الأصولية عزاء وهمى للتخلف وبديل مضاد للتحضر

عصام الزهيري



الأصولية عزاء وهمى للتخلف وبديل مضاد للتحضر



يقول مفكر العنصرية التكفيرية الإخوانى «سيد قطب»: «الإسلام يميز الأمة المسلمة بخصائصها، ويحرم عليها الاندماج فى الأمم التى لا تدين بنظامها الاجتماعى وعقيدتها الإسلامية.. الإسلام ينوط بالأمة المسلمة مهمة هائلة؛ مهمة الوصاية على البشرية».

 

وبعيدا عما فى هذه الكلمات من علامات مرضية عقلية ظاهرة، إلا أن الشعور بالوصاية على البشرية هو ما يمكن اعتباره وظيفة اجتماعية للأصولية السياسية بوصفها مشروعا شاملا للتخلف، فهى تقدم للمجتمع المتخلف عزاء وهميا عن تخلفه، لتعيد إنتاج العبارة الماركسية الشهيرة «الدين أفيون الشعوب»، بأسوأ كثير من كل ما تخيله «ماركس» نفسه الذى أعلن احترامه الأديان عندما لا تكون عرضة لتأبيد أوضاع التخلف والاستغلال.

 

 تقوم الأصولية السياسية –ابتداء- بصياغة مفهوم مزيف للتقدم والتخلف، لا يصبح بمقتضاه التحديث الشامل للمجتمع فى كل مجالاته ومناحى حياته هو المعيار فى الحكم على تقدم وتخلف المجتمعات، بل يصير التخلف نفسه بكل أشكاله وأدواته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية «الحضارية»، فى عرف العقل الأصولى، نعمة من نعم الله على عباده فى ظل إنعامه عليهم بتقدم من نوع آخر مختلف هو «التقدم فى العقيدة».

 

وقد يظن البعض أن هناك مبالغة ما فى الأفكار السابقة، لكن ينفى ذلك أن التصور المرتبط بنعمة التخلف فى ظل نعمة العقيدة، أو بنقمة التقدم -على الجانب الآخر- فى ظل نقمة العقيدة، هى الفكرة المنطقية التالية مباشرة والمترتبة على ترويج وهم أن حضارة الغرب حضارة مادية متحللة ولا أخلاقية بلا أى بعد روحى أو وجدانى. وهو وهم تعتمد الأصولية السياسية على ترويجه كمرتكز من مرتكزات تقديم نفسها كبديل عالمى للتقدم الحضارى.

وإن كان يستحيل على العقل السوى تصوره، فضلا عن تصديقه، فى ظل غزارة الإنتاج الثقافى والفكرى والدينى والفلسفى والفنى الرفيع للحضارة الغربية.

لكن متى كان يمكن للعقل الأصولى أن يستبدل الغرق فى أوهامه المخدرة برؤية الواقع؟ عموما ما يترتب على رواج خرافة أن الحضارة وهم وخواء وتحلل هو أن يصير التقدم تخلفا والتخلف تقدما.

أو بمعنى آخر تصبح حضارة الغربيين -وهم عبيد المادة المسخرين- مسخرة لنا نحن السادة الروحيون. وهو تصور عجيب سبق أن عبر عنه بوضوح عدد من مشاهير الأصوليين، فى مقدمتهم الشيخ «محمد متولى الشعراوى» الذى تحدث بوضوح عن تسخير الخالق لتقدم الغرب من أجل رفاهية المسلمين.

وهو ما نظّر لخلفياته الفكرية من قبل «سيد قطب» بشمول:

«فأما حين تكون المادة -فى أى صورة- هى القيمة العليا.. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعا متخلفا أو بالمصطلح الإسلامى مجتمعا جاهليا!».

 

والمجتمع «المتخلف» فى العقل الأصولى - أو الجاهلى كما يسميه سيد قطب - ليس مجتمع «عبادة المادة» بتعبيره فقط. بل يظل أيضا مجتمعا متخلفا جاهليا حتى لو كان يؤمن بالله، ويفرده سبحانه بالعبادة.

إذ يبتكر العقل الأصولى المظلم معيارا جديدا لما بعد عبادة الله، يقترن بها ولا تصح العبادة إلا به، ألا وهو «الإخلاص فى عبادة الله».

وهو معيار مطاطى يتسع للنفى والإثبات بحسب ما تسمح رغبة أو مصلحة أو وجهة نظر الجماعة الأصولية فى ذلك. وبالطبع سوف يتجرد كل مجتمع سوى مجتمع الأصولية الظلامى من هذا الإخلاص المفترض أو الافتراضى فى العبادة، والذى يتضمن نفيه وإثباته والبحث عنه تنبيشا كهنوتيا فى الضمائر، ولنكمل مع سيد قطب إذ يقول:

 

«المجتمع الجاهلى هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم، وإذا أردنا التحديد الموضوعى قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده.. وبهذا التعريف الموضوعى تدخل فى إطار المجتمع الجاهلى جميع المجتمعات القائمة اليوم فى الأرض فعلا.. المجتمعات الشيوعية.. والوثنية.. واليهودية والنصرانية».

 

ونعم التعاريف الموضوعية! به تدخل فى حيز المجتمعات الجاهلية كذلك المجتمعات الإسلامية المعاصرة كلها مما لا تنطبق عليها تصورات الأصولية أو فهمها الرجعى المنحرف لماهية «شرع الله».

وبناء عليه تظل كل مجتمعات الدنيا مادية متخلفة حتى لو كانت مجتمعات أهل كتاب، يهودية أو مسيحية، وحتى لو أعلنت هذه المجتمعات - جدلا – إسلامها بعيدا عن مفهوم الجماعة الأصولية للإسلام ورؤيتها الشرع، فهى فى كل الأحوال ستظل تفتقر إلى إخلاص العبادة لله على الطريقة الأصولية.

 

على ذلك لا تطرح الأصولية مشروعها للتخلف على المجتمع من أجل تكريسه وضمان استمراره فقط، بل وتعمل بكل ما فى وسعها على تخدير عصب المجتمع الحى الطامح للتقدم والتحديث والأخذ بنصيبه من التحضر، وهو التحضر الذى كان لمجتمعاتنا العربية ذات يوم فضل كبير فى صنعه وحفظه وحمل مشعله ونشره فى الخافقين.

لكن بدون تشويه كل معيار حقيقى أو مفهوم واقعى صلب للتقدم والتحضر لن تضمن الأصولية القضاء على ما يتهدد وجودها وتمددها.

 

من هذه الجهة يبدو المشروع الأصولى كله نتاج حقد على تقدم الغرب وتفوقه الحضارى وسبقه لنا بقرون فى مضمار العلم والتحضر. ولأن تصورات هذا المشروع الظلامى لا تنطوى على أى أبعاد علمية أو أطروحات واقعية خاصة بسبل اللحاق بتقدم الغرب وحضارته فإنه يلجأ إلى حيلة هروب نفسية ساذجة تحاول التمويه علينا بقداسة الإسلام وآيات القرآن الكريم.

والحيلة تبدأ من نقطة إنكار كل ما تتضمنه الحضارة الغربية من قيم إنسانية، سواء كانت دينية أو أخلاقية أو اجتماعية أو أسرية.. إلخ.

ليضمر العقل الأصولى افتراضا عجيبا هو أن كل من يعيشون فى بلاد الغرب آلات معدنية لا بشرية خالية من الروح والوجدان، لا دين لها ولا ثقافة ولا أخلاق ولا معرفة روحية، ومما لا يتصور إنسان - غربا وشرقا – أن تحيا وتقيم مجتمعا بدونها.

 

وبما أن الغرب فى التقييم الأصولى «مادى» فإن حضارته كذلك «مادية» فقط، لا تنطوى على أى تقدم فى مجالات الروح والأخلاق والعقائد، وهو قطعا أمر غير صحيح. لكن وبما أن الأصولية السياسية تنطوى على فراغ حضارى يصنعه يأس شامل من اللحاق بحضارة الغرب «المادية» فإنها لا تجد أيضا سبيلا لملء هذا الفراغ إلا بأوهام الجدارة بالقيادة، أى أن يسلم الغرب ومن ورائه العالم كله قيادته طوعا إلى طلائع الأصولية المظفرة أو لقيادتها الطليعية وهى «العصبة المؤمنة» كما تصورها «قطب».

 

تجد الأصولية السياسية ذاتها مضطرة - أمام عقدة تفوق الغرب - إلى استبدال التفوق العقيدى بالتفوق المادى. هذا التفوق العقيدى هو ما يجب أن يؤدى - بشكل عنصرى فج فاضح للغرابة - إلى قهر هذا الغرب ودفعه للاستسلام لقيادة الأصولية العقيدية، حيث يكمن حلم الأصولية المرضى كله فى استلام دفة القيادة ذات يوم من الغرب «المادى» المتفوق.

أما كيف يشعر الغرب بالاضطرار إلى أن يسلم زمام قيادته الحضارية للعالم فى ظل تفوقه، حتى ذلك التفوق الذى يوصف بأنه مادى وخصوصا فى المجال العسكرى، فهذا ما لا تجيب عنه الأصولية السياسية ومن ثم فهى تعد - ككل فاشية تبرر عدوانها بمشاعر الظلم - مشروع خراب عالمى وفشل قومى شامل بكل جدارة.

 

لا يعتقد الأصولى أنه، برفضه العلم والعقلانية، مع استخراج نظريات وحقائق العلم والعقلانية «المادية» مثل دوران الأرض أو نظرية التطور أو الأوتار الكونية من القرآن الكريم، أنه بذلك قد تجاوز تخلفه ولحق بالغرب المتقدم علميا فى ضربة واحدة وكفى، بل يعتقد أنه بمثل فعله هذا يثبت للغرب ضرورة أن يترك ما بيديه من أدوات العلم ومناهج العقلانية ويلحق بركب التقدم الأصولى العقيدى. وفى الحقيقة أن الأصولية تمارس واحدا من أسوأ أساليب الإساءة لكلام الله المقدس غير القابل للتبديل والتغيير بمثل هذا التعويض المخزى والمتخلف عن شعور متأصل بالفشل والعقم العلمى والإبداعى، ضمن منظومة الأصولية السياسية الأوسع لتجارة الدين وتوظيفه فى مآرب سياسية ودعائية مزيفة.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...