عندما تحكم المذهبية العشوائية مرويات الطبرى




عندما تحكم المذهبية العشوائية مرويات الطبرى



إن الدارس لأمهات كتب المؤرخين والمحدثين يعلم أن الأخبار التاريخية والأحاديث المنسوبة إلى النبى قد أُخذت من أفواه الإخباريين والرواة، بعد أن مزقت الفُرقة والمذهبية الأمة الإسلامية تمزيقا، ولم تكن هناك مدونات موثقة يرجع إليها للتأكد من صحة المنقول حتى منتصف القرن الثانى الهجرى وبداية عصر التدوين!!

 

لقد كان من الطبيعى أن يختلف المؤرخون والمحدثون حول ما صح وما لم يصح من مرويات الإخباريين والرواة التى وصلت إليهم عبر قنوات الاتصال الشفهية، والتى ظهر تعصبها العقدى والتشريعى بوضوح عند تدوين كل فرقة أمهات كتب تراثها الدينى!!

 

[الإخبارى: هو من أخذ عنه المؤرخ.

والراوى: هو من أخذ عنه المحدث].

 

يقول شيخ المؤرخين والمحدثين الطبرى فى مقدمة كتابه «تاريخ الملوك»، والذى يعتبر المصدر الأساس للتاريخ الإسلامى عند أهل السنة:

«فما يكن فى كتابى هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها فى الصحة ولا معنى فى الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت فى ذلك من قبلنا، وإنما من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدى إلينا»!!

 

لقد ولد الطبرى عام ٢٢٤هـ وتوفى عام ٣١٠هـ، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وصلى بالناس وهو ابن ثمانى سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، إذن فقد كان فى شبابه ورشده إماما عاصر كبار المحدثين، وفى مقدمتهم البخارى «ت٢٥٦هـ» ومسلم «ت٢٦١هـ».

 

إذن فعندما يقول الطبرى: «إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا»، هل هذا يعنى أن الذى سيتحمل مسؤولية إشكاليات المرويات التى دونها فى كتبه هم الذين نقلوها إليه، مما يفهم منه غياب المنهجية العلمية فى التوثيق، وأن ذلك كان وراء اختراق الكثير من الموضوعات مروياته؟!

 

إذن فعلى أى أساس أصبح الطبرى إماما؟!

 

فإذا تركنا القرن الرابع الهجرى، وذهبنا إلى القرن السابع، نجد أن ابن الأثير يقول فى مقدمة كتابه «الكامل فى التاريخ» عن المصادر التى استقى منها مروياته:

«إننى قد جمعت فى كتابى هذا ما لم يجتمع فى كتاب واحد، فابتدأت بالتاريخ الكبير الذى صنفه الإمام أبو جعفر الطبرى، إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها»، ثم قال:

 

«فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبرى ما ليس فيه، إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله فإنى لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا، وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقا، الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا»!!

 

إن ابن الأثير «ت٦٣٩هـ» هو صاحب كتاب «جامع الأصول فى أحاديث الرسول»، الذى جمع فيه أحاديث الكتب الستة المعتمدة فى الحديث وهى: الموطأ، صحيح البخارى، صحيح مسلم، سنن أبى داود، سنن الترمذى، سنن النسائى، وكان يرى أن موطأ الإمام مالك أصح من صحيح البخارى، لذلك كان يقدمه على البخارى، كما هو مدون على غلاف كتابه.

 

وابن الأثير هو صاحب كتاب «النهاية فى غريب الحديث والأثر»، وصاحب كتاب «أسد الغابة فى معرفة الصحابة»، فهو مؤرخ ومحدث، فلماذا جعل الطبرى المرجع الأساس فى التاريخ؟! الجواب: لأن وجهة نظر الطبرى فى الأحداث التاريخية تتماشى مع وجهة نظر ابن الأثير، خصوصا فى ما يتعلق بأحداث الفتن الكبرى، لذلك قال فى كلامه السابق:

 

«إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله فإنى لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا، وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين، إذ هو الإمام المتقن حقا، الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا».

 

لقد اعتمد ابن الأثير على شيخه الطبرى فى مرويات أحداث الفتن الكبرى لاعتقاده أن الطبرى محدثٌ ومؤرخٌ وإمامٌ لا شك فى علمه وصدقه، وعليه فهو المسؤول عن مروياته، فهل كان ابن الأثير يعلم أن الطبرى استقى معظم مروياته من إخباريين متهمين بالتشيع والزندقة وسوء الحفظ؟!

 

إذن فقد أراح الطبرى «ت٣١٠هـ» نفسه وحَمّل الإخباريين المسؤولية، وأراح ابن الأثير «ت٦٣٩هـ» نفسه وحَمّل الطبرى المسؤولية، وأراح ابن خلدون «ت٨٠٨هـ»، نفسه وحَمّل الطبرى المسؤولية، فقال فى مقدمته:

 

«هذا آخر الكلام فى الخلافة الإسلامية، وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب ثم الاتفاق والجماعة، أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها، من كتاب محمد بن جرير الطبرى، وهو تاريخه الكبير، فإنه أوثق ما رأيناه فى ذلك، وأبعد عن المطاعن والشبه فى كبار الأمة وأخيارها، وعدولها من الصحابة والتابعين».

 

والسؤال: لماذا ذهب ابن خلدون إلى القرن الرابع الهجرى ليتخذ الطبرى مرجعا، وترك ابن كثير «ت٧٧٤هـ» الأقرب إليه، وهو الإمام المؤرخ صاحب كتاب «البداية والنهاية»، والمحدث صاحب كتاب «جامع السنن والمسانيد»، والمفسر صاحب كتاب «تفسير القرآن العظيم»، وهو الأشهر عند أهل السنة؟!

 

الجواب: لاختلاف التوجهات العقدية والتشريعية بين أئمة السلف، خصوصا مسائل الأسماء والصفات المتعلقة بذات الله تعالى، والتى سفكت فى سبيلها الدماء على مر العصور، ولا أريد أن أشغل القارئ بها، وقد أشرت إليها فى مقال سابق بعنوان «عندما تصبح ثوابت الدين الإلهى ثوابت مذهبية».

 

وتعالوا نلقى نظرة على آراء أئمة الجرح والتعديل فى الطبرى، وهو الإمام والمرجع، من خلال كتاب «المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبرى» للشيخ أكرم بن محمد الأثرى، الذى ذكر فيه آراء أئمة الجرح والتعديل فى كل الرواة الذين ذكرهم الطبرى فى كتبه المسندة المطبوعة، وهى:

«التفسير، التاريخ، تهذيب الآثار، صريح السنة»، فقال فى خلاصة البحث:

 

أولا: «بلغ عدد الرواة الذين روى عنهم الطبرى فى سائر كتبه نحو «٧٢١٤»، وهو قريب من مجموع عدد رجال الكتب الستة مجتمعين، حيث بلغ مجموع رجال الكتب الستة المترجمين فى «تهذيب الكمال» «٨٦٤٠».

 

ثم قال: «وأكثر رواة الطبرى من الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة أيضا»، يقصد: البخارى «ت٢٥٦هـ»، مسلم «ت٢٦١هـ»، الترمذى «ت٢٧٠هـ» ابن ماجه «ت٢٧٣هـ» أبو داوود «ت٢٧٥هـ» النسائى «ت٣٠٣هـ».

 

والسؤال: إذا كان «أكثر رواة الطبرى من الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة» فلماذا لم يأخذ الطبرى مكانته العلمية وسط هؤلاء؟!

 

ثانيا: «كثرة الأخبار والآثار الضعيفة والموضوعة، رغم كثرة طرقها وشواهدها ومتابعاتها، رغم أن للطبرى منهجه الخاص به فى تصحيح الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة أيضا».

 

والسؤال: هل كان السبب وراء عدم أخذ الطبرى مكانته العلمية بين أصحاب الكتب الستة أنه كان صاحب منهج خاص فى تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لذلك لم يلق قبول المحدثين، فأسقطوه كمحدث وجعلوه إماما مؤرخا، فلم نعرف الطبرى إلا مؤرخا ومفسرا؟!

 

ثم ما الفرق بين الطبرى مؤرخا والطبرى محدثا ومنهج الطبرى فى تصحيح الضعيف والموضوع فى الحالتين واحد؟!

 

الحقيقة أن أكبر فتنة ابتلى بها المسلمون بعد الفتن الكبرى هى فتنة علم الحديث «المذهبى»، الذى صنعه أئمة كل فرقة من الفرق الإسلامية، بل وأئمة كل مذهب من مذاهب الفرقة الواحدة، بما يتماشى مع توجهاتها العقدية والتشريعية!!

 

إن ما اتهم به الطبرى المحدث اتهم به كل أئمة الحديث عند الفرق الإسلامية، وهذه الحقيقة يعلمها أهل هذه الصنعة، ولكنها للأسف غائبة عن عامة المسلمين من أتباع الفرق المختلفة، الأمر الذى يدعونى إلى تبسيط هذه الإشكاليات بجرعات قليلة فى مقالاتى، لتبصير المسلمين بحقيقة هذا العلم، الذى يستحيل أن يحمل وحيا إلهيا باسم السنة النبوية أو الحديث النبوى، يكفر منكره!!

 

ثالثا: «كثرة المبهمين الذين يبهمهم من رجاله فى مواضع، ويصرح بهم أو لا يصرح بهم فى مواضع أخرى من كتبه، وقد بلغ مجموعهم ٥٥٠ مبهما».

 

إن هذه الإشكالية لا تخص الطبرى وحده، فسواء عرف الباحث الرواة أو كانوا مبهمين فإن القضية فى اليد التى تحمل ميزان الجرح والتعديل، وهل هى يدٌ سنية أم شيعية، فإذا حملته يد شيعية فإن النتيجة ستختلف تماما!!

 

لقد أورد الباحث، نقلا عن أئمة الجرح والتعديل، الصفات التى جرحوا على أساسها رواة الطبرى، ولنا أن نتخيل لو أن ميزان الجرح والتعديل كان فى يد شيعى، أو فى يد مذهب من مذاهب أهل السنة العقدية، كالأشعرية أو القدرية أو المرجئة، فماذا ستكون النتيجة؟!

 

فمما ذكروه عن صفات الرواة: «ثقة فقيه عابد رُمِى بالتشيع، صدوق رمِى بالقدر وكان يدلس، رمِى بالنصب، رمِى بالرفض، فقيه صدوق سنى، صدوق تُكلِمَ فيه لبدعة الخوارج، أول من تكلم فى الإرجاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، متروك الحديث وكان صالحا فى نفسه، مقبول، ضعيف، ضعيف جدا، مجهول، منكر الحديث، كان يكذب، سكت عنه البخارى، لا بأس به».

 

فهل هذه شريعة يكفر من ينكرها؟!

لقد اتخذ المحدثون مرويات الرواة مصدرا تشريعيا إلهيا ثانيا باسم «السنة النبوية» بدعوى أنها المبينة للقرآن والمكملة لأحكامه، وذلك لإعطاء شرعية لكل المصائب التى حلت بالمسلمين بعد تفرقهم وتخاصمهم وسفك دماء بعضهم بعضا، والمصيبة الأكبر أنهم أفتوا بكفر من ينكر نصوص هذه «السنة المذهبية»، التى لا علاقة لها أصلا بدين الله وشريعته القرآنية!!

 

«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يؤْمِنونَ».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...