاكمة لقيمة العملة.

 

بدأ ذلك مع تضخم حجم التبادل التجاري بين أمريكا والصين؛ حيث بلغت قيمة الواردات من الصين إلى أمريكا خلال عام 2017 نحو 505.6 مليار دولار، مقابل صادرات 116 مليار دولار؛ بعجز تجاري وصلت قيمته إلى 347 مليار دولار بنسبة 60% من إجمالي العجز التجاري الأمريكي، وبدأت الأزمة في يناير 2018؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اعتزامها فرض رسوم جمركية على بعض الواردات الصينية، لحماية الملكية الفكرية والتكنولوجية الأمريكية.

 

فى أعقاب ذلك فرضت واشنطن رسومًا جمركية بنسبة 30% على الألواح الشمسية المستوردة، و20% على الغسالات المنزلية؛ مما دفع الصين إلى الرد في 9 مارس الماضي؛ حيث اعتبرت الرسوم الجمركية هجومًا خطيرًا على التجارة الدولية، وقد صعَّدت واشنطن بفرض جمارك بنسبة 25% على الحديد و10% على الألمونيوم؛ فجاء الرد الصيني بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على 128 سلعة أمريكية، ومنذ هذا الوقت توالى التصعيد من كلا الجانبَين رغم محاولات التهدئة.

 

ذهبت الصين إلى ما هو أبعد من تخفيض قيمة الـ"يوان" وَفقًا لتقارير صحيفة عالمية؛ حيث أصدرت الحكومة تعليمات إلى الشركات المملوكة للدولة بتعليق مشتريات المنتجات الزراعية الأمريكية تمامًا، وفي مقدمتها فول الصويا والقطن والجلود والحبوب واللحوم والألبان.

 

من المتوقع أن يشكل ذلك ضغطًا كبيرًا على المزارعين الأمريكيين الذين تضرروا كثيرًا بالفعل؛ حيث بلغت صادرات فول الصويا الأمريكية إلى الصين 5.9 مليون طن خلال النصف الأول من 2019، وهو أدنى مستوى منذ 2004، وبانخفاض نسبته 70% عن نفس الفترة قبل عامَين، ولأول مرة منذ عقد زمني تقريبًا، تخلّت الصين عن مكانتها كأكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، حسب "وول ستريت جورنال". وخلال الفترة من يناير إلى يونيو هذا العام، انخفضت واردات أمريكا من الصين بنسبة 12% عن العام السابق، وتراجعت الصادرات بنسبة 18%.

 

الاستثمار الصيني المباشر في الولايات المتحدة تراجع أيضًا بعد سنوات من التسارع، ووَفقًا لـ"نيويورك تايمز"، فإن المبلغ الذي استثمرته الصين في أمريكا تراجع إلى 5.4 مليار دولار العام الماضي، بانخفاض نسبته 88% عن مستوى الذروة البالغ 46.5 مليار دولار في 2016.

 

من المتوقع ركود الاقتصاد العالمي في غضون تسعة أشهر إذا واصل الرئيس دونالد ترامب تنفيذ خطته لفرض رسوم جمركية على الواردات السلعية الصينية، حسب مذكرة لمورجان ستانلي.

 

وأضافت المذكرة أن الركود سيحدث إذا فرض ترامب تعريفة بنسبة 25% على نحو 300 مليار دولار من البضائع الصينية غير الخاضعة للتعريفة في الوقت الحالي؛ حيث قال ترامب إنه سيفرض تعريفة بنسبة 10% على تلك البضائع في سبتمبر.

 

 وأشارت المذكرة إلى أنه إذا تم تطبيق تلك التعريفات البالغة 10% لمدة أطول من أربعة أو خمسة أشهر، فسيظل النمو العالمي ضعيفًا في نطاق يتراوح بين 2.8% و3%، على الرغم من خفض البنوك المركزية سعر الفائدة.

 

 ويُعرّف مورجان ستانلي ركود الاقتصاد العالمي بأنه ركود يقل فيه معدل نمو الاقتصاد العالمي عن 2.5%، وكانت قد أشارت تقديرات صندوق النقد الدولي في يوليو إلى أن النمو العالمي بلغ 3.6% في عام 2018 ومن المتوقع أن ينمو بنسبة 3.2% العام الجاري.

 

في محاولة للتهدئة وطمأنة الأسواق، قال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشن، قبل أيام: إن بلاده ستؤجل فرض تعريفة العشرة في المئة إلى منتصف ديسمبر بدلًا من سبتمبر المقبل، مع استثناء بعض السلع الصينية من الرسوم، فهل سيكون ذلك كافيًا لدرء التصعيد المتوقع؟ أم بهدف تقليل تأثيرها على المبيعات في موسم العطلات في الولايات المتحدة؟

 

وَفقًا لآراء بنوك استثمار عالمية، فالعديد من الدول التي تشهد تباطؤًا أو دخلت فى ركود تجمعها مشكلة مشتركة؛ وهي أنها معتمدة بشدة على بيع البضائع للخارج، وهذا ليس وقتًا مناسبًا لأن يكون الاقتصاد قائمًا على التصدير؛ فالركود فى الصين والحرب التجارية التي يشنها الرئيس ترامب يقوضان معًا التبادل العالمي للسلع الذي ساعد على تقوية الاقتصاد العالمي لعقود من الزمن. وتشهد بعض هذه البلدان انخفاضات حادة في الصادرات وفي دول أخرى؛ لا سيما الأرجنتين والصين، تزداد المشكلات التي طال أمدها في الداخل في وقت يتسم فيه المستثمرون العالميون بالوهن وسرعة التراجع، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم المشكلات، ومع زيادة المشكلات لا يوجد كثير من قوارب الإنقاذ الواضحة للمساعدة، ولهذا يهرب المستثمرون إلى الملاذات الآمنة المعتادة: الذهب والسندات الحكومية.

 

الآثار الاقتصادية المتوقعة وتأثيراتها على مصر

  • يُتوقع أن تتأثر الدول النامية سلبًا على المدى الطويل، ومنها مصر على مستوى تراجع تدفقات رؤوس الأموال والاستثمار فيها من أجل التصدير إلى الدول الأخرى.
  • كما أن الصادرات المصرية نفسها قد تتأثر سلبًا مع تطورات الأحداث على المدى الطويل وزيادة الإجراءات التي يتخذها كل دولة لزيادة جاذبية منتجاتها وفرض جمارك على الواردات، في الوقت الذي كان فيه أحد أهم أهداف الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف زيادة جاذبية الصادرات المصرية.
  • وقد تتأثر الواردات أيضًا في حال استمرار الإجراءات الأمريكية الصينية على المدى الطويل؛ فمثلًا أي منتجات تستوردها مصر من الولايات المتحدة ويدخل فيها مكونات إنتاج صينية سترتفع تكلفتها على مصر.
  • كما أن أسواق الأوراق المالية والعملات العالمية قد تتأثر وبالتالي ستكون لها انعكاساتها على بقية الدول.

 

من منطلق ما سبق فهناك ضرورة لتكثيف الجهود الترويجية لدعوة المستثمرين في تلك الدول للاستثمار في مصر؛ بهدف التصدير، حيث إن هذه الحرب تشكل فرصة مهمة لاستمرار دخول صادراتهم؛ نظرًا لعدم خضوع المنتجات المصرية لتلك الإجراءات الحمائية، وكذا الاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة المبرمة بين مصر ومعظم هذه الدول.

 

مع التركيز على دعوة الشركات الصينية للاستثمار في الصناعات كثيفة العمالة؛ مثل: صناعات الغزل والنسيج ومكونات السيارات والأجهزة المنزلية (الصناعات الهندسية)؛ بما يسهم في توفير المزيد من فرص العمل وكذا زيادة الصادرات المصرية، مع وضع استراتيجية زمنية لرفع جودة المنتجات المصرية والالتزام بالمعايير المطبقة بتلك الدول؛ حتى يتسنى تصعيد الصادرات المصرية وزيادة تنافسيتها عالميًّا.

 

تتيح هذه الحرب التجارية فرصًا لتوطين الاستثمارات في مصر في إطار مبادرة "حزام وطريق" التي أطلقها الرئيس الصيني عام 2013، والتي تقوم بشكل أساسي على إعادة إحياء طريق الحرير القديم، وإنشاء شبكة من المشروعات اللوجستية التي تربط بين الصين وشرق أوروبا وشمال إفريقيا، وكذا الاستفادة من مبادرة الصين تجاه إفريقيا والتي تقوم بموجبها الحكومة الصينية للاستثمار بتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في إفريقيا؛ ومنها مصر، وتوفر الحكومة الصينية آليات التمويل المختلفة لتلك الشركات؛ لتيسير أعمالها من خلال بنك التنمية الصيني، وصندوق التنمية الصيني الإفريقي، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.

 

يجمع الجميع أيضًا على أنه سوف يتأثر كل الدول التي لديها تعاملات تجارية مع الصين والولايات المتحدة من تلك الحرب نتيجة انخفاض حركة التجارة بينها وارتفاع أسعار معظم السلع؛ مما يعطي فرصة لإعادة هيكلة خريطة سلاسل الإمداد العالمية، والتي كانت ترتكز بشكل أساسي في الصين؛ معتمدة في ذلك على التكنولوجيا الأمريكية، وبالتالي من الممكن أن تستغل مصر موقعها الاستراتيجي؛ خصوصًا منطقة محور قناة السويس؛ لجذب عديد من الشركات الصينية، وكذا العالمية التي تبحث عن موقع جديد لتوطين استثماراتها وخطوط إنتاجها، يكون أكثر أمانًا؛ لتفادي العقوبات الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة، وهو ما يتيح الترويج لجذب الشركات الصينية والعالمية المتضررة من الحرب الاقتصادية وتشجيعها على الاستثمار في مصر؛ مما يتسق مع اتجاه الحكومة المصرية نحو تشجيع الإنتاج لزيادة الصادرات وإحلال الواردات لتعويض الفجوة في الميزان التجاري بين مصر والصين.

 

خلاصة الأمر أن الوضع الحالي هو دعوة للاستيقاظ والحذر؛ فنحن في مرحلة نمو ضعيفة، لكن لم نشهد ركودًا، والذي يمكن تجنبه إذا اتخذنا التدابير اللازمة حيث إن حرب العين بالعين التي تخوضها واشنطن وبكين تشكل أكبر عقبة أمام انتشار العولمة، والتي كانت السمة المميزة للاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 



أقرأ أيضا

البلد

الشخصيات المثيرة للجدل.. أراجوزات و"بتوع تلات ورقات" أم مهذبون ساخرون مثيرون للضحك؟

كثر في الآونة الأخيرة إطلاق لفظ "شخصية مثيرة للجدل" على شخصيات تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي وتحدث صخبًا وضجيجًا وربما نفورًا واشمئزازًا..
البلد

هل ثمة توافق أميركي- إيراني يلوح في الأفق؟

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين.
البلد

موعد نهاية الرئيس أردوغان

خاصم الرئيس التركي أكثر مما صاحب، لا في صعوده السياسي، ولا في استحواذه على مؤسسات الدولة، ولا في علاقاته مع الدول الاستراتيجية في المنطقة، وجاء يوم يشهد فيه بدء تفرق الناس من حوله، وتراجع اقتصاد بلاده، ولا يد عربية أو أوروبية ممدودة للمساعدة.
البلد

المخدرات الحديثة «فيروسات العصر».. كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟

خطر جديد يجتاح العالم بأسره ويتسلل متخفيًا إلى عقول الشباب وأجسادهم ويشكل وباءً جديدًا دون أن ينتبه إليه الناس.. تلك هي المخدرات الحديثة والتي تم استنساخها من المخدرات التقليدية وتصنيعها في مصانع ومعامل غير مرخصة لتتكاثر وتتوالد بعضها مع بعض بشكل سرطاني.
تأملات

نهاية الأسرة.. هل يوجد حل سحري يردع تسلط الآباء ويمنع تمرد الأبناء؟

في ظل التحولات الجنسية (الجندرية) التي تتسارع في هذا العالم سعياً لصناعة أنماط جديدة من (الأسرة)، تتكاثر الانتقادات التي تبلغ مبلغ الشتيمة أحياناً، للمجتمع الأبوي، باعتباره نمطاً أسرياً ماضوياً ينبغي دفنه وتجاوزه بلا رجعه.
البلد

د.بكري عساس يكتب: مصر تتحدث عن نفسها

من لندن إلى القاهرة في زيارة مع الأهل خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لمدة أربعة أيام؛ حيث تم ترتيب برنامج الزيارة بأن يكون اليوم الأول مخصصًا لزيارة متحف مقياس مستوى مياه النيل خلال موسم الفيضان السنوي في حي المنيل بالقاهرة
البلد

«الإخوان».. من سرقة الدين إلى سرقة أموال الهبات والصدقات

ما كشفه عضو مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" أمير بسام، مِن وجود اختلاسات وسرقات من أعلى قيادة في التنظيم الدولي للجماعة ومقره لندن، يدل على أزمة تنفي فكرة النقاء والطهارة التي تدعيها.