ما الذى يجمع بين ترامب ونيكسون؟

توم بروكاو



ما الذى يجمع بين ترامب ونيكسون؟



 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

هناك اختلافات ملحوظة بين الرئيسَين، ولكن هناك أيضًا تشابهات مذهلة.

نادرًا ما يخطر ببالى تعبير فرنسى عندما أشاهد جلسة استماع فى الكونجرس على التليفزيون. غير أن ظهور مايكل كوهين، المحامى و«المخلصاتى» الخاص السابق للرئيس ترامب، أمام لجنة فى مجلس النواب الأسبوع الماضى أعادنى، كأحد مَن شاركوا فى تغطية «ووترجيت»، إلى القاموس للبحث عن «plus ça change، plus c’est la même chose» أى «كلما تغيَّرت الأمور بقيت على ما هى عليه».


أعادتنى شهادة كوهين إلى صيف 1973، بينما كنت أنتقل إلى واشنطن لأصبح مراسل قناة «إن بى سى» فى البيت الأبيض. أعادنى كوهين تحديدًا إلى شهادة قدَّمها المحامى السابق للبيت الأبيض جون دين، وإلى وصفه لمعرفة ريتشارد نيكسون فى مسألة «ووترجيت». فمثله مثل كوهين كان «دين» ذات مرة أحد المقربين لرئيس انتقامى انقلب عليه.
 

جعلتنى الذكرى أفكِّر فى التشابهات العديدة بين الرئيسَين.
 

فهناك فَقْدان لكبار مساعديهما على خلفية فضائح. بالنسبة إلى نيكسون فقد وجد إتش. آر. هالدمان وجون إيرلكمان وجون ميتشل وإيجل كروج ودوايت تشابن وجيب ستيوارت ماجرودر وتشارلز كولسون وأعضاء أقل أهمية فى الفريق، وجدوا أنفسهم متورطين فى فضيحة «ووترجيت». وبالنسبة إلى ترامب فقد أجبر كلًّا من مايكل فلين وتوم برايس وسكوت برويت وريان زينكى على الخروج من مناصبهم على خلفية فضائح، ناهيك بقائمة طويلة، والتى قطعًا ستطول، من أولئك الذين استقالوا خجلًا أو لشعورهم بالاشمئزاز.
 

وهناك الصداقات المقربة الغريبة مع حلفاء من المشاهير، فكما هو معروف صادق نيكسون ألفيس بريسلى الذى كان يريد المساهمة فى الحرب على المخدرات. أما ترامب فقد رحَّب بمغنى «الراب» كانييه ويست، فى البيت الأبيض، حيث تناقشا حول إصلاح السجون وأحذية الركض وقوة القبعات الحمراء الخاصة بمؤيدى ترامب والتى يكتب عليها شعار حملته «Make America Great Again» أى «اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى».
 

إن ترامب مبتلى بقضايا ضرائب مثله مثل نيكسون. فبعدما أفاد نيكسون بأنه قد دفع أقل من 1. 600 دولار أمريكى ضرائب فيدرالية خلال عامَى 1970 و1971، فى الوقت الذى كان فيه راتبه السنوى نحو 200. 000، قدَّم توضيحًا ملتويًا وقال جملته الشهيرة «I am not a crook!» أى «أنا مش نصاب!». وفى النهاية، وقَّع على شيكات ضخمة بالمبالغ التى كان ينبغى أن يدفعها.
 

ولا تزال إقرارات ضريبة الدخل الخاصة بترامب سرًّا. ليست لدينا فكرة دقيقة عن تضارب المصالح المالية بين وظيفته كرئيس وصِلته المستمرة بالشبكة العالمية من الممتلكات العقارية والفنادق والمنتجعات الخاصة بشركته. كما أفادت جريدة «نيويورك تايمز» أنه انخرط فى ممارسات ضرائبية «مريبة»، والتى ربما شملت التزوير. وفى أثناء شهادته الأسبوع الماضى فى «كابيتول هيل» قال كوهين إن ترامب قام فى عدد من المرات بالإبلاغ عن إيرادات أقل، ليتجنَّب دفع الضرائب.
ومثله مثل ترامب، كان نيكسون يكره الصحافة.

 

ولقد رأينا بشكل أسبوعى كيف يصف ترامب التغطية الناقدة بـ«الأخبار الكاذبة» ويقلل من شأن المؤسسات الإخبارية باعتبارها «عدوة الشعب». عندما خسر نيكسون البيت الأبيض لجون كينيدى عام 1960، ثم خسر سباق حاكم كاليفورنيا بعد عامَين، دعا إلى مؤتمر إخبارى وأعلن غاضبًا: «لن يكون لديكم ديك نيكسون لتتسلوا بانتقاده بعد اليوم!». وكرئيس، أمر بالتحقيق مع صحفيين بارزين ووضع آخرين على قوائم الأعداء.
 

لكن على الرغم من كل هذه التشابهات هناك اختلافات مهمة بين الرجلَين.
 

كان نيكسون من دعاة العولمة ورأى فرصًا لتحقيق تغيير كبير. فبدأ مع هنرى كيسنجر فى إعادة فتح العلاقات مع الصين والتهدئة مع روسيا، كما قلَّص الحرب فى فيتنام. وأنهى التجنيد الإجبارى وجعل الخدمة العسكرية تطوعية. وفى خضم «ووترجيت» نظَّم الرئيس وكيسنجر حركة إغاثة عسكرية جريئة لإسرائيل عندما لم تكن مستعدة لهجوم من مصر وسوريا تدعمه روسيا.
 

وشعرت رئيسة الوزراء جولدا مائير بامتنان كبير، حتى إنها أشارت إلى نيكسون قائلةً «رئيسى».
وفى الداخل، جعل نيكسون الكونجرس يوافق على 100 مليون دولار للحرب على السرطان، وأنشأ وكالة حماية البيئة «EPA»، وهى الخطوة التى لا تزال تضايق الكثير من الجمهوريين. كما عيَّن فى حكومته جمهوريين بارزين، من بينهم جورج شولتز وكاسبر وإينبرجر وبيت بيترسون وإليوت ريتشاردسون وملفين لارد وجيمس شليزنجر.

 

أما بالنسبة إلى الرئيس ترامب، فيبدو أن سياسته الخارجية مسألة تُدار يومًا بيوم، مع التشديد الكبير على السيطرة على اللاجئين على الحدود الجنوبية. كما أنه أشد على الحلفاء الأوروبيين القدامى منه على السعودية مثلًا أو حتى رئيس روسيا فلاديمير بوتين. لقد حقَّق نجاحًا مع الصين فى شأن الجمارك، ولكنه نادرًا ما يتحدث عن طموحات الصين فى طرق جديدة مؤدية إلى الشرق الأوسط. ولم تفِده كثيرًا كلماته الدافئة عن ديكتاتور كوريا الشمالية سيئ السمعة كيم جون أون، فى أثناء قمتهما الأخيرة التى انهارت بشكل شبه فورى.
 

وعلى الصعيد الداخلى، قدَّم تخفيضات ضرائبية بمساعدة كونجرس يسيطر عليه الجمهوريون، لكنه فشل فى أن يجعل نفس الكونجرس يساير برنامجه الموعود للأشغال العامة أو يلغى قانون الرعاية الصحية «أوباما كير».
 

وصل ريتشارد نيكسون ودونالد ترامب إلى البيت الأبيض من واقع تجارب شخصية وسياسية مختلفة تمامًا. ولكن ربما يجمعهما نفس المصير. فقد ساعد عمل المحقق الخاص فى «ووترجيت» على إنهاء رئاسة نيكسون مبكرًا.
 

فهل يفعل المحقق الخاص روبرت مولر الشىء نفسه فى ترامب؟
 


 

توم بروكاو
صحفى تليفزيونى ومذيع أمريكى، قام بتغطية «فضيحة ووترجيت» فى أثناء عمله كمراسل لقناة «إن بى سى» فى البيت الأبيض. قدم البرنامج الإخبارى المسائى الرئيسى فى القناة لأكثر من 20 عامًا من الثمانينيات وحتى بداية الألفينات، ومن أهم مؤلفاته كتاب «الجيل الأعظم» عام 1998، والذى تناول فيه الأمريكيين الذين ترعرعوا فى أثناء الكساد العظيم، ثم قاتلوا فى الحرب العالمية الثانية.

 



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...