‫كبرى المعارك‬

مى سعيد



‫كبرى المعارك‬



أهمس للورق «أنا لا أحب المعارك» رغم أننى أحترفها أو هكذا أزعم، لكن الحقيقة هى أننى أكره المعارك الكاذبة الملفقة وأمتعض من المدعين الذين يمارسونها كالطواويس، وفى الوقت ذاته أكره هؤلاء الجبناء الذين يخفون فى حشاهم الحقيقة أو حتى بعضًا منها كالنعام، فهل كل دين يمتلك مهارة غواية تاريخه مثلما نمتلك نحن أم أن شبق الصراع والمعارك الأيديولوجية كان المحرك الأساسى لكل شىء منذ البدء. أسافر فى كتب التراث متجردة من كل شىء سوى قلمى، أقرأ: «حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثنى ابن وهب، قال: أخبرنى يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: لما اشتد بالنبى، صلى الله عليه وسلم، وجعه قال: ائتونى بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبى، صلى الله عليه وسلم، غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال النبى: قوموا عنى، ولا ينبغى عندى التنازع، فخرج ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبين كتابه». انتهت الرواية «صحيح البخارى رقم 114».

 

مثل تلك الرواية يبدو وكأنه كبرى المعارك، لو صحَّت وحدثت كما يقولون لكانت نهايةً لكثير وبدايةً لما هو أكثر، فلابد لمَن وضع هذه الرواية من هدف، هل غُسلت آخر وصايا الرسول بجملة قالها عمر بن الخطاب حالت بيننا وبين وصية يوصى بها؟ أم أن أيديولوجية أخرى اختلقت هذه الرواية كنوع من تفتيت الالتفاف حول عمر بن الخطاب لاحقًا بالإضافة إلى محاولة واضحة لدعم عبد الله بن عباس؟ لا ندرى، والحقيقة تكمن فى كون مثل هذه الرواية صحيحة، فلو اعتبرها أهل الحديث ضعيفة لما كنت تقرأ هذا المقال الآن عزيزى القارئ، ولكنك بين هذه السطور لأن هذه الرواية صحيحة بمقاييس أهل الحديث ولها الكثير من التبريرات الساذجة التى يطلقونها إذا ما سألتهم، ولعل أكثرها سذاجةً على الإطلاق كان ما قرأته مؤخرًا فى موقع «ملتقى أهل الحديث» بعد أن أرسل أحد المهتمين بهذه الرواية الكارثية يستوضح كيف حدثت؟

 

بدا لى سؤاله محملًا بمزيد من الأسئلة: هل الرواية منكرة؟ ولو كانت منكرة فلماذا نصادفها ونتعثر بها فتتكسر ثقتنا فى الكثير من الأشياء؟ وإن كانت مثبتة ما تبريرها يا تُرى؟ هل حدثت؟ هل منع عمر بن الخطاب نبى الله من كتابة آخر وصاياه؟ هل تشاجر الصحابة حول فراش النبى؟ هل هذا هو مشهد النهاية قبل موت الرسول، عليه الصلاة والسلام، شجار حول فراشه ووصية مُنع من كتابتها لا نعرفها أبدًا؟
 

وجاء الكثير من الردود، لكن هذا ما استوقفنى حقًّا: يُحتمل أن تكون هذه الرواية صدرت عن قائلها عن دهشة وحيرة أصابته (يقصد سيدنا عمر بن الخطاب) فى ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبى، صلى الله عليه وسلم، انتهى الرد.
 

جرعة سذاجة هائلة لابد أنها نزلت على السائل كزخات مطر بلَّلت عقله بالمزيد من الأسئلة، ولو أن تحليل الرواية فى ذاتها مهم إلا أن تحليل ذهنية مَن يصدقون مثل هذه الروايات والأحاديث المخالفة للعقل والفطرة أهم بكثير فى حقيقة الأمر، لأننى لا أظن أن الروايات والأحاديث المخالفة للنص القرآنى والفطرة الإنسانية كانت ستبقى على قداستها تلك لولا هؤلاء الذين يجيدون تعريض عقولهم للتنويم بكامل إرادتهم، حتى إذا ما جاءهم سائل دافعوا عن أفكارهم بسذاجة مدهشة جدًّا، ظنًّا منهم أن إجاباتهم تبهت السائلين.. لنا الله.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.