ليس كل الصحابة أصدقاء وليس كل صديق صحابيًّا

على أبو الخير



ليس كل الصحابة أصدقاء وليس كل صديق صحابيًّا


أرشيفية


عندما ننقد أية فكرة أو رأى أو مصطلح، يكون الهدف هو إثبات حقيقة ضرورة غربلة التراث البشرى المنسوب إلى الإسلام فى صورة تفاسير أو تواريخ أو أحاديث، لأن الآراء البشرية تقبل الخطأ والصواب، ويمكن نقدها للوصول إلى الحقيقة القرآنية من خلال الآيات الكريمة والسنن التى لا تتعارض مع الآيات، بل تفسرها وتفصّلها بجهد بشرى خالص يتفق مع روح الرسالة الإسلامية، التى نزل بها الوحى على محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم.

 

ومن ضمن المصطلحات التى لا تصمد أمام النقد، مصطلح الصحابى، الذى شاع وتم تقديس وعصمة وعدالة كل مَن يحمل هذا اللقب الأثير لدى وجدان الأمة على مر عصورها، وهو ما أثّر كثيرًا على عقول الأمة، لأنهم عصموا الجميع الصالح منهم والطالح، القريب من النبى والبعيد عنه، الذى اتبعه سنينًا ومَن اتبع يومًا أو بعض يوم، وهو فى كل الأحوال مصطلح يختلف عن مصطلح «الصديق»، الذى نبدأ بتعريفه.

 

إن مصطلح «الصديق» هو المصطلح الرائع المُدهش فى التعبير القرآنى، لأن الصديق يأتى من الصدق، والصديق الوفى نادر الوجود، ولكنه موجود على ندرته، ولذلك قال العرب عن المستحيلات الثلاثة «الغول والعنقاء والخل الوفى»، أى الصديق المخلص جدًّا، ويحدد علِى بن أبى طالب صفات الصديق الوفى أو الخل، بشعر منسوب إليه: «صديقك الحق من كان معك.. ومَن يضر نفسه لينفعك.. ومَن إذا ريب الزمان صدعك.. شتت فيك شمله ليجمعك»، وهذه الصفات نادرة كما قُلنا، ولكنها ليست مستحيلة، والله سبحانه وتعالى لم يقل عن النبى إبراهيم، عليه السلام، إنه صاحبه، ولكنه «خليل الله»، أى الصديق الملتصق بالله، القريب منه فى الأفعال الرسالية والسلوك البشرى، الذى لا يحيد عن الفطرة التى أودعها الله فى الإنسان، وقد عبَّر القاضى والشاعر المصرى المعاصر إسماعيل صبرى، عن الخل الوفى فى بيت شعرى يجعل الخل أو الصديق مع صديقه شخصًا واحدًا: «كأن خليلًا فى خلال خليله .. تسرّب بينهما أثناء العناق وغابا».

 

إن «الصديق» جاء فى القرآن مرتين، الآية الأولى فى سورة «النور 61»: «لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ»، أى أن بيت الصديق الحقيقى مثل البيت الذى يملك الشخص مفاتيحه، ومثل بيوت الآباء والأمهات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات، وهى صفة تدل على منزلة الصديق للصديق الحقّ، أما الآية الثانية فى سورة الشعراء «101» فيصف الله تعالى حال المشركين فى النار، وهم يصرخون: «فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ»، أى أن الصديق قرين الشافع، يلوذ به المرء عند الشدائد، وهو الذى يفضّل صديقه على نفسه، بل يحميه ويفتديه بروحه ودمه، بالحق الدائم طبعًا، وليس بالباطل الخاسر، لأن الصداقة الحقيقية تقوم على الحق والانسجام التام عقائديًّا وفكريًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا.

 

ولكن تلك الصفات الجميلة لا تتوفر فى «مصطلح الصحابة»، وهو أصلًا مصطلح لم يرد فى القرآن، وكذلك «مصطلح صحابى»، فهى مصطلحات بشرية لمؤرخين بشر يخطئون ويصيبون، ولكن اجتهاداتهم الخاطئة هى التى شاعت وأثمرت وأثّرت، وصارت من ثوابت الدين، ومن المعلوم منه بالضرورة، ثم إن «المصطلح القرآنى» هو «صاحب» و«أصحاب» لم يشيعا فى العصر النبوى، بل كانت توجد مصطلحات نبوية إلهية، مثل الأنصار والمهاجرين، جاءت فى القرآن. صحيح يوجد حديث منسوب إلى النبى، يقول فيه: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، ولكن الحديث مشكوك فى صحته لأسباب كثيرة، أهمها أن ليس كل صحابى صادقًا صدوقًا، وهو أهم ما نريد الكتابة عنه، وبالتالى نعود إلى ما ورد عمن عُرفوا بـ«صحابة النبى»، وهو مصطلح ليس مناسبًا، لأننا لو عُدنا إلى القرآن الكريم لا نجد أن صفة «الصاحب» جديرة بالصدق أو التناسق أو قريبة الشبه بـ«الصديق»، فالصحبة ليست بالضرورة أن تكون بين رجلَين مؤمنين أو جماعة مؤمنة وأخرى كافرة، لأن كلمتَى «أصحاب» و«صاحب» لم تأتيا فى القرآن بمعنى الوفاء أو القرب الإنسانى، قد يكون الصاحب صديقًا، وقد لا يكون، فلا تظهر حقيقة مشاعره تجاه الآخر بشكل واضح، ولكنه فى كلتا الحالتَين مصاحبٌ فى المكان أو الزمان، وقد يكون الصاحب الشخص الذى لا يوثق به، لأنه قد يخذل صاحبه، أو لا يعد قريبًا منك بدرجة كافية، والصاحب لا يشترط أن يكون مماثلًا دائمًا، أو مناقضًا دائمًا لصاحبه فى العقيدة والفكر والخلق، فغالبًا القرآن أتى بذكر الصاحب، إما بالقرب المكانى، بلا أفضلية إيمانية، ولكنها دليل على قرب الجوار، مثل قوله تعالى فى سورة «النساء 36»: «وَاعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ»، فالصاحب بالجنب القريب، قد يكون مؤمنًا وقد لا يكون، ولكنّ الله وصَّى عليه فى كل الحالات، وتوجد أيضًا صحبة مكان مؤقتة، ليس فيها تقارب فكرى أو دينى، بل خلاف عقائدى، مثل ما جاء فى سورة «يوسف 39- 41» «يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار... يا صاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرًا وأما الآخر فيُصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الأمر الذى فيه تستفتيان»، وهنا نلاحظ أن النبى يوسف كانت له صُحبة مكان مع السجينين المشركين، ولكن الله وصفه بـ«الصدّيق»، وهو تعبير عن إخلاص يوسف وقربه من الله، كما أن الصحبة فى المكان موجودة فى سورة الكهف «34- 37»، بين رجلَين أحدهما مؤمن والآخر كافر «وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا... قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا»، فصحبة المكان فقط هى التى جعلت منهما صاحبَين رغم خلافهما العقائدى أيضًا، بل إن «الصاحب» قد يكون نبيًّا مرسلًا لقومه الكافرين ولم يؤمنوا برسالته، فهو صاحب قومه فى المكان والزمان فقط، مثل ما جاء فى سورة «النجم 2»: «ما ضل صاحبكم وما غوى»، وفى سورة «القمر 29»: «فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر»، وسورة «القلم 48»: «فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم»، وسورة «التكوير 22»: «وما صاحبكم بمجنون»، وسورة «الأعراف 184»: «أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة»، وسورة «سبأ 46»: «قُل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة»، وكلها آيات تثبت أنه ليس بالضرورة أن يكون الصاحب، صاحب خير، بل العكس هو الملاحظ فى الآيات القرآنية، كما نجد أن الصاحبة فى القرآن هى الزوجة، التى قد تكون مخلصة أو لا تكون، والله سبحانه أشار إلى ذلك فى سورة «الأنعام 101»: «بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة»، أى زوجة، وفى سورة «المعارج 12»: «وصاحبته وأخيه»، وسورة «عبس 36»: «وصحابته وبنيه»، ونرى أيضًا أن الصاحب «أبا بكر»، أشار الله إليه بالصاحب فى سورة «التوبة 40»: «إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا»، واشتهر بالصّديق أيضًا بين المسلمين.

 

إذن يوجد أصحاب يدعون إلى الشر، مثل: «أصحاب النار- أصحاب السعير- أصحاب الجحيم- أصحاب الأعراف- أصحاب الرس وثمود- أصحاب مدين- أصحاب الأيكة- أصحاب الحجر- أصحاب الأخدود- أصحاب الفيل- أصحاب الشمال والمشأمة»، وكلهم صحابة كافرون، وفى المقابل، يوجد أصحاب جيّدون، يدعون إلى الخير، مثل: «أصحاب الجنة- أصحاب الكهف- أصحاب الصراط السوى- أصحاب موسى- أصحاب اليمين والميمنة». ومن خلال كل هذا علينا العودة إلى الأصل القرآنى والسلوك النبوى، بعيدًا عن مصطلحات قدَّسها المسلمون، وقالوا بعدالة كلّ صحابى، رغم أن كثيرين منهم لا يرقون إلى صفة الصديق التى هى قرآنية المصدر، وهى الأصل الذى ابتعدت عنه الأمة، ونريد عودتها إليه، وهو أمر صعب ولكنه غير مستحيل، على المستوى الفكرى على الأقل.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...