ابن المقفع.. عندما تقتل السياسة صاحبها!




 ابن المقفع.. عندما تقتل السياسة صاحبها!



يظل الكاتب والمترجم ابن المقفع شخصية تاريخـية جدلية بامتياز؛ ذلك أن المعلومات عنه، والأخبار التى تناولت حياته القصيرة، جد قليلة، ملتبسة، يكتنفها غموض قصور الحكام، ومؤامرات دهاليز الوشاة، وتهاون المؤرخين الكلاسيكيين، بل المحدثين فى التثبت من الأخبار، وتدقيق وتحليل الأحداث والنقول، وتفكيكها لإعادة تجميعها قائمة على أسس علمية تاريخية صحيحة، وهو ما نعانى منه، كباحثين، الآن، لذلك نحاول قراءة ما بين السطور، واستكناه الحوادث، وقراءة آثار الرجل لنخرج بنتائج موضوعية تتفق مع مناهج البحث العلمى الصحيح.

 

وسيرة ابن المقفع فى التراث الإسلامى تعكس عنصرية واضحة إزاء الجنس الفارسى، وتشى بأن جل المؤرخين، الذين تناولوا نتفًا من حياته، قد بالغوا فى إسباغ البعد الطائفى والعرقى والدينى على سيرته، خصوصًا أنهم نظروا إليه إما كعابد سابق للنار، وإما كمعتنق للعقيدة المانوية الفارسية.

يقول غالب هلسا، الأديب الأردنى الراحل، فى كتابه «الهاربون من الحرية»: «أن تصاغ كل مطالب ابن المقفع وكتابته فى إطار التعصب الفارسى أو الزندقة، فإن سوء النية الذى تمليه الأرستقراطية العربية يبدو واضحًا، وقد كان حلم ابن المقفع أن يكون بيدبا لدبشليم، ولم يكن يعلم أن الحكم المطلق عبارة عن مجموعة من المصالح، والويل لمن يمسها»، ومما يؤسَف له أن كثيرًا من المؤرخين المحدثين، والمحققين المعاصرين تابعوهم فى تلك التهم تساهلا دون تدقيق، فجاؤوا ببيتين من الشعر منسوبين للأحوص بن محمد الأنصارى، وهما:

يا بيت عاتكة الذى أتعزَّل... حذر العِدى وبه الفؤاد مُوكلُ

إنى لأمنحكَ الصدود وإننى قسمًا... إليك مع الصدود لأميلُ

فقيل: إن ابن المقفع قد قالهما -حنينًا وشوقًا- عندما مر ببيت من بيوت نار المجوس، وهو ما يدل على أنه لم يفارق عقيدته السالفة قط، وأنه إنما أظهر الإسلام وأبطن الكفر كما يفعل الزنادقة!! [أمالى المرتضى: 1/ 135]، وفات هؤلاء الناقلون بلا تدقيق أو تحقيق أن ابن المقفع، قبل اعتناقه الإسلام، كان على مذهب مانى، وبيت النار معبد لمعتنقى مذهب زرادشت، لا لمعتنقى مانى، بما يجعل من القصة السالفة أنموذجًا للخبط والانتحال، كما فات منتحل تلك القصة أن ابن المقفع لم يكن بتلك السذاجة المفرطة التى تجعله ينشد بيتين للأحوص نهارًا جهارًا، فيعرض نفسه للخطر المحقق لا شك، خصوصًا أن الحاقدين عليه كثرٌ، والمتربصين به يكادون يراقبون حركاته وسكناته، وبذا تندفع شبهة تعظيم ابن المقفع وحنينه إلى النار، كما سيدل على ذلك أيضًا تحليلنا لخبر إسلامه الذى سنتناوله فى حينه.

 

وُلد لأبوين فارسيين، ويبدو أن بيئته كانت أرستقراطية بعض الشىء، فأبوه «داذويه» كان من موظفى ديوان الخراج فى الدولة الأموية، وربما كان يحظى بمكانة وتبجيل، والمقفَّع «بتشديد الفاء وفتحها» على وزن اسم المفعول، لقب له؛ لأنه كان قد ولى ديـوانًا للخراج فـى إمارة والى «العراق وفارس» الحجاج بن يوسف الثقفى؛ فسرق مالا؛ فضرب ضربًا مبرحًا تقفعت يداه منه؛ أى تشنجت؛ فلقب «المقفع»، لا كما يروى ابن خلكان من أن كنيته بابن المقفع نسبة إلى بيع القفاع، وهي من الجريد كالزنبيل بلا آذان، ويبدو أن تلك الحادثة قد أثرت فى تكوين أبيه، لذلك لم يسلم، وبقى مجوسيًّا مانويًّا، غير أنه اهتم بتعليم ابنه حتى يحوز مكانة مناسبة فى الدولة الإسلامية، ويفوق العرب فى دواوين الدولة، لأنه يجمع بين اللغتين الفارسية والعربية.

 

ونشأ ابن المقفع محبًّا لطلب العلم مجالسًا للشعراء والأدباء، وكان قد انتقل من قرية «جور» الفارسية/ الإيرانية إلى مدينة البصرة، ولما يـزل فى الخامسة عشرة من سنيه؛ فإذا كان ميلاده -على التقريب- عام 80هـ، فإن انتقاله ذلك كان فى العام 95هـ، وكان يعتنق مذهب مانى، وفى البصرة عرف ابن المقفع عند العلماء والأدباء، وطارت شهرته إلى الوزراء والأمراء، وأخذ يعمل فى دواوينهم، وكانت له صلة وثيقة بمجالسهم وأنديتهم، وكان عبد الحميد الكاتب من أقرب الناس إليه وأكثرهم صداقة له، وقد بلغ هذا الأخير غاية النفوذ فى الدولة الأموية فى عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية، وقد كان من الأسباب الرئيسة التى ساعدت ابن المقفع فى حياته، كما عرف فى العصر العباسى عند أعمام الخليفة المنصور، خصوصًا سليمان بن على، وإسماعيل بن على، وعيسى بن على، لأنه اتصل بهم وخالطهم، وهو كما ترى، عزيزى القارئ، اتصال بعيد عن دار الخلافة، فهو كان حريصًا على الاتصال بذوى الجاه والمكانة والأرستقراطية بعيدًا عن دار الخلافة ورجالاتها ومؤامراتها المختلفة، إنه كان يروم الاتصال بعمومة الخليفة ليحظى بالحياة الأرستقراطية التى اعتادها، كما حرص أيضًا أن يكون بالقرب منهم ليعرف سياسة الدولة ونظام الحكم عن قرب، ولعل ذلك يكون مدخلاً مباشرًا لتأليفه كتاب «رسالة الصحابة»، الذى يعتبر مانيفستو للإصلاح السياسى فى جهاز الدولة العباسية، ومحاولة نقد لسياساتها تصريحًا وتلميحًا.

 

أما عن قصة إسلامه، فلم تسلَم هى الأخرى من قدْح المؤرخين، ومن لفَّ لفهم؛ إذ لما أراد الله الإسلام، جعله يمشى فـى طريق ضيقة من طرقات الأهواز، فتناهى إلى سمعه وفؤاده صوت مرتفع لصبى صغير يتلو قوله تعالى: «ألم نجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا وخلقناكم أزواجًا وجعلنا نومكم سباتًا» [النبأ: ٦ـ ٩]، فوقف منصتًا حتى أتم الطفل تلاوة السـورة؛ فقال فـى نفسه: «الحق أنه ليس هذا بكلام بشر»، ثم ذهب إلى عيسى بن على، وقال له: «قد دخل الإسلام فـى قلبى، وأريد أن أسلم على يدك».

فأجابه عيسى: «ليكن ذلك بمحضر من القواد، ووجوه الناس؛ فإذا كان الغد فاحضر».

ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجـلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس؛ فقال له عيسى: «أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟!» فقال: «أكره أن أبيتَ على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده»، ومن ثم اختص به كاتبًا؛ ثم آثر به أخاه سليمان فـى البصرة، ومن ثم انتقل عيسى إلى كنف أخيه فـى البصرة نحو سنة «١٣٥هـ».

وهى رواية توحى صراحة بصدق إسلامه، لا كما اتخذها كثير من المؤرخين سبيلا إلى الطعن فيه واتهامه برقة الدين. وهذا التحليل، مع ما سبق من تحليلنا لقصة حنينه إلى بيت النار، يدفع عن ابن المقفع كل شبهة اتهام بالزندقة وإبطانِ المجوسية وإظهار الإسلام، خصوصًا إذا عرفنا أنه ما اعتنق الإسلام إلا وهو فى السابعة والعشرين من سنيه، بما يعنى أنه ليس من اليسير أن يتخلى دفعة واحدة عن كل ما كان يؤمن به ويفكر فيه. كما لا يمكن أن تختفى ثقافته الفارسية ومخزونه العقائدى منها مرة واحدة، فلا تبين فى كتاباته وترجماته، ولعل ذلك هو ما دفع المرحوم شوقى ضيف إلى الادعاء بأن ابن المقفع كان زنديقًا، كاتبًا للفرس!!

 

وقد شاع اتهام ابن المقفع بالزندقة عند جُل المؤرخين القدماء، كأبى الفرج الأصفهانى، الذى قلده البيرونى وعبد القادر البغدادى، ثم تلقفها منهم المحدثون، ونقلوا دون تحليل ولو بسيط للنصوص، مثل: عبد الرحمن بدوى، وعبد اللطيف حمزة، وشوقى ضيف، وغيرهم

 

(وفيات الأعيان «ابن خلكان»: 2/151، تاريخ الأدب العربى «فروخ»: 2/51، الفن ومذاهبه فى النثر العربى «ضيف»: 110، ابن المقفع «حسين جمعة» بحث فى مجلة ثقافتنا).

 

وتنقل كتب التاريخ أن «المنصور غضب على ابن المقفع، فكتب إلى نائبه سفيان بن معاوية هذا أن يقتله، فأخذه فأحمى له تنورًا وجعل يقطعه إرْبًا إرْبًا ويلقيه فى ذلك التنور، حتى حرقه كله، وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق»، وكان يقول وهو يحرقه: ليس علىَّ فى المثلة بك حرج لأنك زنديق وقد أفسدت الناس!!، أما عن سبب غضب المنصور منه، وحنقه عليه، لدرجة أن يأمر بقتله تلك القتلة الشنيعة أن عبد الله بن على قد خرج على ابن أخيه المنصور وطلب الخلافة لنفسه، فأرسل إليه المنصور جيشًا بقيادة أبى مسلم الخراسانى، فانتصر أبو مسلم عليه. وهرب عبد الله بن على إلى أخويه سليمان وعيسى، واستتر عندهما خوفًا على نفسه من المنصور، فتوسطا له عند المنصور ليرضى عنه، فقبل شفاعتهما، واتفقوا على أن يكتب له أمانًا من المنصور، فكتب ابن المقفع الأمان، وشدد فيه حتى قال فى جملة فصوله:  «ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن على، فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حل من بيعته».

وكان ابن المقفع يتنوق فى الشروط، فلما وقف عليه المنصور عظُم ذلك عليه، وقال: من كتب هذا فقالوا له: رجـل يقال له عبد الله ابن المقفع يكتب لأعمامك، فكتب إلى سفيان مُتولِّى البصرة يأمره بقتله!!

 

 (البداية والنهاية لابن كثير: 10/96، وفيات الأعيان: 2/151).

 

 تلك كانت نهاية ابن المقفع، وهى نهاية صادفه فيها سوء حظ، جعله يشتبك فى علاقة داخلية بين الخليفة المنصور وأعمامه، حتى كانت نهايته قتلا وتمثيلا بتلك الصورة البالغة البشاعة، ولعلك تلحظ من خلال النص السابق أن التهمة التى كانت ماثلة أمام الناس هى تهمة الزندقة، لا لشىء، إلا لأن ابن المقفع كان من أصول فارسية، ولم يكن قد مضى على إسلامه نحو عشر سنين؛ إذ مات فى السادسة والثلاثين، تقريبًا، من سنيه.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...