رائعة أخرى من روائع حسن الإمام

إبراهيم عيسي



رائعة أخرى من روائع حسن الإمام



تأملته وهو لا يعيرنى اهتمامًا، فى الحقيقة هو لم يعد كما هو واضح يعير أى شىء اهتمامًا، وصل يومها إلى السن والمقام الذى لا يشغله فيهما الاهتمام بأحد ولا حتى بنفسه، أشاح بيده وفهمت حين شعرت بأنه مستنفر فجأة ومستفز أن هذا الشغف بالسينما يسرى مع كرات دمه البيضاء والحمراء. 
إنه حسن الإمام، المخرج الأكبر وقد تزاحمت خبرات السنين على كتفَيه حتى خفضتهما وأنزلت الظهر قليلاً وأوجعت المشية، لكنه كان مضيئًا رغم تعبه وهو يتلقَّى السؤال فى بهو فندق تزاحمت على جلسته فيه مع زميلَين.
توجه نظرات حسن الإمام من عينَيه اللتين حافظتا على شبابه العفى إلى صحفى أكبر منى سنًّا أو أقدم منى خبرة، لأن حسن الإمام ما كنت أظنه ينشغل بى وهو تقريبًا يرانى، لم أبرح طفولتى رغم شاربى الكث واقفًا أمامه متحديًا بعينَى من خلف النظارة متباهيًا بالسؤال عن فيلم «الطوق والأسورة».
كانت طريقة سؤالى عن فيلم «الطوق والأسورة» توحى بأننى منتجه أو على الأقل مخرجه.
كنت طالبًا فى قسم «الصحافة» بكلية الإعلام، لكننى فى الوقت نفسه كنت محررًا فى مجلة «روزاليوسف» أكتب فى جميع أقسامها، من السياسة حتى الرياضة.
وكنت عضوًا ناشطًا جدًّا بنادى السينما فى قاعة النيل بوسط البلد، ومدمنًا على قراءة نشرتها الساحرة التى كانت تتم طباعتها على ورق أصفر رخيص يحمل مقالات أغلى من كنوز الدنيا بقلم هؤلاء الأساتذة الكبار: أحمد الحضرى ويوسف شريف رزق الله وسامى السلامونى وسمير فريد وعلِى أبو شادى وكمال رمزى وقصى صالح درويش ورفيق الصبان.
ووقتها أيضًا كنت وما زلت تلميذًا لسطور العظيم رؤوف توفيق فى كتبه الأجمل والأروع والأكثر سحرًا عن السينما، ولى شرف أننى أوحيت بإلحاحى وشغفى كمريد متيَّم له بكتاب من تلك الكتب الفذة.
وكان يكفى أن تحضر محاضرات صلاح مرعى وأنسى أبو سيف ورمسيس مرزوق، كى تقع فى هوى هواهم السينمائى وترى العالم والسينما طبعًا من خلال ما يرونه ويعجبون به.
لهذا غالبًا كنت معجبًا جدًّا بـ«الطوق والأسورة»، وإذا زدت على ذلك أن الفيلم إخراج خيرى بشارة المجنون الساحر الذى صعدت إلى شقته فى شبرا، عابرًا على حجارة مرصوصة فوق المجارى الطافحة حتى باب العمارة القديمة التى يسكنها.
وهو أيضًا الفيلم الذى مثل فيه وغنَّى محمد منير الذى اشتبكت معه فى محبة عميقة، وكنت قد انتقلت بسرعة من مستمع مهووس بشبابيكه إلى شريك له فى النظر من شبابيك شقته فوق «عمر أفندى» فى شارع عرابى، كان يظنها محمد منير أيامها قصرًا.
وفى العرض الخاص للفيلم فى سينما كريم مع أجواء الحفاوة والمحبة والصداقة والأساتذة أحسست أن الفيلم يهبط علينا من السماء ولا يأتى لنا من خلال هذا الشعاع الصادر من نافذة غرفة العرض التى كنت أصعد إليها من فوق درجات السلالم الحديدية الخلفية الضيقة. 
لهذا كانت نظراتى أمام حسن الإمام متحدية بطفولية مفضوحة تنتظر إجابته عن السؤال. 
كان السؤال إذن: ما رأيك فى فيلم «الطوق والأسورة»؟
ها هو مخرج الروائع القادم من تاريخ السينما، العجوز الداهية المنبوذ من جماعة أساتذتى فى مقالاتهم ودراساتهم، يعاملونه باعتباره مخرجًا شعبيًّا وتجاريًّا أو مخرجًا للفواجع أو مفسدًا لثلاثية نجيب محفوظ الخالدة، أومأ حسن الإمام لصاحب السؤال ورمانى بطرف رمشه، وقال:
شوف يا أخ (فى الغالب كان يريد أن يقول يا عيل منك له) الفيلم الحلو بالنسبة لى، بل الفيلم أصلاً بالنسبة لى هو الذى يدخله المتفرج فى صالة العرض فيجعله يعمل حاجة من تلاتة، إما يصقف أو يعيط أو يضحك. 
ثم أضاف وقد جعل من سؤالنا لاختباره محاضرة لامتحاننا. 
(وأنا دخلت البتاع بتاعكم ده فى السيما لا شُفت حد من الجمهور فى حفلة ستة لا ضحك ولا عيط ولا صقف).
كان اتكاؤه على مسند المقعد وهو يهم بالرحيل، إيذانًا منه بأن نغور من قُدامه.  
الغريب بعد كل هذه السنوات أننى لم أعُد أرى «الطوق والأسورة» إلا طوقًا وأسورة لمفهومى عن السينما.
إنه فيلم مدهش فعلاً، لكن ليس فيلمًا تحبه.. فالفيلم الذى أحبه فعلاً بعد ثلاثين عامًا من حوارى مع حسن الإمام هو الذى يجعلنى أصفق أو أبكى أو أضحك.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.