لا الأصالة أصالة ولا المعاصرة معاصرة

عصام الزهيري



لا الأصالة أصالة ولا المعاصرة معاصرة



ما الأصالة والمعاصرة؟

الإجابة المنطقية البسيطة عن هذا السؤال الذى حيَّر العقل العربى طيلة نهضته الحديثة منذ مطلع القرن 19 -ومنذ زار رفاعة الطهطاوى باريس للمرة الأولى فى ذلك الوقت- هى أن الأصالة ليست غير ما نعتبره نحن أصالة، وأن المعاصرة هى بالتالى ليست غير ما نعتبره نحن معاصرة. كل ما نعتبره جميلًا مدهشًا قيِّمًا صالحًا جديرًا بنا هو الأصيل، وكل ما نعتبره جميلًا مدهشًا قيِّمًا صالحًا جديرًا أيضًا بنا هو كذلك المعاصر. والقيمة والتفضيل إذن هما العنصر المشترك بين ما نعتبره أصيلًا وما نعتبره معاصرًا، لكن ما الفارق الذى يجعلنا نعتبر ما هو أصيل أصيلًا ليس معاصرًا من وجهة نظرنا، ويجعلنا فى الوقت نفسه نعتبر ما هو معاصر معاصرًا ليس أصيلًا أيضًا من وجهة نظرنا؟


إجابة هذا السؤال هى التى تستدعى التعقيد وليس البساطة ربما، والبساطة والتعقيد -كما ترى- ليسا أصيلَين وليسا كذلك معاصرَين، أو قد يكونا معًا أصيلَين قديمَين كخصيصتَين من خصائص التفكير فى العقل البشرى، وقد يكون كلاهما أيضًا معاصرَين طارئَين على التفكير البشرى، حسب ما يستجد على معارف الإنسان من تقدم نتيجة التراكم الطبيعى الذى تحققه المعرفة البشرية، وإذن فالبساطة قد تكون أصيلة، وقد يكون التعقيد معاصرًا، وقد يكونان معًا أصيلَين، وقد يكونان معًا معاصرَين، فالبساطة والتعقيد طريقان يملكهما الإنسان فى كل وقت، ويمكن أن يسلكهما فى التفكير مهما كانت الظروف وفى سائر الأزمنة، وإذن تتوقف المسألة -مرة أخرى- على وجهة نظرنا، وعلى الزاوية والموقع اللذين نحبذ النظر منهما، وفى الأخير تتوقف المسألة كلها على تفضيلنا الشخصى إن كنا نحب أن نعتبر البساطة أصيلة والتعقيد معاصرًا، أو أن نعتبر التعقيد أصيلًا والتبسيط معاصرًا، أو أن نعتبرهما معًا أصيلَين معاصرَين.
 

المهم أن إجابة السؤال عن السبب الذى يجعلنا نعتبر الأصيل أصيلًا والمعاصر معاصرًا قد تكون معقدة، لأنها تستدعى عددًا كبيرًا من العوامل والظروف المتداخلة، على رأسها العامل الذى ذكرناه فى بداية المقال وهو الوجود المفاجئ لرفاعة الطهطاوى فى باريس، وخلاصته أن العقل العربى استيقظ ذات يوم من رقدة طويلة استمرت لقرون، غفلة زمنية طائلة محروسة بأسوار حديدية من الجهل المفروض ضربها الاحتلال التركى من حول العالم الإسلامى واستمرت لخمسة قرون تقريبًا، لم تحطمها غير الصدمة التى أعدها نابليون وحملته الفرنسية للمصريين، بعدها اكتشف العقل المصرى -ومن ورائه العقل العربى- أن العالم الذى يعيش فيه غير العالم الذى عرفه، وأن هناك قيمًا جديدة وحضارة جديدة تختلف عن القيم ومفردات الثقافة التى عاش على تكرارها وترديدها طيلة قرون العزلة، وهو يتصور أنها أفضل وأرقى وأهم وأقوى ما يملك الإنسان، والأسوأ أنه تصوَّر أنها كل ما يملك الإنسان لا يوجد غيرها، ولا يحمل الزمان فى تقدمه والتاريخ فى تطوره ما يختلف عنها.
 

كطفل انتزعت منه لعبته المفضلة، بدأ العقل العربى يفكر تحت وطأة الصدمة بذهن لا يمكنه أن يرى العالم إلا من خلال ثنائية: نحن وهم، ما نملكه وما يملكه الآخرون، ما نعرفه وما يعرفه الآخرون، ما وصلنا إليه وما وصل إليه الآخرون.. وهكذا. وكان ما نسيه العقل العربى تحت وطأة الصدمة الحضارية الهائلة أن حالتنا البشرية كلها حالة مؤقتة، كما أن حالة الآخر البشرية هى أيضًا حالة متغيرة، وأن كل ما نملكه يمكن أن يملكه أو كان يملكه الآخرون، وكل ما يملكه الآخرون يمكن أن نملكه أو كنا نملكه ذات مرة فى تاريخنا الطويل بالفعل، كل ما نحن عليه يمكن أن يكون عليه كل الناس، وكل ما عليه الناس يمكن أن نكون نحن عليه أو كنا نحن عليه ذات يوم مضى، فالمشترك بيننا وبين الآخرين سيظل دائمًا إنسانيتنا، بكل ما تعنيه الإنسانية من نسبية. حقيقة هذه النسبية البشرية بكل ما تستدعيه من تعدُّد وتبدُّل لا يتوقف فى سيال الزمن المتقلب، هو ما يبدو أن العقل العربى قرر التخلِّى عنه عندما بدأ يفكر من خلال الثنائيات القطبية الخادعة، ومنها ثنائية الأصالة والمعاصرة، وهى ثنائيات لا تسهم فى إضافة معرفة حقيقية بالعالم ولا بالتاريخ البشرى بحالاته وتبدلاته وثقافاته وتغيراته اللا متناهية، بقدر ما تُوهِم العقل بالثبات فيطمئن، لكنه اطمئنان خادع بدوره.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.