تفاسير السلفيين لا تشبع العقل

عصام الزهيري



تفاسير السلفيين لا تشبع العقل


أرشيفية


«وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ» «الرعد: 6».

 

المفارقة التى اعتادت تكرارها الأسماع حتى باتت لا ترى فيها غريبًا تتمثل فى أن ميل المفسرين يتجه دائمًا فى تأويلهم لآيات الثواب والعقاب أو الوعد والوعيد أو الترغيب والترهيب على كثرتها فى القرآن الكريم إلى تبنِّى مقولة تشبه أن نقول: إنها سياسة الله! كما نقول مثلًا: إنها سياسة الملك أو السلطان أو الخليفة تجاه رعيته، أو نقول: إنها سياسة السيد تجاه أرقائه وإمائه، أو نقول: إنها سياسة الآباء -فى أزمنة سابقة- تجاه أولادهم وزوجاتهم، مع كل ما ينطوى عليه ذلك من غرابة التسوية بين سياسة الخالق للمخلوقين بطريق الوحى وسياسة البشر بعضهم مع بعض بأساليبهم الذهنية والسلطوية المعتادة! أضف ما فى ذلك أيضًا من مشكلة خطيرة تكمن فى افتراض وجود وصاية مماثلة لتلك التى يفرضها لأنفسهم الملوك والسلاطين على رعيتهم ثم ملاك العبيد على عبيدهم قديمًا، بل واتبعها الآباء الأقدمون بما تنطوى عليه من مشاعر الوصاية والملكية ذاتها!

 

لابد فى نهاية الأمر أن تكون هذه التسوية المتوهمة بين سياسة رعية أو استملاك أرقاء أو تربية أولاد وبين قول وفعل إلهى تسوية بشرية مزيفة تقع بفعل عجز العقل الطبيعى عن التصور، ولا يقف وراءها غير ضيق عقل الإنسان عن استيعاب معانى وصفات العدالة الإلهية الكاملة الكلية. وهو ما يمكن أن نلاحظه بوضوح فى قول ابن كثير فى شرح الآية: «لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده ذكر بعده أنه شديد العقاب، لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)»! والملاحظ هنا أن ابن كثير يصحبنا بعيدًا عن سياق خبرية ونبوئية الآية، أى الطريقة التى يخبر بها وينبئ الله تعالى عباده بالوحى عن نفسه، ليدخل بنا إلى سياق ظرفيتها: أى السبب الذى ذكرت لأجله وليس مضمونها ومحتواها. وهو بهذه الحيلة التأويلية يصرف ذهن قارئه بعيدًا عن الأسئلة التى تبرز فى مواجهة العقل النسبى وتتحدى المنطق المحدود للإنسان، إذ كيف يستعجل الكفار بالسيئة فى نهاية الأمر وهم يوقنون أنه خلت من قبلهم الأمثال؟ وكيف يمكن للعقل الجمع بين مغفرة الله للناس ذنوبهم جميعًا ورحمته التى وسعت كل شىء وبين كونه شديد العقاب ومنتقمًا وجبارًا وسريع العذاب، ومثل ذلك من الصفات التى يجب أن تفهم على نحو كلى وكامل على الوجهَين المفارقَين؟

 

بوسع القارئ أن يحمل ملاحظة كتلك -بخصوص مفسر سلفى مثل ابن كثير- إلى افتراض أنه يقوم بمحاولة واعية لصرف الأنظار عن قضية كلامية -نسبة إلى علم الكلام- وفلسفية لاهوتية، نظرًا للكراهة التلقائية التى يشعر بها السلفيون تجاه علم الكلام الإسلامى، بسبب اعتماده على منطق العقل ومناهج الفلسفة، وليس ذلك فقط، بل ولقيام أقوى الفرق التى عرفها تاريخ علم الكلام وأثبتها قدمًا على أرضيته اللاهوتية الفلسفية -وهى المعتزلة- بتمجيد العقل والقول بأسبقيته على الوحى، لأنه لا يمكن استيعاب الوحى دون العقل أولًا، ولأن العقل البشرى لو اعتمد تاليًا على فطرته المخلوقة النقية والبصائر التى زوده بها خالقه يصبح فى وسعه الاستغناء عن الوحى ذاته لو لم يُعرض عليه. لكن ينكشف ضعف هذا الافتراض فورًا إذا عرفنا حقيقة أن المعتزلة أنفسهم جعلوا «سياسة الله» فى الوعد والوعيد من بين الأصول الخمسة التى اعتمدوا عليها فى فهم وتحليل المعتقد الإسلامى برمته، وذلك بسبب ما لاحظوه من تواتر وتكرار الآيات التى تتحدث فى شأن الوعد والوعيد. لكن المعتزلة رغم ذلك -وهنا الفرق- لم يكونوا يقومون بصرف الناس عن علم الكلام ولا ينهونهم عن استخدام عقولهم كما يفعل السلفيون، إنما فرضيتهم العقلية لم تكن تشمل إمكانية أن يستوعب العقل البشرى النسبى ذات الله الكلية المطلقة، ومن ثَمَّ صفاته التامة الكاملة، على ذلك اعتبروا الوعد والوعيد مصادرة معتقدية أولية (أصل/ معطى) لا يصح اعتقاد الإنسان بالإسلام من دونه. وكانوا بالتالى الأكثر جرأة وتحررًا ووفاءً للعقل من السلفيين الذين جرَّموا محض طرح آيات القرآن الكريم للتساؤل العقلى، واعتبروا الإيمان القلبى بها دون استخدام العقل -مع طاعة الأمير طبعًا- أمرًا ممكنًا بل وواجبًا من واجبات العقيدة الإسلامية!

 

على كل حال يمكننا اليوم القول إن المعتزلة على عكس السلفيين تركوا الباب مواربًا لإمكانية تفسير أو إعادة تفسير هذا الأصل المعتقدى المستمد من آيات القرآن، لو صار فى وسع العقل ذات يوم أن يقدم إضافة ولو محدودة فى سبيل الارتقاء بفهمه النسبى المحدود لقضية المطلق الإلهى، ليس استيعابه كليًّا بالطبع.

 

الحقيقة أن الخطوة التى يمكن أن يعول عليها فى طريق تركيب فهم أو مقاربة لفهم مبدأ الوعد والوعيد الإلهيين كما وردا فى آيات القرآن ليس التحليل اللغوى والتأويلى لمراد الوحى منهما فقط، ولا دراسة طبيعة الأفق المعرفى والخلفية الدينية والتركيب الذهنى العام الذى توجه القرآن إلى مخاطبته فى زمان الوحى وما بعده فقط، لكنها تكمن -من أجل تحقيق ذلك- فى ضرورة تفحص تاريخ مشكلة الشر ووجوده فى الكون كما عالجتها ميثولوجيات الأديان السابقة على أديان التوحيد، ومن ثَمَّ على الإسلام، وسوف يفيدنا هذا الفحص بلا شك فائدة قصوى فى معرفة طبيعة العقل الدينى المهيمنة كما تعامل معها الوحى أوان نزوله، وفى اكتشاف الطرق التى هدف بها إلى ترقية وتطوير معتقدات هذه الذهنية المهيمنة، وهو ما يعيدنا ربما بشكل أو بآخر إلى قصة «سياسة الله»، لكن هذه المرة دون ضيق الأفق السلفى المعهود.

 

الثابت من تاريخ الحضارات البشرية أن إنسان الأزمنة الأولى لم يتمكن من تحمل وطأة الكوارث الطبيعية والاجتماعية التى كانت تحل عليه بشكل شبه دورى ومتلاحق، ولم يتمكن أيضًا من استيعاب القوانين والأسباب الطبيعية والتاريخية التى وقفت وراء هذا الحجم الهائل من الدمار الذى أخذ يخشى ويتوقع حدوثه باستمرار، لم يتمكن إنسان الأزمنة الأولى فى نفس الوقت من عزو كل قسوة التخريب والتدمير الناجمَين عن مشاعر الغضب والسخط إلى آلهته من دون أن يحاول تبرئتها منها بوسيلة ما. إذ لم يكن يمكن للعقل أن يتصور فى هذه المرحلة البدئية من نموه أن مدنًا وحضارات بأكملها يمكن أن تتم إبادتها وتندثر فى الرمال لأسباب طبيعية مجردة كالزلازل والطوافين والعواصف، أو لأسباب تاريخية محضة مثل حروب الإمبراطوريات وهجرات الشعوب وغزو القبائل، ودون أن يكون لذلك كله معنى بشرى ما مدون فى لوح القدر الإلهى. لم يكن بوسع العقل أيضًا ومهما بلغت بدائيته أن يعزو كل هذه القسوة والتدمير والتخريب الصادم إلى الآلهة الرحيمة دون تساؤل قلق أو معذب عن ذلك، وكان لهذه الحيرة القوية انعكاسها الواسع الذى شمل كل عقائد وأساطير الشعوب الدينية القديمة تقريبًا.

 

فى مرثية أسطورية نموذجية فى هذا النطاق تدور حول تدمير مدينة «أور»، وتعود إلى أكثر من 1500 سنة ق.م، تعزى الكارثة التى حلت بالمدينة إلى غضب الإله «إنليل»، وقرار مجمع الآلهة بتدمير المدينة، وتقول: «دعا إنليل العاصفة والناس ينوحون، أخذ الرياح الطيبة من سومر والناس ينوحون، وأرسل بدلًا منها الرياح الشيطانية والناس ينوحون»، و«دعا الأعاصير الزاعقة عبر السماوات، العواصف التى تهلك الديار تزأر فوق الأرض، وفى جبهة الرياح أوقد النيران المتوهجة، والعواصف التى أمر بها إنليل فى حقد، غطت أور مثل عباءة واكتنفتها مثل ملاءة كتان».

 

رغم هذا المشهد المزلزل لا تُقدم الأسطورة باستسهال على تجريد الآلهة من الشفقة والرحمة تجريدًا تامًّا، ولا تظهر الآلهة فى ثوب مشاعر غرائزية عارية كالحقد والانتقام يجعل الفارق بينها وبين البشر غير ذى موضوع، لذلك تظهر «ننجال» إلهة «أور» فى ثوب المرأة النائحة: «اليوم الذى كنت أخشى، يوم العاصفة ذلك، قد كتب علىّ وقدّر، هبط على مثقلًا بالدمع، اليوم الذى كنت أرتعد منه، يوم العاصفة، سعيت إلى شعبى كما البقرة على عجلها، فلم أستطع نشله من الطين، لأن الحزن والأسى قد قدرا على مدينتى». وعندما لا تجدى شفاعة الإلهة «ننجال» لا يعود القارئ أمام أسطورة تقليدية تعزو تدمير مدينة «أور» إلى ذنوب أهلها وتمردهم على شرائع الآلهة فقط، لكنها تعزوها أيضًا إلى فعل القدر الذى لم تفلت منه إلهة المدينة الثكلى ذاتها. فهل دار مفهوم كذلك عن القدر فى أذهان المشركين القرشيين وهم يستعجلون العذاب رغم المثلات؟ على كل حال يعود «القدر» بذلك ليلعب تقريبًا وبطريقة أسطورية دور السبب المادى أو القانون الطبيعى الذى لم يكن بوسع الإنسان القديم تصوره وتغييب إرادة آلهته المطلقة فى مقابله، ولم يكن بوسعه كذلك إنكار وجوده وإلقاء تبعة كل الدمار والكوارث على عاتق الآلهة وحدها.

 

نفس هذا الازدواج يمكننا ملاحظته فى أسطورة الطوفان البابلية كما تضمنتها ملحمة «جلجامش»، إذ يقوم خصام مثير داخل مجمع الآلهة. «إنليل» الإله المسؤول عن الطوفان بعد أن أزعجته ضجة البشر ولغطهم واضطرابهم فى الأرض، والإله «إيا» المسؤول عن تدبير حيلة السفينة التى استقلها «أوتنابشتيم» -نوح البابلى- وأسرته ومعه من كل زوجَين اثنين، عندما يكتشف الإله «إنليل» نجاة بذور الحياة والبشر من الطوفان يستشيط غضبًا ويوجه اللوم إلى الآلهة: «هل نجا أحد من الفانين؟ ألم نقرر إغراق الجميع؟». هنا ينهض «إيا» منتقدًا قرار الطوفان وموجهًا اللوم إلى إنليل: «أيها المحارب، أيها الحكيم بين الآلهة، كيف -آه كيف دونما ترو- جلبت هذا الطوفان؟ حمل الآثم إثمه والمعتدى عدوانه، أمهله فلا يهلك ولا تهمله فيشتط، لو أرسلت بدل الطوفان أسودًا لأنقصت عدد البشر، لو أرسلت بدل الطوفان ذئابًا لقللت منهم..»، والمفهوم من كلام «إيا» أن العدل الإلهى يقتضى أن يشمل العقاب المخطئ وحده، فلا يؤخذ الأبرياء بذنب الجناة، ولا يحاسب الطفل على جناية البالغ، ولا الحيوان على جناية الإنسان، وهلم جرّا. وكما لمسنا لم يكن بوسع عقل الإنسان أن لا يثير أعقد المشكلات الفلسفية فى ثوب رمزى تمثيلى بسيط كالأسطورة، وهو ثوب يجعلنا نستشف ولابد طبيعة العقل ومعارفه ومنطقه وطرق استيعابه للظواهر فى اللحظة التى توجهت إليه آيات الوحى بالحقائق الإلهية المطلقة وباستخدام طاقة ومفردات لغته البشرية المحدودة.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...