تاريخ الجوع فى مصر الفاطمية

د. محمد فياض



تاريخ الجوع فى مصر الفاطمية



تغافلت الكتابة التاريخية لسنوات عديدة عن تاريخ العوام والمهمشين واللصوص وكذا تاريخ المجاعات، فلم يُنظر إلى التاريخ إلا أنه تاريخ الرسل والملوك، رغم أهمية الطبقات الدنيا فى تحريك مجرى التاريخ والتحكم فى مسيرته، وفى الحقيقة فقد مثَّلت بعض الظروف التى مر بها المجتمع المصرى فى العصر الفاطمى بيئة حاضنة لظهور مثل هذه العناصر، وبطبيعة الحال تأتى الظروف الاقتصادية على رأس هذه العوامل، وفى الحقيقة فقد استخدمت النصوص التاريخية -المتاحة- دائمًا حرف العطف للربط بين الأزمات الاقتصادية وظهور هذه العناصر التى عاثت فى الطرقات فسادًا، مثل ما حدث سنة «387هـ- 997م» إبان الغلاء الذى وقع أيام الحاكم بأمر الله «386 هـ- 411 هـ/ 996- 1020م»، وكان سببه قصور النيل، الأمر الذى أثر على السعر وندرة الموارد الغذائية، مما أدى إلى تفاقم الأزمات وانتشار هذه العناصر فى الطرقات، حتى إن المقريزى قد عبَّر عن ذلك قائلًا: «فعظم الأمر».
 
كما نقلت لنا نصوص أخرى دلالات مهمة عن دور العامل الاقتصادى كأحد الدوافع الأساسية لنشاط هذه العناصر، فهذا النص الذى يحكى أن أحد اللصوص قد سرق قنديلًا من جامع عمرو بن العاص إبان حكم الخليفة الحاكم بأمر الله، وقد رفع القاضى الأمر إلى الخليفة، وكانت علة الرجل، آنذاك، فى الدفاع عن نفسه أنه فقير ولديه بنات جياع والإنفاق عليهن أفضل من تعليق هذا فى الجامع، الأمر الذى يعكس حالة العوز والاحتياج التى دفعته إلى السرقة، لكسب ما يُعينه على إعالة بناته، ما يؤكد سوء الأحوال الاقتصادية التى صاحبها انتشار البطالة بين العامة، مما زاد أحوالهم فقرًا وسوءًا.
 
ومهما يكن من أمر فلم تبخل علينا المصادر فى هذا الاتجاه، رابطةً بين الأزمات الاقتصادية والاضطرابات وظهور هذه العناصر، ففى زمن الخليفة الفاطمى الظاهر لإعزاز دين الله، يذكر أحد النصوص أن السعر قد ارتفع واشتد، ثم يعطف حديثه قائلًا «وفيه طاف العامة والسوقة الأسواق بمصر بالحبال والشومة والطبول والبوقات يجمعون من التجار وأرباب الأسواق ما ينفقونه…» فى حديث واضح الدلالة على حضور العامل الاقتصادى فى نشاطات هذه العناصر، ويعود المقريزى ليؤكد هذا الاتجاه فى أحداث نفس العام، حيث اشتد الغلاء بمصر وكثر نقص النيل، ويصور لنا مدى ما آلت إليه الحال من بشاعة، حيث كثر الخوف فى ظواهر البلد وكثر اضطراب الناس وتفاقم الأمر وصاح الناس بالخليفة الظاهر «الجوع الجوع يا أمير المؤمنين لم يصنع هذا بنا أبوك ولا جدك»، وأصبح الناس بمصر على أقبح حال من الأمراض والموتات وشدة الغلاء، وعزت الأقوات وكثر الخوف من اللصوص، حتى إنه لما عُملت مائدة بالقصر هجم العبيد عليها وهم يصيحون (الجوع)، ونهبوا سائر ما كان عليها، ونُهبت الأرياف وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور أخرى قبيحة، وندب جماعة لحفظ البلد واستعد الناس، فكانت نهبات بالساحل وخندق الناس خنادق على الأزقة والشوارع، واستمرت هذه الإشكالية للعام التالى، حيث تعذر وجود الخبز، حتى إن ثمة تضخمًا اقتصاديًّا قد ضرب المجتمع، فارتفع سعر الخبز ولم يقدر عليه أحد، ويبدو أن ذلك قد أصاب المجتمع بحالة من الترقب والقلق عبر عنها هذا النص، قائلًا: «وبات الناس على حرس وأصبحوا يترقبون المكروه»، ثم استخدم حرف العطف، قائلًا: «فطاف النهابة أسواق القاهرة والسويقة التى عند باب زويلة».
 
ومن الملاحظ هنا أن التأريخ لمثل هذه الحوادث صار يربط بشكل دائم بين هذه الأزمات وبين ممارسات تلك العناصر. على أية حال تعود المصادر لتخبرنا بما حدث سنة «448هـ- 1056م»، وبأن ذلك العام كان عامًا حلّ فيه الوباء والقحط ونشطت مجموعة من اللصوص استغلت هذه الظروف الاقتصادية العاصفة لتمارس نشاطاتها فى عمليات السرقة والسلب والنهب المدفوعة بالآلام الاقتصادية العاصفة التى ضربت المجتمع.
 
ومهما يكن من أمر فقد كانت الظروف الاقتصادية هى العامل الأساسى فى انتشار هذه الجماعات، وعلينا أن نلاحظ أن هذه الظروف قد دفعت بعض أفراد المجتمع لأن يقوموا بمثل هذه العمليات حتى لو لم يكن تصنيفهم أساسًا بأنهم لصوص ونهابة وقطاع طرق، فهناك أفراد عاديون فقراء أصحاب أحوال رثّة اقتصادية واجتماعية دفعهم القحط والغلاء إلى ركوب موجة النهب والاعتداء على مقدرات المجتمع، وهو ما أوضحته لنا أحداث سنة «456هـ- 1063م»، وهو العام الذى وصفته النصوص بأن جميع الأحوال كانت فى فتن وشرور وعدم تدبير وانحلال أمر مصر فى أشد ما يكون من سوء الحال.. وما يستوقفنا هنا هو الجملة التالية بأن «كل مَن قوى على صاحبه أكله ولا يجد مَن يشتكى إليه، حتى إن كثيرًا من المساتير نُهبوا وعاد الناس فى بيوتهم لا يخرجون إلا لضرورة قادحة لعدم مَن يشار إليه، هذا مع غلاء الأسعار وعدم الجالب من سائر الأصناف، فى نص واضح الدلالة على مسؤولية الأزمات الاقتصادية فى انتشار عامل السلب والنهب فى المجتمع المصرى فى العصر الفاطمى».
 
على أية حال، فقد استمرت الأزمات الاقتصادية تعصف بالمجتمع المصرى فى العصر الفاطمى، لتشجع العناصر الخارجة على العودة لممارسة هذه النشاطات، مثل ما حدث سنة «461هـ- 1068م»، حيث قلَّت الأقوات وعظم الفساد والضرر، حتى أكل الناس الجيف والميتات ووقفوا فى الطريق يخطفون مَن يمر من الناس فيسلبونه، كما شجعت أحداث هذا العام أيضًا على عمليات الاقتتال الداخلى وقطع الطرقات والنهب وإرهاب المجتمع، حتى إن التجار قد حرقوا الثياب المنسوجة بالذهب، ليخلص لهم ما فيها من الذهب.
 
وجدير بالذكر أن الشدة المستنصرية كانت كرنفالًا لحوادث السلب والنهب والتدمير، فكانت أسوأ أزمة اقتصادية مرت بها مصر فى العصر الإسلامى، فقد عاشت البلاد حالة من الفوضى الشاملة، حيث نشط الأشرار وقطاع الطرق وأصبحت السبل وطرق المواصلات البرية والنيلية غير آمنة، بسبب تعرض المسافرين لنهب اللصوص، وأصبح السير غير مأمون العواقب، وقد عبَّر أحد النصوص عن ذلك قائلًا: "وكاد الخراب يستولى على سائر الإقليم ونُهب الريف وغلت الأسعار، وكثر الوباء إلى الغاية وعظم الغلاء واشتد البلاء " فضلاً عن العناصر الإجرامية التى احترفت أكل لحوم البشر نتيجة الشدة المستنصرية فتربصوا للناس فى الأزقة والشوارع ليسدوا صراخ بطونهم بطرق غاية فى الإجرام والشذوذ حتى بالغت النصوص فى التصوير بأنهم وقفوا بالطرقات فإذا مر بهم أحد ضربوه بالأخشاب وشرَّحوا لحمه وقتلوه، ونعود لنؤكد أن هذه المبالغات فى التصوير لم تكن من فراغ وإنما عبرت عن واقع اجتماعى بالغ السوء مدفوعًا بأحوال اقتصادية عاصفة فسخت المجتمع وأظهرت أسوأ ما فيه.
 
وفى الواقع، فإن الجوع لم يجعل هذه العناصر رحيمة بباقى العناصر المجتمعية الأخرى، فقد كانت ممارساتها عاصفة بكل فئات المجتمع، استخدمت فيها وسائل السلب والنهب والتخريب، فضلًا عما أصابت به المجتمع من فزع وإرهاب، كما كانت الممارسة الأكثر حضورًا هى حوادث قطع الطرقات، فحسب العديد من الروايات أن هذه العناصر شوهدت بشكل شبه دائم تقف فى الطرقات وتخطف متاع المارة من الناس، فلم تكن الطرقات آمنة بوجود مثل هذه العناصر، وكان مجرد المرور بها يمثل خطرًا على أمن وحياة المارة، وذلك فى الطرقات البرية والبحرية على حد سواء.
 
ومهما يكن من أمر، فبالإضافة إلى هذه الممارسات، فقد تواكبت معها أفعالٌ مشينةٌ مثل اغتصاب النساء، وأخذ الإتاوات من التجار ورواد الأسواق، فضلًا عن كسرهم الدكاكين ونهب ما فيها، وكذا إشعالهم الحرائق وخطفهم ثياب المارة، مما أدَّى فى كثير من الأحيان إلى إخلاء الأسواق من كل المتعاملين بها.
 
وكيفما كان الأمر فقد أثَّرت هذه الحوادث على إرهاب المجتمع وإصابة عناصره بالفزع والخوف، وهو ما كان له صدى فى المصادر التاريخية التى استخدمت مصطلحات تعكس بجلاء مدى خطورة هذه الحالة، فكلمات تم استخدامها مثل «وأصبح الناس من الفزع والوجل وكثر الرجفات، ونهبت البلد»، وفى حوادث سنة «414هـ- 1023م» استُخدمت كلمات مثل «كثر الخوف من الذعار» «وخندق الناس خنادق» على الأزقة والشوارع، وفى سنة «415هـ- 1024م» بات الناس على حرس وأصبحوا يترقبون المكروه، وفى سنة «456هـ- 1063م» عاد الناس فى بيوتهم لا يخرجون إلا لضرورة قادحة، لعدم مَن يشار إليه، وفى سنة «461هـ- 1068م» خاف الناس من النهب، إلى غير ذلك من المفردات التى عبَّرت عن حالة الخوف والإرهاب التى عاشها المجتمع، حتى إن حالة الهلع هذه دفعت عديدًا من أفراد المجتمع إلى عمل السيوف والسكاكين دفاعًا عن أنفسهم أمام هذه العناصر.
 
وفى النهاية، فقد عصفت حركات الجائعين بأمن وسلامة المجتمع، فضرب الإرهاب المجتمع وانعدم الأمن والاستقرار نتيجة الأزمات الاقتصادية والفروقات الاجتماعية والسياسات الخاطئة.


أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.