جماعات الزمن القديم

أحمد الشوربجى



جماعات الزمن القديم



ما زلنا نواصل رحلتنا، رحلة فرقة الأمة الإسلامية وتفرقها واختلافها وتراجعها وتخلفها وتناحرها، رحلة السيف والقتل والاقتتال من أجل السياسة وعلى السياسة، التى تتحول إلى دين وشريعة وعقيدة، فتنشأ الفرق التى تفرق وتشتت شمل الأمة وتمزق وحدتها. ما زال حديثنا عن فرقة الإباضية لم ينتهِ بعد، وهى إحدى فرق الخوارج، التى تنسب إلى أحد أبطالها المؤثرين، وإن لم يكن هو مؤسس المذهب، لكن زعامته السياسية والحربية جعلته عنوانًا لهذه الفرقة، إنه عبد الله بن إباض. والإباضية يغضبون عند نسبتهم للخوارج، ولا يرضون أن يوصفوا بهذا الوصف، ويقولون نحن جماعة الحق، ولسنا فرقة من الخوارج، أو ممن ينتسبون إلى شخص ما، ويعتبرون أنفسهم أنهم أصحاب مذهب فقهى مثل المذاهب الفقهية المختلفة، فهم (أى الإباضية) يرون أنهم مثلهم مثل الأحناف أو الشافعية أو المالكية، مجرد مذهب فقهى، هذا ما يصفون به أنفسهم. وهم يرون أن عثمان بن عفان، رضى الله عنه وأرضاه، مبتدع فى الدين، وصاحب بدع، ولا يحبونه، وهم لا يلعنون علِى بن أبى طالب، رضى الله عنه، كما تفعل فرق الخوارج، ولكنهم يرون أن إمامته باطلة بعد قبوله التحكيم بينه وبين معاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنه، وأن مرتكب الكبيرة موحد، وليس مؤمنًا أو هو كافر كفرَ نعمة.

ولعل هذه الأفكار هى التى جعلت مخالفيهم يصفونهم بأنهم خوارج. كما لا ينكر أحد أن عبد الله بن إباض من الخوارج فعلاً، بل هو من رؤوسهم السابقين الأوّلين، وهو من الذين كفرهم أبى بيهس هيصم بن  جابر، زعيم فرقة البيهسية، إحدى فرق الخوارج الكبار، لكونه -أى عبد الله بن إباض- تساهل مع المخالفين، فلم يحكم عليهم بالكفر.

وعبد الله بن إباض زعيم الإباضية يشرح منهجه فى رسالة طويلة، ردّ بها على عبد الملك بن مروان، وكان من ضمن هذه الرسالة قوله: «وكتبت إلىَّ تحذرنى من الغلو فى الدين، أعوذ بالله من الغلو، وسأبين لك ما الغلو فى الدين إذا جهلته. فالغلو فى الدين أن يقال على الله غير الحق، ويعمل بغير كتاب الله الذى بيَّن، وسنة نبيه التى سنَّ، قال الله تعالى «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الْحَقَّ»، «آل عمران- آية 103».

وكتبت إلىَّ تعرِّض بالخوارج، وتزعم أنهم يغلون فى الدين، ويتبعون غير سبيل المؤمنين، ويفارقون أهل الإسلام، وأنا أبين لك سبيلهم: هم أصحاب عثمان الذين أنكروا عليه ما أحدث من بدعة، وفارقوه حين ترك حكم الله، وهم أصحاب الزبير وطلحة حين نكثا، وأصحاب معاوية حين بغى، وأصحاب علِى حين بدل حكم الله، وحكَّم عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص، فهم فارقوا هؤلاء كلهم، وأبوا أن يفرقوا بحكم البشر دون حكم الله، فهم لمن بعدهم أشد عداوة وأشد مفارقة، ويدعون إلى سبيلهم ويرضون على ذلك، كانوا يخرجون، وإليه يدعون، وعليه يفارقون، وقد علم من عرفهم وعرف حالهم أنهم كانوا أحسن حالاً وأشد قتالاً فى سبيل الله». فلاحظ معى سيدى القارئ أن رسالة هذا الزعيم الخارجى كلها تدور حول رجال الحكم ورجال السياسة، وحول السياسات محور هذه الجماعات كلها منذ قديم الأزل، الحكم والحكام والساسة، وشعارهم إلى اليوم ما زال واحدًا «حكم الله»، لم يغيّروا هذا الشعار، فعثمان، رضى الله عنه، قُتل لأنه بدل واستبدل وابتدع فى حكم الله -من وجهة نظرهم- وطلحة والزبير أيضًا نفس الشىء، وعلِى رضى الله عنه، خرجوا عليه وقُتل بنفس الشعار، خالفَ وحادَ عن حكم الله، بل إن البيهسية من الخوارج، كفَّروا كل الأمة عن بكرَة أبيها بنفس الشعار، فقالوا إذا كفر الإمام لأنه بدل حكم الله كفرت الرعية، الغائب منهم والشاهد، حتى أطفالهم، لأن أطفال الكفار كفار أيضًا، وهى نفس وذات وعين مقولة شيخِ أيمن الظواهرى أبو الفضل سيد إمام، زعيم تنظيم الجهاد السابق، الذى قاد مراجعات الجهاديين داخل السجون المصرية، وأخرج كتابه «وثيقة ترشيد الأعمال الجهادية»، والتى بناء عليها خرج من السجون المصرية هو ومجموعات الجهاديين، إذ يرى أن كل المصريين بل كل المسلمين فى أنحاء العالم كفار، لأنهم يوافقون أو يتبعون رئيسًا كافرًا، وأن كل مَن شارك فى الانتخابات أو أيّدها فهو كافر، وأنه لا توجد دار إسلام فى هذا العصر، وأن اللواء مصطفى رفعت الذى كان يشرف على مبادرة الجهاديين ودائم الاتصال والتفاوض والجلوس مع سيد إمام، هذا اللواء هو ذاته كافر هو وكل زملائه من الضباط، لأنهم يحمون رئيسًا كافرًا، ومع ذلك خرج من السجن وهللت وسائل الإعلام لهذه المبادرة والمراجعات الفكرية، التى قادها فضيلته، فخرج الرجل لكونه أسهم وأسس لترشيد العمليات الجهادية ضدنا!! فاعتبرته الجهات الأمنية نصرًا مؤزرًا، فأخرجت الرجل ليدعو لأفكاره على مواقع التواصل الاجتماعى بمنتهى الحرية، فى الوقت الذى يسجن ويحبس فيه شباب خالفوا بطيشٍ قانون التظاهر، أو قالوا آراء سياسية لا تناسب المرحلة الحالية، فى دلالة واضحة على أننا بلد الحرية والديمقراطية حقًّا! ولو عايز دليل سيد إمام أمير المراجعات الفكرية الجهادية يكفر الناس ويدعو للتكفير بكل حرية على جميع مواقع التواصل الاجتماعى، عايز حاجة أكتر من كده!! إنها السياسة إذن التى جعلت عبد الله بن إباض الزعيم الخارجى، وكل زعماء وفرق الخوارج، يطلقون أحكام الكفر على الأمة، ويحسمون صراعهم معها بالسيف والقتل، حتى لو كان من يختلف معهم فى مثل ذى النورين عثمان بن عفان، رضى الله عنه، أو فى منزلة طلحة والزبير، أو فى مكانة الإمام الجليل، باب مدينة علم رسول الله، على بن أبى طالب، رضى الله عنه وأرضاه. إنها السياسة التى تحولت لدين تحت شعار حكم الله وشرع الله ودين الله، الذين هم فقط أولياؤه المتمسكون به، الداعون إليه، المحبون له، الذين يعادون ويوالون من أجله، فالدين معهم وليس مع غيرهم، وإن كان على بن أبى طالب. إنها السياسة التى تحولت دينًا وعقيدةً، والتى ما زالت تشقينا إلى اليوم، وتصر على حسم صراعها بالسيف والدم على أرض العقيدة والدين. فيا ويلَ أمتى، يا ويلها من الغافلين عن هذه الأفكار، ويرونها حرب السلاح فقط، يا ويلها ويا ويلنا من هؤلاء ومن الخارجين.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...