مَن الذى يحفظ القرآن: الله أم المسلمون؟!

عصام الزهيري



 مَن الذى يحفظ القرآن: الله أم المسلمون؟!



للتدليل على طائفة من المسميات والمضامين الدينية التى يمكنها أن تجرح حساسية المرء رغم أنها رائجة متداولة، كما أنها صارت متكاثرة للأسف الشديد مع الانتشار الأصولى، أذكر مسميات من قبيل: «حفظ القرآن» و«تحفيظ القرآن» و«حافظ القرآن» و«محفظة القرآن». وإن كنت أعترف مسبقًا أن الحرج منها قد يكون ناتج حساسية لغوية أو فكرية زائدة، فمستخدم هذه المسميات الدارجة لا يقصد أبعد من معناها الجزئى النسبى المتعلق بالاستخدام اليومى، ولا يمكن أن يمتد بها تصوره أو تقديره الذهنى لأبعد، لكن علينا أن نعترف من جهة أخرى بقدرة هذا الاستخدام الجزئى اليومى للألفاظ على أن يكرس فى الأذهان معانيها الجزئية اليومية حاجبًا معظم الوقت امتداداتها ومعانيها الكلية، ومؤثرًا فى النهاية على فهمها، أو مشوهًا لهذا الفهم، أو مغلبًا لها بمعناها الأكثر جزئية وتقصيرًا، ولو كان ذلك بصورة لا واعية.

 

الله تعالى يقول فى سورة «القيامة»: «لا تحرك به لسانك لتعجل به، إنا علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاستمع قرآنه ثم إنا علينا بيانه» (آيات 16: 19). وهى آيات -على قول أغلب المفسرين- تأمر النبى نفسه بأن لا يعجل فى حفظ القرآن، لأن الله يحفظه.

ثم يقول تعالى فى سورة «الحجر- آية 9»: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون». ولسفيان بن عيينة تأويل رائع للآية، يقول فيه: «مصداق هذا فى كتاب الله فى قوله فى التوراة والإنجيل: بما استحفظوا من كتاب الله، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فحفظه الله علينا فلم يضع».

وبهذا يتضح الحرج الذى يمكن أن يُشعر به إيكال حفظ القرآن للناس بشكل غير مقصود فى الاستخدام الشائع، ومن حجب كذلك للمعنى الأصلى الكلى الأهم لحفظ القرآن كما هو وارد فى القرآن نفسه. لكن الأفدح أن يعطى التداول الاصطلاحى الجزئى للفظ تراكمات ذات أبعاد غير سوية فى معناها، وعلى سبيل المثال فإن البيضاوى (1226- 1260م) عندما أراد أن يبرر كثرة استخدامه الأحاديث الموضوعة فى تفسيره للقرآن، أرجع ذلك إلى رغبته فى تحريض الناس على حفظ القرآن! إذ قال: «رأيت اشتغال الناس بفقه أبى حنيفة، ومغازى محمد بن إسحاق، وأعرضوا عن حفظ القرآن، وقد وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى»! والذى قد يزيد الإحساس بخطورة الخلط بين حفظ الله للقرآن وحفظ الناس له هذا المعنى المتضمن فى حكاية رائجة فى كتب التاريخ والتفسير، وبغض النظر عن صحتها فهى تُنسب إلى الناس مباشرة حفظ القرآن الذى وعد به الله. والحكاية كما ذكرها القرطبى فى تفسيره الآية تقول: «كان للمأمون -وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل فى جملة الناس رجل يهودى حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلى؟ قال: نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: دينى ودين آبائى وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال: فتكلم على الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت ترانى حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت منى، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت منى، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الورّاقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامى».

 

ورغم غرابة الحكاية، ومن قبلها تبرير البيضاوى، إلا أن المسألة تظل فى حاجة إلى فحص يجيب عن سؤال لا يُعتنى بطرحه، وهو: فى أى حقبة بالضبط شاع اهتمام المسلمين بحفظ القرآن بكامله بدلاً من الاهتمام بفهمه كاملاً واستيعابه استيعابًا جيدًا ودقيقًا؟ لا يعنى ذلك أن حفظ القرآن نقيض لفهمه، لكن السؤال يكسب ضرورته من جهة ما شاع من حرص الكثيرين على حفظ القرآن أو آيات منه، مع الإفراط فى ترديدها -جهرًا غالبًا- كتمائم سحرية تدفع الضر وتجلب البركة، دون محاولة -وربما دون رغبة- فى تعمُّق موضوعاته وتدقيق أحكامه والتخاطب مع بلاغته وسياقاته الدلالية والمجازية والإشارية. وهو فارق -لا شك- بين عقلية الجهل والخرافة التى تنظر إلى القرآن نظرتها إلى عمل سحرى تمائمى، وعقلية الاستيعاب والاستنارة التى تراه وحيًا إلهيًّا يخاطب عقول وقلوب البشر من أجل هدايتها. غير أن الأهم لموضوعنا هو التساؤل عما لو كان كثير من هؤلاء «الحفظة» البشريين -أو دعاة الحفظ على طريقة القرطبى والبيضاوى- يعطون قيمة مضافة لحفظهم الذى دون فهم، أقصد أنهم يعتبرونه ليس مهمًّا لهم فقط، ولكن مهم لحفظ القرآن ذاته!

 

على أى حال تؤكّد الحقيقة التاريخية أن الصحابة الكرام لم يهتموا بحفظ القرآن كاملاً، ولم يكونوا يعدّون حفظه بكامله فضيلة من الفضائل الكبرى أو هدفًا عظيمًا يسعى المسلم لتحقيقه كما هى الحال اليوم.

حتى إنه روى عن ابن عمر أنه أقام على حفظ سورة «البقرة» ثمانى سنين، وقد قال فى ذلك أنه: «إنما كان يحفظ ولا ينتقل من آية إلى آية حتى يفهم».

وواضح من ذلك أن ما يشغل موقع الصدارة عندهم، والمرتبة القصوى فى علاقتهم بالنص القرآنى، كان التبحُّر فى فهمه والتدقيق فى معرفته وتعمُّقه معرفة دقيقة موثوقة.

 

بدلاً من حفظ القرآن كاملاً، ورغم أن الحاجة إلى ذلك كانت أكثر تطلبًا فى بيئة الجزيرة العربية التى لا تنتشر فيها القراءة والكتابة، كان الصحابة يتبادلون حفظه (فهمه) ويتوزّعون حفظهم لآياته فى ما بينهم.

وبحسب الخبر المنقول عن أنس ورواه أحمد فى مسنده: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فى أعيننا» ولم يفكر غير قلة من الصحابة فى حفظه كاملاً على ذلك، مما يوحى بأن حفظ القرآن لم يكن مطروحًا وملحًّا على أذهان الصحابة كما هى الحال معنا.

كانت الطريقة المعروفة أو شبه المعتمدة التى تداولتها الأخبار فى حفظ الصحابة للقرآن، وذكرها أحمد أمين فى كتابه «فجر الإسلام» أنهم: «كانوا يحفظون السورة أو جملة آيات ويتفهمون معانيها، فإذا حذقوا ذلك انتقلوا إلى غيرها». وهى طريقة فى الحفظ والاستيعاب لابد أن تدفعنا لطرح السؤال من جديد: متى وكيف ولماذا وفى أى ظرف انقلبت الآية من الاهتمام بقراءة القرآن بالمعنى التام للقراءة، أى قراءة فهم وذوق وتدبُّر واستيعاب، إلى الاهتمام بحفظه وترديده على الوجه الشائع اليوم، أى كسلاسل من تمائم السحر جالبة البركة بغض النظر عن معناها أو استيعاب معناها؟ وهل اقترن ذلك باختلال نفسى ما فى ثقة جموع المسلمين بأن القرآن ليس فى حاجة إلى حفظهم بقدر ما أنهم هم فى حاجة إلى فهمه؟

لا أملك حقيقة أمام هذه الأسئلة العويصة أكثر من احتمالات تربط الإجابة بجذور مفترضة لشيوع الاهتمام بحفظ القرآن وترديده دون الاعتناء بفهمه، بدايات ربما يعود أقدمها إلى ما بعد الأزمة السياسية والدينية والعسكرية الشاملة التى تمثلت فى قتال الصحابة لبعضهم منذ مقتل عثمان، وعلى خلافة علِىّ، وسميت بالفتنة الكبرى، ثم ما تفرَّع عن ذلك من فرق عقائدية ومذهبية متقاتلة متحاربة، وهو ما يكون قد أورث اعتقادًا لعامة الناس بخطورة نتائج التدبُّر فى آيات القرآن وتعمُّق معانيها والاختلاف فى تأويلها، وبخطورة نتائج إعمال العقل فيها بعامة، الأمر الذى يخشى معه أن يؤدِّى إلى التورُّط فى الانحياز فى غمار قتال سياسى دموى شامل استمر لقرون شعاره الاختلاف فى تأويل القرآن.

 

غير أن الفرض الأساسى من داخل هذا السياق التاريخى أو الظرفى الذى يمكن أن يكون مفسرًا، والذى أثق بديهيًّا فى أهميته، يرد بالمسؤولية المباشرة فى اتجاه عموم الناس لحفظ وترديد القرآن دون الاهتمام بفهمه إلى الفرق والمذاهب المتناحرة نفسها، فلم تكن أسباب تناحرها الحقيقية خلافًا حول تأويل آيات القرآن، ولكن خلافهم السياسى الذى حاول كل منهم فيه أن يمتلك تأويلاً سلطويًّا سياسيًّا للقرآن، هؤلاء جميعًا لم يريدوا من الناس إلا تبعية عمياء وطاعة مطلقة فى شؤون سياسية يجوز لهم أن يختلفوا فيها، وليصلوا إلى هذه النتيجة أوقعوا بأذهان الناس دومًا هذا الخلط الرهيب بين ما هو دينى وما هو دنيوى، وبين ما هو أرضى وما هو مقدس، بين أطماعهم فى السلطة وبين تفسيرهم للقرآن، مما ترتب عليه وبأشكال كثيرة إدمان عموم الناس لحجب إعمال العقل وتضعيف سلطته فى فهم النص القرآنى. وليس غريبًا فى هذه الأجواء الذى أصبح فيها الفهم البشرى مقدسًا، والتأويل مقدسًا، والقتل مقدسًا، أن تختلط قداسة مفهوم الحفظ القرآنى ما بين السماء والأرض، وما بين الله والناس.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...