الوسطيون لديهم قصة أفضل

ديفيد بروكس



الوسطيون لديهم قصة أفضل


أرشيفية


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

لدى الأمريكيين التقدميين قصة يسردونها دون أن يخشوا ذلك. إن الرأسمالية العالمية فى تلك القصة ساحة حرب، التجارة الحرة ابتزاز، أصحاب الأعمال التجارية وشركات الأدوية الكبرى أشرار جشعون يسحقون المواطن العادى.

 

وفى هذا السياق، تحتاج إلى حكومة مستعدة للحرب، تحتاج إلى حكومة تشعلها الوطنية الاقتصادية، مستعدة للعب التجارة بشراسة مع أعدائنا، تحتاج سياسة صناعية مركزية لنقل الاستثمار، حيث تشتد الحاجة إليها، تحتاج إلى حكومة تحميك وتسيطر عليك وتعطيك أشياءً مثل التعليم الجامعى والعناية بالأطفال مجانًا. وكما هى الحال فى أى حرب تحتاج إلى حكومة مركزية وأبوية.

 

لدى الوسطيين قصة أخرى، غير أن الوسطيين فى الحزبَين يخشون سردها. يخشى الوسطيون الانفصال عن عقلية العتمة والمجازر التى يصر عليها الشعبويون، من أمثال دونالد ترامب وإليزابيث وارن وبيرنى ساندرز.

 

ومع ذلك هناك ما يبرر الأمل ولابد من إظهاره، ففى القصة الوسطية تمثل الرأسمالية العالمية تحديًا لكنها أيضًا ساحة للفرص. فى هذا الجيل السابق جرى انتشال عدد أكبر من أى وقت مضى من الفقر، وللمرة الأولى أصبحت هناك طبقة متوسطة عالمية، الأمر الذى يتيح فرصًا جديدة ويحرر جموعًا من الموهوبين ويؤدى إلى المزيد من الإبداع أكثر من أى وقت مضى.

 

وفى القصة الوسطية لدى الحكومة دور أكبر من أى وقت مضى، إلا أنه ليس دورًا مقاتلًا عدائيًّا، بل دور دافع، فهى تعطى الناس المهارات التى يحتاجون إليها للمنافسة والازدهار فى هذا العالم المفتوح التعددى، وتعطيهم قاعدة آمنة حتى يتمكنوا من الانطلاق وخوض مغامرات جريئة، وتقلل من سلبيات التغيير، وبالتالى يدرك الناس الفرص غير المسبوقة.

 

فن الحكم إنما هو صياغة للروح، فمن خلال سياساتها تستطيع الحكومات تشجيع مواطنيها ليكونوا من نوعية معينة أو أخرى.. يريد الوسطيون خلق طائفة حكومية قوية وشعبًا آمنًا لكنه فعال، وفى المقابل يحاول الوسطيون خلق مواطنين يملكون مزايا فعالة- جرأة، مُمَكَّنين، يتعلمون باستمرار، ودائمًا شجعان.

 

كيف تفعل ذلك؟ أولًا، لنتعلم من دول الشمال الأوروبى. يتخيل الأمريكيون التقدميون فى بعض الأحيان أن دول الشمال الأوروبى بلاد عجائب اشتراكية. وهى ليست كذلك، فدول الشمال الأوروبى لديها دعم اجتماعى قوى، لكن أيضًا اقتصادات سوق حرة مفتوحة. وفى الواقع، تستطيع تلك الدول تحمل تكاليف سياسات رعاية قوية فقط لأن لديها اقتصادات سوق حرة ديناميكية.

 

لا توجد دولة فى الشمال الأوروبى لديها قانون حد أدنى للأجور. ووَفقًا لتقرير «جاى بى مورجان تشايس»، فإن دول الشمال الأوروبى أكثر انفتاحًا للتجارة الحرة من الولايات المتحدة، ولديها ضوابط أقل على إنشاء المشروعات التجارية والحصول على التراخيص.

 

وكما أشار تشارلز لاين مؤخرًا فى «واشنطن بوست»، فإن الضرائب العقارية فى أغلب دول الشمال الأوروبى صفر. وتتطلب برامج التأمين الصحى فى الشمال الأوروبى مدفوعات مشتركة من المرضى واستقطاعات كبيرة فى تناقض صارخ مع خطة بيرنى ساندرز. وحاولت دول الشمال الأوروبى فرض ضرائب على الثروة على غرار تلك التى تقترحها إليزابيث وارن وتخلت جميعها عنها باستثناء النرويج، لأنها غير قابلة للتطبيق.

 

تظهر دول الشمال الأوروبى أن التضامن الاجتماعى والحرية الاقتصادية ليسا بنقيضَين بل يسيران جنبًا إلى جنب، وهذا هو الأسلوب الذى نريده هنا.

 

ثانيًا، لا تقوموا أبدًا بالتدليل. يحاول التقدميون دائمًا منح أشياء مجانية، فهم يقللون من شأن المواطنين حتى يصبحوا كالأطفال صباح يوم عيد الميلاد. على سبيل المثال تريد وارن وساندرز جعل الكليات العامة مجانية، ولكن كما يقول المنطق وأحدث الدراسات عندما تقدم للناس شيئًا مجانيًّا يقدرونه أقل، ويصبح من الأرجح انسحابهم عندما يمرون بأوقات عصيبة.

 

يريد الوسطيون مساعدة الناس دون أن يجعلوا منهم رضعًا. يريدون مساعدة الطلاب على إتمام دراستهم الجامعية، لكن يريدونهم أن يكتسبوا أماكنهم على الأقل جزئيًّا، أن يكون لديهم ما يخسرونه فى اللعبة. يريد الوسطيون إنتاج بلد ليس مليئًا بالمستفيدين السلبيين بل بالرواد الجريئين.

 

ثالثًا، الدفع بصناعة القرار إلى أسفل. يصبح الناس فعالين مسؤولين بصناعة القرار لأنفسهم ولأسرهم ومجتمعاتهم. يحاول الوسطيون دائمًا جعل المسؤولية والتمثيل والاختيار محلية بقدر الإمكان.

 

على سبيل المثال، يدعم الوسطيون الإعفاءات الضريبية على رعاية الأطفال، ليتمكن الأهالى من الاختيار بين نموذجى دور الحضانة وبقاء أحد الآباء بالمنزل. غير أن وارن تريد أن تصعب الاختيار على العائلات، إذ تدعم فقط دور الحضانة الممولة فيدراليًّا، الأمر الذى فعليًّا يجبر العائلات على الدخول فى برامج ممولة فيدراليًّا ويحد من اختياراتهم ويضعهم تحت وصاية النظام.

 

رابعًا، اجلبوا العالم. المنافسة الدولية أشرس من المنافسة الوطنية، ويعتقد الوسطيون أن الأمريكيين قادرون على اجتياز الاختبار. إن خطة وارن للصناعة الخضراء من شأنها حماية الشركات الأمريكية من هذه المنافسة عندما تنافس على عقود مع الحكومة. لن يكونوا بحاجة إلى التميُّز، فقط أن يكونوا أمريكيين.

 

خامسًا، أشعلوا الفتيل من أسفل. تريد وارن إضفاء الطابع المركزى على القرارات الاقتصادية بخلق وزارة للتنمية الاقتصادية، أى مجلس حكومى توجيهى من أعلى إلى أسفل. يركز الوسطيون على الأدوات التى تستطيع الناس العادية اختيارها لبناء حياتهم وتعطيهم فرصهم مثل دعم الأجور والإعانات التى تساعد الناس على التحرك نحو الفرص والمدارس الأهلية.

 

تلك اختلافات صارخة، وجهات نظر مختلفة لرؤية العالم. وحتى الآن فى هذه الحملة لم تسمعوا إلا واحدة، مع أن الوسطيين لديهم قصة أخرى، وهى القصة الأفضل.

...

ديفيد بروكس

معلق سياسى وثقافى محافظ، يكتب عمودًا فى جريدة «نيويورك تايمز»، ويشارك بالتعلق فى الساعة الإخبارية على قناة «بى بى إس».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...