أحكام الغنائم التى لا تلائم غير شخص النبى وزمانه

عصام الزهيري



أحكام الغنائم التى لا تلائم غير شخص النبى وزمانه



التشريع فى القرآن كما يتضح من مجمل آيات الأحكام فيه قُصد به مجاراة أو تعديل العرف التشريعى الذى كان سائدًا بين قبائل الجزيرة العربية إبان نزول الوحى، لم يقصد منه -كما حاول الفقهاء والأصوليون إيهام عموم المسلمين لقرون متطاولة- سن قوانين ثابتة وأحكام إلهية مطلقة تسرى على كل المجتمعات مهما اختلفت أعرافها وثقافتها، وعلى كل الأزمنة مهما ارتقت أخلاق أهلها وتسامت عوائدهم. مجمل أحكام القرآن كما هو معروف ينتمى إلى أحكام وقواعد العرف القبلى الذى كان سائدًا وحاكمًا فى جزيرة العرب قبل مجىء الإسلام ونبوة نبيه، ومجمل آيات القرآن اعتبرت هذا العرف القبلى السائد قاعدة تشريعية انبنت عليها أحكامها إما بالإقرار والتبنى وإما بالتعديل والتحوير. وليس أدل على هذه الحقيقة التشريعية الإسلامية التاريخية مما جرى من تضارب مدهش فى باب أحكام الغنائم بسبب الحيرة التى وضع فيها الفقهاء أنفسهم وعقولهم، وكان تضاربهم انعكاسًا لتضارب آخر كبير وحيرة أشمل وضع فيها مفسرو القرآن أنفسهم بدورهم فيها، ولم تكن كل هذه الحيرة وكل هذا التضارب غير النتيجة الطبيعية لمحاولتهم تجريد حكم السلب والغنائم فى القرآن من سياقه العرفى القبائلى الاجتماعى الذى نشأ فيه، وتناولهم له كما لو كان من الثوابت الإلهية المطلقة الصالحة لكل زمان ومكان، شأنهم فى ذلك شأن تعاملهم مع أحكام أبواب مثل الرق والجزية والردة وغيرها، رغم طبيعتها الاجتماعية الجزئية الهامشية المؤقتة بأحوال زمانها ومجتمعها بشكل ظاهر.

 

وقبل استعراض الحيرة التى استتبعت محاولة الفقهاء والمفسرين التعامل مع أحكام السلب والفىء والغنائم كما لو كانت أحكاما إلهية مطلقة وثوابت معلومة من الدين بالضرورة، يجب أن نذكر السياق القانونى العرفى الذى ولد فيه هذا التشريع، وهو سياق السائد فى مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام، عرف يوجزه بيت شعرى يورده قاموس "لسان العرب" ويفخر فيه الشاعر الجاهلى بشيخ قبيلته مخاطبا إياه: "لك المرباع فيها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول".

 

المرباع كما يقول القاموس هو ربع غنيمة الحرب الذى كان يأخذه الرئيس فى الجاهلية، أما الصفايا فهو ما كان يصطفيه الرئيس لنفسه، والنشيطة ما أصاب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي، والفضول ما عجز الرئيس عن أن يقسمه لقلته، ويعقب على ذلك "لسان العرب": "وفى حديث القيامة (يقصد الذى يرويه صحيح مسلم): ألم أذرك ترأس وتربع أي: تأخذ ربع الغنيمة أو تأخذ المرباع، معناه ألم أجعلك رئيسا مطاعا؟ قال قطرب: المرباع الربع والمعشار العشر ولم يسمع فى غيرهما، ومنه قول النبى لعدى بن حاتم قبل إسلامه: إنك لتأكل المرباع وهو لا يحل لك فى دينك، كانوا فى الجاهلية إذا غزا بعضهم بعضا وغنموا أخذ الرئيس ربع الغنيمة خالصا دون أصحابه، وذلك الربع يسمى المرباع".

 

المرباع من سلب وغنائم الحروب بين القبائل الذى كان حقا لزعيم القبيلة قبل الإسلام تحول فى الإسلام إلى "مخماس" رغم أنه تعبير لم يسمع بمثله، لكنه ما يمكن اشتقاقه مباشرة من قوله تعالى:" وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"- الأنفال: 41. وليس فى تخصيص النبى بحصة رئيس قبيلة عربية أدنى غرابة إذا علمنا أن الحروب التى جرت بين المسلمين ومشركى الجزيرة جرت على نفس وتيرة وبنفس مواضعات الحروب بين قبائل الجزيرة وبعضها البعض، وأن نفس العوامل التى أحاطت بحروب العرب أحاطت بحروب النبى مع قبائلهم، وحكمتها نفس القوانين التى كان معمولا بها من قبل الإسلام، بلا أدنى تغيير غير التعديل الذى أقره القرآن بعد اعتماده المحتم للعرف القانونى السائد فى زمنه، وهى قاعدة كل تشريع آخر فى كل زمان ومكان آخر.

 

إذن تحول الربع الذى كان لرئيس القبيلة من غنائم الحرب العربية إلى خمس للنبى من غنائم حرب عربية أيضا وإن كان طرفاها هما المسلمين والمشركين، ثم حدد القرآن من بعد ذلك المصارف التى تجرى أموال الخمس الذى خُص به النبى لموقعه على رأس جيش المقاتلين المسلمين.

 

وكان حريا بأن ينتهى مثل هذا التشريع المؤقت فى حالتين: الأولى برحيل النبى صلى الله عليه وسلم، والثانية بتغير العرف الجارى بالنسبة للحروب بعد خروجها من حدود الجزيرة العربية. والحالة الثانية وقعت بالفعل واشتهرت عبر اجتهادات الخليفة الثانى عمر بن الخطاب الذى لم يتعامل مع غنائم حروب العرب ضد الفرس والروم -وعلى الأخص غنيمة الأرض- كما تعامل النبى مع غنائم حربه ضد قبائل الجزيرة. لكن الحالة الأولى -أى ختم التشريع برحيل النبى- لم تقع وظلت معلقة بسبب غرام الفقهاء بتجاهل السياق الاجتماعى والتاريخى للتشريع الإسلامى، الأمر الذى أدى إلى تضخم أبواب أحكام الغنائم فى مختلف مذاهب الفقه السنى والشيعى وأدى معها إلى تضخم ضروب الحيرة والارتباك والتضارب.

 

ومنذ الأحرف الأولى لآية الأنفال اختلفت آراء المفسرين والفقهاء حول "نصيب الله" فى الغنيمة! فقال بعضهم: لله نصيب فى الخمس يجعل فى الكعبة! واستشهدوا تبعا لذلك بآثار منسوبة للنبى تؤكد أنه كان يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذى قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقى على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوى القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. لكن غيرهم رأوا أن ذكر الله فى قوله: ("لله خمسه" ليس مقصودا منه غير استفتاح للتبرك)، وينسب لذلك قول ابن عباس: ("كان رسول الله إذا بعث سرية فغنموا، خمّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس فى خمسة.. "فأن لله خمسه" مفتاح كلام، لله ما فى السماوات وما فى الأرض، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا").

 

ويمضى الخلاف لما هو أبعد، فرأى البعض من فقهاء المذاهب أن مصارف الخمس التى حددها القرآن للنبى هى من قبيل الفرض الواجب عليه، واستشهدوا على ذلك بقول ابن عباس: "كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة، فربع لله وللرسول ولذى القربى -يعنى قرابة النبى- فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله ولم يأخذ النبى من الخمس شيئًا، والربع الثانى لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل"، ورأى غيرهم أن الذى لله لنبيه، والذى للرسول لأزواجه، ورأى غيرهم أن خمس الله والرسول واحد يتصرف فيه كما يشاء ويرده لأمته كيف يشاء، وهو فحوى حديث منسوب للنبى يقول إن النبى صلى بالناس على بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من ذلك البعير، ثم قال: "ولا يحل لى من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود فيكم".

 

ويمضى الفقهاء إلى غير ما لقاء عندما ينقلون ما كان حقا للنبى فى زمنه، ولرؤساء القبائل فى زمنهم من قبله، ليعمموه على سائر الأزمنة ويخصوا به "إمام المسلمين" من بعد النبي، ويفرض بعضهم على الإمام (الرئيس) نص المصارف الواردة فى الآية، ويجعل بعضهم الرئيس حرًّا يتصرف فى مال الغنيمة بحسب ما تملى عليه مصلحة المسلمين. ليبقى سهم "ذوى القربى" قلقا لا يدرى إلى أين يذهب، فيقول بعضهم: يصرف فى مصالح المسلمين، ويقول غيرهم: يرد لبقية الأصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل، ويؤكد غيرهم العكس أى أن يرد سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لذوى قربى النبى من بنى هاشم، وقيل: بنى هاشم وبنى عبد المطلب، وقيل: لذريته من علي فاطمة فقط، واختلف فى ما بعد أبناء الحسن وأبناء الحسين على أحقية كل منهم بالخمس!

 

كان خلاف فقهاء المسلمين كبيرًا على أقرباء النبى المستحقين للخمس، وناهيك بالخلاف السنى الشيعى المشهور، فإن هناك أقرباء آخرين للنبى اختلف على أحقيتهم فى الخمس كالأمويين مثلًا، وهو مفاد تفرقة "الطبرى" بين الطالبيين الذين يستحقون الخمس من أقارب النبى والأمويين الذين لا يستحقون رغم أنهم من أقاربه أيضًا، لأن بنى المطلب آزروا بنى هاشم فى الجاهلية ودخلوا معهم فى الشعب غضبًا لرسول الله وحماية له، أما بنو عبد شمس وبنو نوفل -وإن كانوا أبناء عمهم- فلم يوافقوهم على ذلك!

 

واليوم بعد أن وضع التطور الاجتماعى وقوانين الحرب حدا لممارسة سلب قتلى الحرب واعتبار ملابسهم وممتلكاتهم وأسلحتهم ورواحلهم  -ونسائهم وأولادهم بالطبع- غنائم مشروعة، نستطيع أن نلقى نظرة ذات دلالة على معنى كل هذه الخلافات بين الفقهاء والمفسرين، وعلى كل هذا التضارب والارتباك فى أبواب الغنائم بمذاهب الفقه، وعلى كل هذا الإصرار العجيب على تجريد أحكام وتشريعات الإسلام من سياقها العرفى التاريخى القبلى الذى نشأت فيه واشتقت منه.



أقرأ أيضا

يرحمكم الله

الحضارة وتجديد الفكر الديني بين رجال الدين وعلماء العقل

نكتب كثيرًا ويكتب غيرنا عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، أو تطوير الفكر العربي لكي يلائم العصر، ويمنع الفرقة والتمزق، خصوصًا في ظل الحروب الدامية التي تشهدها المنطقة العربية، ولكن التجديد المنشود لم يحدث، ولا نعتقد أنه يحدث، ما دام رجال الدين يتصدّون لكل فكرة، ويمنعون أي تفكير خارج نطاق صندوقهم...
البلد

مستنقع الغزو التركي لسوريا

ربَّما تكون الاستراتيجية التي اعتادتِ الحكومة التركية عليها في كافة سياساتها، ألَّا تبدو أهدافها الحقيقية كما تعلنها، وعلى هذا المنوال قامت بعملية عسكرية في شمال سوريا تحت غطاء شبه مستحيل التنفيذ، وهو «إعادة اللاجئين» و«منطقة أمنية»، بينما الأهداف الحقيقية مختلفة تماماً، ولا ترتبط بصلة بالعودة المزعومة.
البلد

عالم بدون بترول

عنوان المقال كان عنواناً لواحدة من جلسات مؤتمر «دبلوماسية البترول ٢٠١٩» الذي شاركت فيه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن، وعقده معهد دول الخليج العربية للمرة الخامسة منذ إنشاء المؤسسة ويضم نخبة من الخبراء في مؤسسات عامة وخاصة، ومن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية للتداول حول الاتجاهات البازغة في «أسواق الطاقة» و«السياسة الإقليمية».
البلد

الحرب ضد «أكتوبر» ما زالت مستمرة!

ستة وأربعون عاماً تمر اليوم على حرب أكتوبر المجيدة، لم يكن النصر العربي المبين فقط هو ما تحقق في هذه الحرب، وإنما كانت مفاجأة العرب لأنفسهم وللعالم بهذه الخطة التاريخية التي استطاعت فيها الأمة العربية أن تحشد قواها كما لم تفعل من قبل أو من بعد، ثم أن تخوض الحرب مسلحة بالعلم فتهزم خرافة العدو الذي لا يقهر، وتحقق النصر العزيز...
البلد

فضاء المنصوري وكهوف «الإخوان»

وسط تحديات هائلة يواجهها العالم العربي، وبينما البعض ماضٍ في تآمره لنشر الدمار والخراب.. يأتي هذا الحدث المهم مع وصول رائد الفضاء الإماراتي إلى محطة الفضاء الدولية، ليقول للعالم كله إننا - ونحن نقاتل من أجل حماية أوطاننا - نُصر على أن نكون شركاء حقيقيين في صنع المستقبل للبشرية كلها.
تأملات

الكواكب كثيرة

نشأنا على عبارات ضخمة رنانة، وأقوال مأثورة متخمة بالطموح ومفعمة بالأحلام. تعلمنا في المدارس أصول كتابة موضوعات الإنشاء، ووجهنا معلمونا إلى ضرورة تزيينها بأبيات شعر تعضد المعنى وتقوي الأثر. واستكمل الإعلام المسيرة...
البلد

45 مليار دولار في 45 دقيقة فقط

إن المؤسسات والشركات والمنظمات التي نراها منتشرة من حولنا تعتمد في إدارتها على الرجال الأقوياء، فهؤلاء الأشخاص هم من سيدير دفة الشركة نحو تحقيق أهدافها، وهم مع فرق عملهم سيصنعون المجد المنشود لهذه المنظمة أو الشركة.