ترامب لا يدرك أن أمريكا تدفع ثمن خيانة حلفائها

ماكس بووت



ترامب لا يدرك أن أمريكا تدفع ثمن خيانة حلفائها



 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

هناك عيوب كثيرة فى سياسة ترامب الخارجية «أمريكا أولًا» غير أن أهمها هو: إذا سعت الولايات المتحدة نحو المصلحة الذاتية فقط لماذا ينبغى على الدول الأخرى مساعدتنا؟ ما الذى سيستفيدونه؟ وإذا لم تساعدنا الدول الأخرى كيف يمكننا تحقيق أهداف الأمن القومى الأساسية؟

 

كل هذه الأسئلة طرحتها تعليقات «ليست (سوبر)» لترامب فى حوار مع مارجريت برينان من «سى بى إس نيوز» يوم أحد «السوبر بول» الذى يقام فيه نهائى دورى كرة القدم الأمريكية. فقد كرر رغبة فى الانسحاب من سوريا مع الحفاظ على القوات فى العراق، إذ قال بالإشارة إلى قاعدة عين الأسد الجوية، التى زارها فى ديسمبر: «لقد أنفقنا ثروة لبناء هذه القاعدة الرائعة». ولا يبدو أنه يدرك أن الولايات المتحدة لديها قواعد أخرى فى العراق، إذ تابع: «ولعل الأجدر بنا الاحتفاظ بها. وأحد أسباب رغبتى فى الاحتفاظ بها هو أننى أريد النظر قليلًا إلى إيران، لأن إيران مشكلة حقيقية». وقالت برينان مندهشةً: «مهلًا، هذه أخبار جديدة. هل تبقى القوات فى العراق لأنك تريد أن تكون قادرًا على ضرب إيران؟». فرد ترامب: «لا، أبقيهم لأننى أريد مراقبة إيران. كل ما أريده هو أن أكون قادرًا على المراقبة».
 

حسنًا، من الجيد أن ترامب لم يقل إن القوات الأمريكية موجودة فى العراق لتقاتل إيران، ومع ذلك فقد أثار غضب العراقيين بالإشارة إلى أن الوجود العسكرى الأمريكى فى بلادهم لم يصمم لمواجهة الدولة الإسلامية بل صمم لمواجهة جارتهم القوية وشريكتهم التجارية. وتلك مشكلة خاصة للأحزاب الشيعية التى يدعمها النظام الشيعى فى طهران. إن الشيعة الوسطيين من أمثال رئيس الوزراء عادل عبد المهدى، سعداء بالوجود الأمريكى الذى يوازن القوة الإيرانية بشكل ضمنى، لكنهم لا يستطيعون تحمل الحديث عن هذا المنطق علنًا كما فعل ترامب خوفًا من رد فعل قومى عنيف. ويوم الإثنين قام الرئيس العراقى الكردى المؤيد للغرب برهم صالح، بتوبيخ ترامب، إذ قال: «لن نسمح بذلك. لا يريد العراق أن يكون جزءًا أو محورًا فى صراع بين دول متعددة».
 

لقد عرض ترامب لتوه المفاوضات لإبقاء قوة عسكرية أمريكية فى العراق للخطر، وهدَّد أمن القوات الموجودة هناك حاليًّا. ومع ذلك، وعلى الرغم من نيَّاته العدوانية ضد إيران، فإنه يسلمها ثُلث سوريا الذى لم يكن تحت سيطرة وكلائها. إنه لأمر خطير أن يكون لدينا رئيس لا يعرف عما يتحدث.
 

وسألت برينان ترامب ما الذى سيفعله إذا عادت الدولة الإسلامية مرة أخرى فى سوريا، فقال: «سنعود إذا اضطررنا إلى ذلك»، متابعًا: «لدينا طائرات سريعة جدًّا، ولدينا طائرات شحن جيدة جدًّا. نستطيع العودة بشكل سريع جدًّا». مدى سرعة الطائرات الأمريكية غير مهم، حيث إنها ستحتاج فى جميع الأحوال إلى الحصول على حق الهبوط. من الناحية العملية قدرة الولايات المتحدة على قتال الدولة الإسلامية مشروطة بدعم من العراق، والذى لن يقدمه العراقيون لو شكوا فى أن الأمريكيين يسعون نحو أجندتهم الخاصة ضد إيران، إضافةً إلى ذلك، إذا لم ترسل الولايات المتحدة جيشها الخاص إلى سوريا ستحتاج إلى حلفاء فاعلين على الأرض لمقاتلة الدولة الإسلامية، وهؤلاء الحلفاء موجودون الآن فى صيغة قوات سوريا الديمقراطية، لكنهم قد لا يصمدون ما بعد التخلى الأمريكى، أو قد لا يكونون مستعدين للمخاطرة بحياتهم مستقبلًا فى القتال إلى جوار الأمريكيين.
 

والدرس نفسه منطبق على أفغانستان، حيث يحرص ترامب على سحب القوات الأمريكية من خلال الحصول على موافقة غير قابلة للتنفيذ من تنظيم طالبان بأنه لن يستضيف جماعات إرهابية دولية. ولعله يتصور أنه لو أصبحت أفغانستان ملاذًا للإرهابيين مرة أخرى سيكون الأمر ببساطة إرسال «طائرات سريعة جدًّا». ولكن لماذا يكون الأفغانيون مستعدين للقتال جنبًا إلى جنب الأمريكيين ضد جماعات إرهابية مثل القاعدة والتى تهددنا بشكل رئيسى لو لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الأفغانيين ضد جماعات إرهابية مثل طالبان التى تهددهم بشكل رئيسى؟
 

وعلى أية حال، قد لا يكون الأفغانيون الوسطيون فى موقع يستطيعون مساعدتنا من خلاله، لأن الانسحاب الأمريكى قد يتسبب فى تفكيك الجيش الأفغانى المدعوم من الولايات المتحدة ومن بعده تفكيك الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة. بل إن هذا هو ما يتوقع حدوثه كبير مفاوضى السلام الخاص بـ«طالبان» شير محمد عباس ستانكزى، إذ قال فى مقابلة مسجلة: «هذه القوة وهذا الجيش من صناعة الأمريكيين»، متابعًا: «عندما يرحل الأمريكيون سينتهى ذلك بطبيعة الحال». وإذا لم يستطع الجيش الأفغانى الحفاظ على جانب من الاستقرار إما سيستولى تنظيم طالبان على أفغانستان أو ستنزلق البلاد نحو حرب أهلية. وفى كلتا الحالتَين سيكون على الولايات المتحدة منع عودة أفغانستان إلى ما كانت عليه من ملاذ للإرهابين ما قبل أحداث 11 سبتمبر.
 

لا تستطيع الضربات الجوية أو الصاروخية طويلة المدى اقتلاع حركة إرهابية متجذرة كما أدرك الرئيس بيل كلينتون عندما هاجم معسكرات القاعدة بصواريخ «كروز» عام 1998. يحتاج قتال الإرهابيين بفاعلية إلى وجود مستمر، وإن كان بسيطًا، لقوات وعملاء استخبارات على الأرض. ولدينا هذا الآن فى كل من أفغانستان وسوريا. ولكن إذا تخلينا عن حلفائنا، الأمر الذى يبدو ترامب متلهفًا له، لن يقاتلوا من أجلنا فى المستقبل كما يبدو أنه يتوقع على نحو غير منطقى.
 

..
 

ماكس بووت
مؤلف ومستشار ومحرر ومحاضر ومؤرخ عسكرى أمريكى الجنسية روسى المولد. زميل دراسات الأمن القومى فى مجلس العلاقات الخارجية. عمل فى التسعينيات كاتبًا ومحررًا فى «كريستيان ساينس مونيتور» ثم فى «وول ستريت جورنال».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...