قصة تلاعب فقهي بين هارون الرشيد وجعفر البرمكي والقاضي أبي يوسف

على أبو الخير



قصة تلاعب فقهي بين هارون الرشيد وجعفر البرمكي والقاضي أبي يوسف



عندما نكتب عن التلاعب الفقهي عند الخلفاء والسلاطين القدامى، لا نقصد جر شكل رجال الدين، أولئك الذين عصموا الصحابة، ثم عصموا التابعين، وشملت عصمتهم كل ملوك الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وسلاطين المماليك وغير المماليك، والأدهى أن أكثر التراث الفقهي جاء من خلال سير هؤلاء المعصومين المزيفين، ثم قدَّسوا كتب التاريخ، وهنا نكتب عن حادثة فقهية تلاعب فيها خليفة ووزير وقاضٍ، كلٌّ حسب رؤيته.

 

قالوا عن هارون الرشيد إنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وهو قول باطل، لأن الرشيد حكم 23 عامًا (786– 809)، أي أنه غزا 11 غزوة، ولكنهم بالطبع لم يذكروا له إلا غزوتَين، الأولى ضد الروم، والثانية ضد رافع بن الليث وهو خارج على خلافته في خراسان، وذهب الرشيد ليحاربه، ولكنه توفى ولم يُعد، وهو تزوير تاريخي حقيقي، ولكن رجال الدين اعتمدوا على إيمان عوام المسلمين، وتقديسهم للخليفة، لمجرد أن اسمه خليفة، تمامًا مثلما نسبوا إلى الرشيد حديثه للسحابة العابرة "أمطري حيث شئت فسيأتينني خراجك"، وهي مقولة مزورة إن صحّت بالفعل، لأن الخراج المالي سيأتي الرشيد، ولن ينال الشعب من ذاك الخراج وغيره شيئًا، وفقد أُنفق المال على المغنين والخلعاء والماجنين.

 

جاءت حكايتنا في تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري، وربما أخذ منه مؤلف قصص "ألف ليلة وليلة" بمبالغات الروايات، في حكاية شهرزاد لشهريار الملك في الليلتين 336 و337 من ليالي ألف ليلة وليلة.

 

ولكننا نتوقف عند رواية الطبري، حول ما حدث بين الرشيد وجعفر البرمكي والقاضي أبي يوسف، ورغم أن الطبري أورد الحكاية دليلًا عن حكمة العلماء والشيوخ وفطنتهم، فإننا لا نجد فيها إلا تلاعبًا فقهيًّا مقيتًا، ورغبة شهوانية عند الخليفة، رغم أنه كما يقول الطبري وابن عساكر: "كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يومًا بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدًّا، وأمر بمال فنثر عليهن‏. وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم"، ورغم وجود آلاف الجواري الحسناوات، لكن شهوته للمزيد ظلت كما هي، روي الطبري في تاريخه، أن الوزير جعفر البرمكي نادم هارون الرشيد "أي شربا الخمر معًا" ذات ليلة، فقال الرشيد: يا جعفر بلغني أنك اشتريت جارية، ولي مدة أطلبها فإنها على غاية الجمال وقلبي يحبها في اشتعال، فبعها أو هبها لي فقال: لا أبيعها يا أمير المؤمنين ولا أهبها، فقال الرشيد: زبيدة طالق ثلاثًا إن لم تبعها أو تهبها لي، قال جعفر: زوجتي طالق ثلاثًا إن بعتها لك.. ثم أفاقا من نشوتهما الخمرية وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم، وعجزا عن تدبير الحيلة، فقال هارون الرشيد: هذه وقعة ليس لها غير أبي يوسف، "وأبو يوسف هو تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان ومدوّن فقهه"، فطلبوه وكان ذلك نصف الليل، فلما جاءه الرسول، قام فزعًا وقال في نفسه: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام، ثم خرج مسرعًا وركب بغلته.. فلما دخل قال له هارون الرشيد: ما طلبناك في هذا الوقت، إلا لأمر مهم هو كذا وكذا، وقد عجزنا في تدبير الحيلة فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر أسهل ما يكون ثم قال: يا جعفر بع لأمير المؤمنين نصفها وهب له نصفها وتبرآن يمينكما في بذلك، فسر أمير المؤمنين بذلك، وفعلا ما أمرهما به، ثم قال هارون الرشيد: أحضروا الجارية في هذا الوقت، فإني شديد الشوق إليها، فأحضروها، وقال للقاضي أبي يوسف أريد وطأها في هذا الوقت، فإني لا أطيق الصبر عنها إلى مضي مدة الاستبراء وما الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين، الذي لم يجر عليه العتق، فأحضروا المملوك فقال أبو يوسف: أتأذن لي أن أزوجها منه ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء؟ فأعجب هارون الرشيد ذلك أكثر من الأول. فلما حضر المملوك، قال الخليفة للقاضي: أذنت لك في العقد فأوجب القاضي النكاح ثم قبله المملوك، وبعد ذلك قال له القاضي: طلقها ولك مئة دينار فقال: لا أفعل ولم يزل يزيده وهو يمتنع إلى أن عرض عليه ألف دينار، ثم قال للقاضي: هل الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين؟ قال: بيدك قال: والله لا أفعل أبدًا، فاشتد غضب أمير المؤمنين وقال ما الحيلة يا أبا يوسف؟ قال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين لا تجزع، فإن الأمر هين، ملّك هذا المملوك للجارية قال: ملكته لها، قال القاضي: قُلي قبلت، فقالت: قبلت، فقال القاضي حكمت بينهما بالتفريق، لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح، فقام أمير المؤمنين على قدميه، وقال: مثلك من يكون قاضيًا في زماني، واستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء تضعه فيه؟ قال نعم ووضع الذهب في مخلاة بغلته، وانصرف إلى بيته، فلما أصبح الصباح، قال لأصحابه: لا طريق إلى الدين والدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث...".

 

نجد في تلك الحكاية فقهًا سياسيًّا ترفيهيًّا، يدلّ على مدى فراغ الخليفة للهو والعبث والبحث عن إشباع شهوته، ومدى ثراء الدولة في عصر هارون الرشيد، فقد كانت الدولة عالمية عظمى بمقاييس الملوك والسلاطين والطغاة، ولكنها لا تمت للدين بصلة، إلا بقدر إضفاء شرعية القداسة ومنصب ظل الله في الأرض.

 

ولنا في تلك الحكاية عبرة ورؤية، فقد شرب الوزير جعفر الخمر مع الخليفة هارون، وطلّق كلّ منهما زوجته في أثناء السُّكر، من أجل جارية جميلة، أراد الخليفة أن يشتريها ويطأها في الحال دون قضاء مدة العدة، هكذا دون حياء، أما رجل الدين الشيخ أبو يوسف، فلم يستنكر منهما شرب الخمر، ولا يمين الطلاق في حال السُّكر، ولم يستنكر خلافهما الترفيهي الدنيوي من أجل امراة، نراها حرة، ويرونها جميعًا جارية مستباحة الجسد، لا يحميها خليفة أو وزير أو قاضٍ أو رجل دين، ويزوجونها ثم يطلقونها بلعبة فقهية من مملوك، نراه هو الآخر حرًّا، ويرونه عبدًا، لا حرمة لفكره أو روحه أو ضميره، لا يحترمه خليفة أو وزير أو قاضٍ. والقاضي أبو يوسف، المفترض أنه عالم جليل، ولكنه أعطى أو باع مسألتين فقهيتين أو ثلاثًا بما ملأ المخلة بأطباق الذهب، وقال مفتخرًا لأصحابه في الصباح: إن أسهل الطريق للمال يكون عن طريق العلم، نعم هو أسهل طريق، ولكنه أخس وسيلة، خصوصًا أن أستاذ أبي يوسف ومعلمه هو أبو حنيفة النعمان، الذي مات بعد الجلد بالسياط داخل سجن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، لأنه رفض منصب قاضي القضاة، بما فيه من نعيم وأبهة وقداسة، لأنه يعلم تمامًا أن العلم خير من المال، لأن الإنسان يحرس المال، أما العلم فهو الذي يحرس الإنسان، وكما قال علي بن أبي طالب عن أمثال هؤلاء أنهم يتعلمون لغير العمل ويتفقهون لغير الله.

 

ومن غرائب منطق السلطة أن الخليفة هارون الرشيد انقلب بعدها بسنوات على جعفر البرمكي عام 187هـ، وقتله وعلَّق رأسه وجسده على جسور بغداد ثلاثة أعوام، كما قتل كل أسرة البرامكة، وصادر أموالهم وديارهم، في ما عُرف في التاريخ بنكبة البرامكة الدامية.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...