الدعاء رأسمال التسوُّل

محمد داود



الدعاء رأسمال التسوُّل



تناولت نصوص دينية عديدة المال وذويه، مثل قوله تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم..»، «ما أغنى عنه ماله وما كسب»، «أن كان ذا مال وبنين»، والرؤية الرجعية لهذه النصوص تؤسِّس لموقف سلبى من المال وذويه، حيث المال فتنة، يحيل للتكبر والشر أو يحرض عليهما. ويقال رجعيًّا إن معظم الفقراء فى الجنة ومعظم الأغنياء فى النار، وبعض الصوفية يعتبرون التمسُّك بالفقر والافتقار إلى الله أساسيًّا فى طرقهم. والمال مال الله، وكونه فى حوزة شخص ما فهذا رزق، فضل من الله وابتلاء أيضًا، «العملية مش سايبة»، المال اختبار «على ما قسم» ضمن منظومة اختبارات شاملة للحياة، ولابد من التصرف حسب أوامر الرجعية الدينية المزعوم أنها أوامر الله تعالى، ومنها الرؤية الرجعية لقوله تعالى: «وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ‫»، وإن لم يخضع ذو المال فمصيره مثل قارون الذى خسف الله به وبداره الأرض، لأنه قال: «إنما أوتيتم على علم عندى»، وأصحاب الجنة الذين أقسموا.. «ليصرمنها مصبحين»، «فأصبحت كالصريم»، لأنهم من شرهم وقلة مفهوميتهم أرادوا أن لا يعطوا ما هو «حق معلوم للسائل والمحروم».. و«إن ربك لبالمرصاد».‬

 

شعورًا بكل ذلك، قد يجتهد صاحب المال فى التحويط على ماله، وكمظهر معتاد يتوارى الذى يعد النقود، والثرى متَّهم، رجل الأعمال -المِقْرِش- إما فاسد وإما حرامى، وعلى الأقل هو متغطرس متكبر، وهذه هى صورته النمطية فى الأعمال السينمائية والتليفزيونية. والمسألة نسبية، الجميع بشكل ما صاحب مال، يمكن لصاحب التوك توك أن يعتبر مركبته طيارة وينبغى حمايتها من نظرات الكراهية الحسود، ورغم ذلك فالجميع مزوّد فصاميًّا بما يتيح التباهى باستعمال الآية: «وأما بنعمة ربك فحدث»، والأفضل هو ادعاء الفقر اتقاء للنظريات المؤذية، وتعلو كثيرًا من المنشآت والمركبات عبارات مثل «ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، «هذا من فضل ربى»، «عينك يا ظالم»، «دى مش جاية ورث دى جاية بخلع الضرس»، «الحلوة عليها أقساط».. وقد يتدلى شبشب «مضاد للحسد» معلقًا أسفل مقدمة السيارة الحديثة والقديمة المتهالكة. كذلك العطاء للمتسول يمكن أن يكون وسيلة للوقاية من عينه الحسود المؤذية، والوقاية خير من العلاج.
 

والناس جميعًا فقراء إلى الله، دعاؤهم هو استجداء لعطاياه، هذا النمط استعارته الرجعية الدينية ليكون هو الصيغة التى تبنى عليها عملية التسوُّل. وقبول الدعاء غير مرتبط بالفقر والغنى، قد تُجاب دعوة فقير متسول لغنى أكثر من دعوة الغنى نفسه لنفسه، وقد يأتى القبول من حيث لا تدرى ولا تفهم، صحيح أن دعوات التسوُّل عادة آلية بلا روح، لكن مَن يدرى؟! ربما أصابت دعوة لا تُلقى لها بالًا رضا الله، الدعاء رأسمال الشحاتة، هو بضاعة المتسول التى ينثرها قبل وفى أثناء وبعد إتمام عملية التسوُّل، حتى المتسول فى بار أو كباريه يدعو: «.. لله يا محسنين، حسنة أليلة تمنع بلاوى كتيرة، هنيَّالك يا فاعل الخير والثواب، ادينى مما أعطاك الله، يجعل بيوت المحسنين عمار، يبارك لك فى عيالك وصحتك، إلهى يسترك ولا يعرى لك جتة قادر يا كريم».. هذا بعض من قاموس التسوُّل واضح المعانى. والمتسوُّل كما يمنح الدعوات، فقد يسحبها ويعاقب بالدعاء على مَن لا يعطيه مقابلها حقه المعلوم فى مال الله. الله وسيط لا غنى عنه رجعيًّا فوق شروط الواقع، فى كل العلاقات الإنسانية، حتى علاقة الإنسان بنفسه، فكيف بعلاقة متسول ومانح؟! وهو الكريم سبحانه «يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء»، ولعل هذا أصل التعبير العامى «مبسوط»، لوصف ذى السعة -البسطة- فى المال، والله قد يرد الحسنة بعشرة أمثالها، فالمانح مأجور على «أفا» المتسول، «والله يضاعف لمَن يشاء»، «لا تفنى خزائنه»، وقيل فى حديث ما معناه إن الجنيه يقع «فى يد الله» قبل ما أن يوضع بيد المتسول، ورجعيًّا يُشترط أن يكون العطاء لفقراء المسلمين، مما ينزع عنه البُعد الإنسانى لصالح التمييز الدينى.
 

وتتنوع أساليب التسول، كالوقوف «لبيع» مناديل، أو بفوطة لمسح السيارات فى إشارات المرور، أو وضع قليل من الفول السودانى على طاولات المقاهى. وفى المواسم الدينية كرمضان وعيد الفطر ينتشر المتسولون حتى فى نواصى الشوارع. ومن وقت إلى آخر قد يفاجئك شخص هنا أو هناك بعبارة مثل: «كل سنة وانت طيب يا باشا»، والقصد: «هات الحسنة التى هى حقى المعلوم الواجب عليك فى مال الله». وقد يتجمل التسوُّل فى أشكال إعلانية وتليفزيونية جذابة.
 

وإجمالًا يمكن صياغة معادلة للتسوُّل باعتبار سماته وأخلاقياته وأشكاله وقاموسه جميعًا محصلة للآتى، الموقف السلبى من المال وذويه + دعم الفقير «الكيوت لمجرد الفقر، ويقال الغلابة» + الأصل الرجعى أن المسألة أرزاق مقدرة، بلا استحقاق لصاحبه، ولا قيمة لشروط الواقع + صاحب المال مجرد مشرف على مال الله، مثل وكيل العزبة، المال أمانة عنده، ودوره كوبرى، موصلاتى، «ادّينى حسنة وأنا سيدك» + والله سيرد للمحسن مقابل الإحسان أضعافًا مضاعفة + استلاب الرجعية الدينية لمشاعر الامتنان، لا امتنان حقيقيًّا من حامل العقل الرجعى ولو تناثرت من فمه كلمات الشكر، حسب الرؤية الرجعية لنصوص، مثل: «إن الشكر إلا لله»، فيمكنه أن يأخذ حبابى عنيك، بلا شكرانية، لأنك لا فضل لك، الله هو صاحب الفضل الأوحد، وقد يقول متسول: «إوعى تفكر إنك بتدينى من جيبك».
 

هذه المعادلة تفسر كيف تتحول عملية التسول إلى جباية ترعاها الهيمنة الدينية الرجعية على العقل، وتشارك عناصر تلك المعادلة مع مفاهيم رجعية أخرى، مثل الجزية فى إنتاج ظواهر مثل البقشيش، وفردة ركن السيارات، وتموين البنزين، وتختلط معانى التسول بالرشوة والإتاوة فى المال الذى قد يدفع من الزبون أو طالب الخدمة اضطرارًا أو فى ما يبدو كعرف بالتراضى لمَن هو صميم عمله أداء تلك الخدمة، ولن يحسن عمله أو لن يؤديه دون أخذ «الحسنة»، كالبائع الذى لن «يتوصى فى توضيب الطلب» إلا مقابل «حسنة»، مع تشكيلة منوعة من الدعوات يتحول العمل نفسه فى أحيان كثيرة إلى شكل من التسوُّل، أو يلوثه التسوُّل، ومثلًا يتوقف عمال النظافة بجوانب الطرق المزدحمة بالسيارات فى انتظار العطايا، والمسحراتى فى رمضان يأتى دون سابق اتفاق، يطرق على جركن أو صفيحة لإيقاظ الناس السهرانة، ويمر فى آخر الشهر ليجمع العطايا التى يلتبس تعريفها، فكانت التسمية الدينية أيضًا «حسنة».

 

وتتسرب ذهنية التسوُّل حتى إلى طريقة الحصول على الحقوق الطبيعية بالدعاء ولو للموظف فى المصلحة الحكومية، وحملة العقل الرجعى بطبعه أيضًا يترجمون السخط إلى دعاء عدائى وسباب «حسبى الله ونعم الوكيل» «ربنا ينتقم منهم» ضد مَن منحوه دعوات تسول الخدمة دون الحصول عليها كما ينبغى.   
 

وهكذا تنشأ نماذج المتسول البلطجى، والمتسول البجح، و«مظراب» الأطفال الذى يتسوَّل علنًا: «عندى خمس عيال، وساكن فى شقة أوضة من غير صالة إيجارها ألف جنيه، وعايز شقة من المحافظة، وكشك سجاير». العلاقة هنا واضحة بين الرجعية الدينية والجوانب الاتكالية فى الاتجاهات الاقتصادية الاشتراكية أو اليسارية، دون الدخول فى جدالات، انحيازنا هو للعدالة الاجتماعية بصرف النظر عن الدوجما والأيديولوجى، مرادنا القول إن نموذج «مظراب» الأطفال المتبجح بالشحاتة عليهم يبدو رد فعل من الإنسان الذى انسحقت فرديته بكل أشكال الشمولية ذات الأصول الدينية الرجعية أيضًا، فيلقى على المجتمع كله بالمسؤولية عن نفسه ومَن يليه، وبلا امتنان مهما كان ما يحصل عليه، والجماهير مثله من حملة الرجعى بطبعه، تدفعهم المفاهيم الدينية الرجعية للإنجاب وتحبط الذهن الرياضى، فيتعاطفون معه، دون نقد لإقدامه غير المحسوب على «ظرب» الأطفال رغم ظروفه السيئة.
 

والعلاج الربانى لبجاحة التسول، يأتى من امتداح رب العزة سبحانه للذين «لا يسألون الناس إلحافًا»، والذين «تحسبهم أغنياء من التعفف». لكن الرجعية الدينية عادة تنشئ المشكلة وتقدم الحل الزائف. تنشأ المشكلات من أساسات مفاهيمية عميقة وتظهر كتطبيقات فى قلب الواقع، والحلول أقوال لإبراء الذمة، والتنصل من التسبب فى المشكلة، واستدامة التحصن من النقد، الحلول، مواعظ وأوامر ونواهٍ، اشتغالات، أزهر وإفتاء، وحوينى وحسان، وعمرو خالد.. هيصة فى البلد.
 

والتسوُّل عندنا مقرون بالقذارة والعاهات والتخلف العقلى والأمراض، قد يسير متسول بالقسطرة البولية وكيس تجميع البول. يُعرَف المجتمع مَن متسوليه، سلوكهم وأشكالهم ترجمة للثقافة المهيمنة، والارتباط مؤكد بالحالة الاقتصادية. المتسولون موجودون فى أكثر الدول رخاءً، ومن المتوقع أن يكثروا فى البلاد الأكثر فقرًا، وحين نبحث الجذور الأولى للفقر فى بلادنا فلا يمكن إغفال دور الحقبة التى نمر بها من التخلف الحضارى الذى هو ترجمة لمسيرة العقل المصرى المعرفية، وهذا -محكوم بالمفاهيم الدينية المؤسسة- شكَّل الواقع بالتراكم التاريخى، ولهذا فإن كثرة المتسولين -إن كانت- تعود فى الأساس إلى الهيمنة الدينية الرجعية على العقل، جالبةً التخلف والفقر فى بلادنا.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.