وقفة مع قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله»

حاتم صادق



وقفة مع قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله»



إذا كانت الآية صريحة فى سورة آل عمران «وما يعلم تأويله إلا الله» فهل معنى هذا أن النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعلم تفسير القرآن بشكل كامل؟ وماذا عن الصحابة؟

 

أعتقد بلا أدنى شك أن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان يفهم القرآن جملة وتفصيلاً، إذ تكفَّل الله تعالى له بالحفظ والبيان: «إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه».

 

يستثنى من ذلك ما استأثر الله، سبحانه وتعالى، به لذاته العلية، كما هو واضح من ظاهر الآية، وكما هو مشمول فى كلام ابن عباس الذى قسم التفسير إلى أربعة أقسام: أنه وجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه تعرفه العامة، ووجه تعرفه العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله مَن ادعى علمه فقد كذب.

 

أما بالنسبة إلى الصحابة، فأرجح أنهم كانوا يفهمون القرآن فى جملته، أى بالنسبة إلى ظاهره وأحكامه، أما فهمه آية آية، وجزئية جزئية، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا تستشكل عليهم صغيرة أو كبيرة، فهذا من المستحيل الذى لا يستيغه العقل ويقبله المنطق.

 

وليس صحيحًا ما يزعمه البعض، ومنهم ابن خلدون الذى قال فى مقدمته: «إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه فى مفرداته وتراكيبه»، أى أن مجرد معرفتهم للغة القرآن كان يجعلهم مؤهلين لمعرفة معانى الآيات والإحاطة بكل أسرارها بشكل كامل ومطلق.

 

ولو صح هذا الزعم، فلماذا كانوا يرجعون إلى النبى ويسألونه فى ما يعجزون عن فهم مراده أو يشكل عليهم فهمه، وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لابد فى معرفته من أمور أخرى يُرجع إليها.

 

وأظن أن هذه الرواية فى صحيح البخارى كفيلة وحدها بإبطال هذا الزعم:

عن عدى بن حاتم، رضى الله عنه، قال: «لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتى فجعلت أنظر فى الليل فلا يستبين لى فغدوت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار».

 

فوَفقًا للرواية نحن هنا أمام صحابى وهو عدى بن حاتم لم يفهم معنى قوله تعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل»، وبلغ من أمره أن أخذ عقالاً أبيض وعقالاً أسود، فلما كان بعض الليل نظر إليهما فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول بشأنه، فلم يوافقه الرسول على فهمه هذا، وأفهمه حقيقة المراد.

 

ويؤكد ما سبق حقيقة أخرى لا جدال فيها، وهى أن الصحابة لم يكونوا فى درجة واحدة بالنسبة إلى فهم معانى القرآن، بل تفاوتت مراتبهم، وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم، وهذا يرجع إلى تفاوتهم فى القوة العقلية، وتفاوتهم فى معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، بل وأكثر من هذا، أنهم ليسوا سواء فى معرفة المعانى التى وضعت لها المفردات.. تُضاف إلى ذلك حقيقة فى غاية الأهمية وهى أن النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يفسر القرآن بشكل كامل ولم يبيّنه كله لفظة لفظة.

 

وحتى لا يستغرب أحد أو يغضب من هذا الكلام، فإننا فقط نذكر بما هو مستقر ومعروف، من أن كثيرًا من المواقف التى رويت حول الاختلاف المحقق بين الصحابة فى فهم بعض كلمات القرآن، لم يكن يحتج أحد منهم بأن رأيه هو الرأى الذى سمعه من النبى.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث من اختلاف بين علِى وبين ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: «والعاديات ضبحا»، فبينما ذهب ابن عباس إلى أنها المراد بها الخيل، اعترض عليه علِى بن أبى طالب، واستدرك عليه ونبّه على أن المراد بها الإبل.. ولم يزعم على أنه قد تلقى التفسير عن النبى، صلى الله عليه وسلم، وإنما كان اجتهادًا منه لا أكثر.

 

وفى السياق ذاته، نطالع ما أخرجه أبو عبيدة فى الفضائل عن أنس: «أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: (وفاكهة وأبا).. فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلُّف يا عمر».

 

وغير ذلك ما روى من أن عمر كان على المنبر فقرأ: «أو يأخذهم على تخوف»، ثم سأل عن معنى التخوُّف، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقُّص.

 

وأيضًا ما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: «كنت لا أدرى ما (فاطر السماوات) حتى أتانى أعرابيان يتخاصمان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، والآخر يقول: أنا ابتدأتها».

 

ماذا يقول ابن خلدون فى هذه الروايات، وهل يثبت رأيه السابق أمامها؟ وكيف يسلم البعض بصحة رأيه، ويتغالى فى الاعتقاد بأن الصحابة كانوا يعرفون القرآن حرفًا حرفًا وتفصيلة تفصيلة؟ كيف كل ذلك ونحن أمام روايات تحكى أن عمر بن الخطاب -وهو مَن هو فى سبقه وقربه من النبى ورجاحة عقله واجتهاده- يخفى عليه معنى «الأب» ومعنى «التخوف»، ويسأل عنهما غيره.. بل وليس عمر وحده، فها هو ابن عباس -وهو ترجمان القرآن- الذى دعا له النبى، صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه فى الدين وعلّمه التأويل» لا يظهر له معنى «فاطر» إلا بعد سماعها من غيره، فكيف يكون حال غيرهما من الصحابة؟

 

بالطبع نحن لا نتهمهم بالجهل بمعانى القرآن، فهذا أيضًا سوء أدب ومغالاة وتطرُّف فى اتجاه آخر، لكن ما نطمئن إليه هو أن الكثير من هؤلاء الصحابة كانوا يتذوّقون القرآن بشكل أعم وأشمل ويكتفون بالمعنى الإجمالى للآية، ومن ثَمَّ فهم إن لم يكونوا يعلمون معنى واضحًا ومحددًا لـ«الأب» إلا أنهم قد يتذوقون الآية فى مجملها على أنها تشير إلى تعداد النّعم التى أنعم الله بها على الإنسان.. وهذا التذوق وذاك الفهم المجمل يجعلانهم فى حِل من إلزام أنفسهم بتفهُّم معنى الآية حرفيًّا ما دام المراد قد وصل العقل واستقر فى القلب.

 

ولعلّى أرى أنه من المناسب أن أختم تلك الوقفة مع الآية الكريمة «وما يعلم تأويله إلا الله» بتلك الكلمات العبقرية للإمام علِى التى يصف فيها القرآن الكريم بأنه «نور لا تطفأ مصابيحه وسراج لا يخبو توقده وبحر لا يدرك قعره».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...