‫مَن هو الصحابى المذكور فى القرآن الكريم؟‬

طارق أبو السعد



‫مَن هو الصحابى المذكور فى القرآن الكريم؟‬



لا تخلو مسابقة ثقافية فى المدارس أو فى الرحلات أو بين الشباب من هذا السؤال: مَن الصحابى الذى ذُكر اسمه فى القرآن؟ وطبعًا الكثير يجيب والقليل يبدأ فى البحث، إما بالعودة إلى آبائهم وإما معلم التربية الدينية وإما معلم اللغة العربية. المهم الكل يريد أن يعرف مَن هذا الصحابى الذى ذُكر فى القرآن.

 

وطبعًا الكل سيُجمع على أنه الصحابى الجليل زيد بن حارثة، استنادًا إلى الآية الكريمة: «إِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» (37- الأحزاب)، ومع افتراض أن كلمة زيد الواردة فى الآية تشير إلى اسم علم وهو شخص الصحابى زيد وليست مرادفةً لكلمة (فلان)، فقد كان العرب قديمًا يطلقون كلمة زيد على الشخص المجهول، فمثلما نقول نحن جاء (فلان) كانوا يقولون جاء (زيد) غاب (عمرو)، وهى إشارة إلى اسم مجهول، طبعًا فى تفسير ابن كثير إذا تيقّنا تمامًا أن زيد المقصود فى الآية الكريمة هو الصحابى يصبح علينا أن نعرف مَن هو هذا الرجل الذى كرَّمه الله بأن جعل اسمه يُذكر فى القرآن ويُتلى مع آيات الله ويتعبَّد بتلاوة اسمه.
 

لماذا لا نعلم الكثير عن هذا الصحابى؟! لماذا المعلومات التى نعرفها عنه قليلة وشحيحة، فضلًا عن كونها مضطربة ومرتبكة؟! فمثلًا، هل هو زيد بن حارثة بن شرحبيل أم هو زيد بن حارثة بن شراحيل؟ كلا الاسمَين موجود فى سير أعلام النبلاء للذهبى.
 

طيب، هل كان أبيض أم أسود؟ فى طبقات ابن سعد عن الواقدى أنه كان أسود، فعن الحسن بن أسامة بن زيد، قال: كان النبى، صلى الله عليه وسلم، أكبر من زيد بعشر سنوات، قال: وكان قصيرًا شديد الأدمة أفطس، لكن فى رواية أخرى كان شديد البياض كالثلج، وكان ابنه أسامة أسود كالليل، أفطس، ولهذا طعن بعض مَن لا يعلم فى نسبه منه. ولما مر مجزز المدلجى -من أعلم الناس بالقيافة- عليهما وهما نائمان فى قطيفة وقد بدت أقدامهما، أسامة بسواده وأبوه زيد ببياضه، قال: «سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض»، أعجب بذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم. هنا رواية تقول إنه أسود أفطس، ورواية تقول إنه أبيض مرة كالثلج ومرة أبيض مشبوب بحمرة! كما فى «أُسد الغابة فى معرفة الصحابة».
 

ليس هذا وفقط بل عمره أيضًا مختلف عليه، فهل هو مولود قبل الهجرة النبوية بسبع وأربعين سنة كما فى «أعلام النبلاء» أم  بثلاث وأربعين سنة كما فى «طبقات» ابن سعد؟َ! وفى كلتا الحالتين تصبح لدينا مشكلة، لماذا؟ لأن الرسول وقت الهجرة كان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، وهذا معناه أن زيد أصغر من الرسول إما بخمس سنوات وإما بتسع سنوات، والرواية تقول إن رسول الله لما تزوج السيدة خديجة أهدته زيدًا، ليكون مولى له، ولما علم قوم زيد أنه قد أصابته العبودية جمعوا مالًا وأرادوا شراءه وفك رقبته، لكنه رفض العودة مع أبيه وعمه، وفضَّل البقاء مع الرسول الكريم، فلما رأى الرسول حبَّه قام فخطب فى الناس، وقال إن زيد ابنى أرثه ويرثنى.

 

فلو كان زيد أصغر من الرسول بخمس سنوات فهذا يعنى أن عمره وقت زواج الرسول من السيدة خديجة كان عشرين عامًا! ولا يُعقل أبدًا أن تقوم السيدة خديجة بإهداء شاب يافع لزوجها، ولا يستقيم أن يقوم الرسول بتبنِّى شاب تقريبًا فى مثل سنه! فينبغى أن يكون عمره أقل من هذا بكثير. صحيح أن كتابًا ذكر أن عمر زيد لم يكن حينها يتجاوز العاشرة لكنه خبر دون دليل وليس فى كتب التراث بل فى كتب حديث  تحاول أن تتجنب الصدام بالأخبار غير المعقولة فى قصة زيد بن حارثة، والأمر لا يقف عن هذا الحد بل حتى زواجه الأول مربك ومحير، فالرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، زوَّجه من حاضنته أم أيمن، واسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن الحبشية، كانت مولاة لعبد الله بن عبد المطلب أبى الرسول، ولما توفى عبد الله ووضعت زوجته آمنة بنت وهب مولودها محمد، أخذته أم أيمن واحتضنته حتى بلغ أشده، ولما تزوج السيدة خديجة بنت خويلد أعتقها، فكان النبى محمد يقول عنها: أم أيمن، أمى بعد أمى، وكانت كما ورد فى البخارى لها دلال على الرسول، لكن أمن المنطق أن تكون حاضنته التى ولا شك تكبره على الأقل بخمسة عشر عامًا، حتى تتمكن من أن تقوم برعايته وتقوم مقام أمه، فيكون عمرها عند الهجرة سبعة وستين عامًا تقريبًا؟!

 

ومعلوم أن أسامة ابنها من زيد بن حارثة ولد قبل الهجرة بسبع سنوات، فهل أنجبته وهى بنت الستين من عمرها؟! ولماذا زوج الرسول المرأة التى فى مقام أُمِّه بالشاب الذى فى مثابة ابنه؟! أليس هذا التباين مريبًا مربكًا؟ إنه أمر غريب فعلًا، هل طبيعى أن الرجل الوحيد من صحابة رسول الله المذكور فى القرآن الكريم، لا نعرف اسمه على وجه اليقين ولا شكله على وجه الدقة ولا عمره بالتحديد ولا زواجه ولا ملابسات زواجه سواء من أم أيمن أو من المرأة التى سيطلقها ويتزوجها رسول الله؟ كيف غفل المدونون عن تتبع تاريخ هذا الرجل؟ وكيف لم ينتبهوا إلى الثغرات فى قصته المتداولة؟
 

الحق أقول لكم إن عملية التدوين التى تمت فى صدر الإسلام، على أهميتها والجهد المشكور كانت تحتاج إلى عملية فرز وتحقيق، حتى يمكن بناء تاريخ مترابط ونسق واحد، أما الاحتفاظ بكل المتناقضات معًا فجعل كل تاريخ المسلمين مفككًا وهشًّا وباعثًا على الشك، ولا أدرى لماذا تأخَّر المسلمون إلى اليوم فى هذه المهمة.. والله المستعان.
 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...