الفقهاء اعتبروا العُرف الجاهلى سُنّة نبوية!

عصام الزهيري



الفقهاء اعتبروا العُرف الجاهلى سُنّة نبوية!



من العجيب -بل ومن المذهل- أن يظل الأصوليون حتى هذه اللحظة متمسكين بفرضية غريبة ثبت من صحيح العلم ومن صحيح التاريخ أنها فرضية وهمية مكذوبة، وهى الفرضية التى تدَّعى أن أحكام الدين التشريعية التنظيمية الجزئية الخاصة بضروب وأبواب المعاملات هى أحكام إلهية مفروضة ثابتة متخطية للزمان والمكان، والتعامل معها كما لو كانت نواميس إلهية وقوانين مقدسة وليست تشريعات اجتماعية تتعامل مع تفاعلات محدودة بحدود زمانها ومكانها، ومصدرها الوحيد المعروف هو العرف الاجتماعى الذى كان سائدًا فى زمانها وزمان الوحى. ومهما تعددت الشواهد من الواقع والتاريخ -بل ومن النص القرآنى نفسه- على خطأ وخلط وخطل هذه الفكرة، يجد العقل الأصولى نفسه مضطرًّا إلى التمسك بهذا التصور الواهى، مدفوعًا بميول السلطة وامتيازات الحكم وشهوات الاستحواذ ورغبات الوصاية وأوهام امتلاك الحقائق المطلقة.

من أكثر الشواهد بديهية من تاريخ الناس ومن تاريخ الدين نفسه على أن الأحكام التشريعية فى القرآن الكريم هى محض أحكام تنظيمية مؤقتة خاضعة لتبدل وتغيُّر الأوضاع التى شُرعت من أجلها، هو أن هذه الأحكام تعرضت للنسخ عدة مرات: مرة بطريق القرآن والوحى ذاته، وأشهر أمثلتها تغيير القبلة والقتال فى الأشهر الحرم وأحكام الخمر التدريجية والزنى والتبنى وغيرها، ومرة بطريق النبى مثل زواج المتعة الذى شرع مرتين وحُرّم مرتين حسب روايات الحديث، ومرة بطريق الصحابة ومثالها الشهير الأحكام العمرية الخاصة بتعطيل حدود وأحكام توزيع أراضى البلدان المفتوحة والسرقة وغيرها، ومرة بطريق الفقه عبر استنباط أحكام لم ترد فى القرآن وعزوها للعرف الذى عُرّف هذه المرة بوصفه سنّة عن النبى مثل أحكام الرجم والردة والقسامة وغيرها، ومرات بطريق قوانين التطور الاجتماعى وهو ما حدث بتعطيل أحكام الرق بنهايته وتعطيل أحكام الجزية بظهور دول المواطنة وتعطيل أحكام مثل الحرابة والقسامة والغنائم وقطع يد السارق وغيرها.
الشاهد الأهم من ذلك فى هذا السياق هو أن القرآن كما يفهم المسلم من مضمونه وتلاوته هو كتاب وحى لا كتاب تشريع قانونى، إذ لا تمثل أحكام التشريع فيه غير نسبة ضئيلة من مجمل آياته، ولا يرد به بخصوص باب كامل مثل الأحكام العقابية غير حدود محدودة لا تتجاوز الخمسة تتصل بجرائم معينة، وكان يحال فيها كلها إلى العرف القانونى السائد بين قبائل الجزيرة ويتجادل معه، مرات بالإقرار كما حدث فى أحكام القصاص «الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى»، ومرات بالتعديل «كما وقع فى أحكام المواريث وفى حكم الغنيمة الذى خصص للنبى الخمس فيها بدلًا من الربع الذى كان مخصصًا لرئيس القبيلة»، ومرة بالإلغاء كما حدث مع ممارسات الكهانة ووأد البنات وغيرهما. وهو ما يحيل إلى حقيقة مهمة هى أنه لو كان الإسلام نزل فى بيئة اجتماعية وثقافية مختلفة «الصين مثلًا أو الهند أو إفريقيا الشمالية أو الجنوبية» لكنا اليوم بصدد أحكام مختلفة ووقائع أخرى وسياقات ومعطيات مغايرة. كما يؤكد حقيقة أهم هى أن قاعدة التشريع القرآنى قامت على أن ما سكت عنه الوحى من أعراف تشريعية كانت سائدة فى الجزيرة فى أزمان الجاهلية ظل ساريًا فى الإسلام بلا تعديل، وهو ما يظهر من قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم» «المائدة: 101»، وهى الآية التى قال بعض المفسرين إنها نزلت فى شأن أناس سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى، وهو ما اختلط من ثَمَّ على الفقهاء فاعتبروا هذه الأعراف التى أقرها القرآن -ككتاب للوحى لا للتشريع القانونى- «سنّة» نسبوها إلى النبى وليس لواقعها الحقيقى كأعراف وقوانين قبائل الجزيرة الموروثة من الجاهلية إبان فترة نزول الوحى.
الحقيقة الأخرى المهمة التى تبرزها كتب التفسير والحديث ويود هذا المقال تكثيف الضوء على شواهدها ودلالتها هى أن آيات التشريع فى القرآن لم تعرف خلال المرحلة المكية، وهى مرحلة الدعوة إلى دين الإسلام، ولكن نزلت بعد الهجرة إلى المدينة وظهور قوام للجماعة المسلمة لأول مرة فى التاريخ، مما اتسع على أثره الجدل والاحتكاك بينها وبين غيرها من جماعات وقبائل محيطها الاجتماعى، وهو ما جعل من نزول آيات التشريع تلبيةً لحاجة زمنية طارئة يجسمها اقتران آيات التشريع العقابى فى القرآن بأسباب النزول، مما يعنى أن التشريع فى هذه الحالة كان مرهونًا بالبت فى مشكلات تنجم عن الاحتكاك اليومى للجماعة المسلمة بكيانات المحيط، ولم يكن من ثم مقصودًا لذاته وإلا كان تنزّل مجمعًا وكليًّا ومفصلًا لسائر الحالات «والجرائم المختلفة بالذات فى حالة التشريع العقابى» أسوة بما اصطلح عليه فى لوائح التشريع القانونى منذ قوانين حمورابى إلى أيامنا.
من أكثر الشواهد دلالة على ظروف التشريع فى المرحلة المدنية واعتداد القرآن فى تنزيله ثم اعتداد النبى فى أحكامه بقواعد العرف القانونى الموروث، كانت حادثة رجم زانيين يهوديين وردت بكثير من مصادر التفسير والحديث والسيرة، ونصها فى صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة فى الزنى، حديث رقم 1699: «عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله أتى بيهودى ويهودية قد زنيا فانطلق رسول الله حتى جاء يهود فقال ما تجدون فى التوراة على مَن زنى قالوا نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين فجاؤوا بها فقرؤوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذى يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله مرة فليرفع يده فرفعها فإذا تحتها آية الرجم فأمر بهما رسول الله فرجما قال عبد الله بن عمر كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه».
والذى يتضح من الحديث حرص النبى على تعرّف الحكم العرفى بين اليهود باعتباره ملزمًا لهم فى خصوص عقوبة على جريمة اقترفت بينهم، وهو ما يحيل لقوله تعالى: «ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا» «المائدة: 48». ويقول الطبرى فى تفسيره إن المفسرين اختلفوا بشأن الآية على قولَين: «فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الملل المختلفة، أى: أن الله جعل لكل ملة شريعة ومنهاجًا.. وقال آخرون: بل عنى بذلك أمة محمد وقالوا إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذى أنزلناه إلى نبينا محمد أيها الناس لكلكم أى لكل من دخل فى الإسلام وأقر بمحمد أنه لى نبى شرعة ومنهاجًا». والبادى أن القول الثانى الذى يخصص الآية بأمة محمد أمعن فى التعمّل والتعصى على الظاهر اللفظى القاطع فى الآية، وهو ما جعل الطبرى يجزم بأن: «أولى القولين فى ذلك عندى بالصواب قول من قال: معناه لكل أهل ملة منكم أيها الأمم جعلنا شرعة ومنهاجًا».
ورغم أن المأثور الذى يسوقه الطبرى ليدعم به الرأى الأول يدور كله حول شرائع التوراة والإنجيل والقرآن حصرًا دون بقية أمم الأرض من غير اليهود والمسيحيين والمسلمين، ومع مراعاة أن الإنجيل ليس كتاب تشريع بالمعنى القانونى والتشريعى العقابى من الأساس، وهو ما يبدو فى قول قتادة: «للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللقرآن شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء بلاء ليعلم مَن يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذى لا يقبل غيره: التوحيد والإخلاص لله الذى جاءت به الرسل»، إلا أن هذا القول -ومعه الآية الكريمة- يتضمن فى حد ذاته تفرقة ضرورية بين الدين والتشريع، أو بين التشريع فى المجال العقائدى والروحانى بوصفه الدين الإلهى الثابت المطلق وبين التشريع فى المجال الاجتماعى والمعاملاتى بوصفه العرف الزمنى النسبى المتغير.
غير أن الفقهاء المسلمين لم يلتفتوا خلال انغماسهم فى تأسيس «علوم تشريعية كلية إلهية مطلقة» لكل هذه الحقائق البديهية، ونسوا أن الوضع البشرى المتغير داخل حيز اجتماعى متحرك، والعقل البشرى النسبى كله تبعًا لذلك، لابد أن يستعصى استعصاء نهائيًّا على حيازة المطلق الإلهى ودركه وتحصيله. وهو ما جعل الفقه الإسلامى يتوسع فى إسباغ القداسة الإلهية على أعراف وتشريعات مجتمعية سابقة على الإسلام، فلا يكتفى بتلك الأعراف التى أقرها القرآن، ولا بتلك التى سكت عنها واعتبرت سنّة، بل تجاوز ذلك إلى الغرق فى سلفية معمدة بالقداسة المتوهمة باعتبار «شرع من قبلنا شرع لنا»، وهو ما يفسِّر لنا وجود حكم تشريعى فى الفقه مثل رجم الزانى، رغم أنه لم يرد فى القرآن، ولم تجر به قواعد العرف القبلى الموروث إبان الوحى، وجرى اشتقاقه مباشرة من الأعراف والتشريعات التوراتية، واستخدمت لذلك مرويات مثل تلك التى أوردها «مسلم» فى صحيحه، استخدمت ليس فى الاستدلال بها فى محلها على التعدُّد والاختلاف التشريعى باختلاف المجتمعات والعصور والأعراف، ولكن فى الاستدلال على ثبات وقداسة أحكام العرف التشريعى السابقة، وتحويل هذه الأحكام التنظيمية المؤقتة إلى مطلق إلهى وثابت دينى يتميز بالجمود ورفض الملاءمة، ومن ثم بالاستعصاء على تلبية حاجات التغير الاجتماعى والترقى الخلقى والحضارى الطبيعى.

هامش
البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى
قال ابن إسحاق فأما البحيرة فهى بنت السائبة، والسائبة‏‏‏:‏‏‏ الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر سيبت فلم يركب ظهرها، ‏‏والوصيلة‏‏‏:‏‏‏ الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات فى خمسة أبطن ليس بينهن ذكر جعلت وصيلة، والحامى:‏‏‏ الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره فلم يركب‏‏‏.‏‏

 



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.