جن «ابن تيمية» يرتشى ويسكن البدن ولا يخرج إلا بالضرب الكثير

عصام الزهيري



جن «ابن تيمية» يرتشى ويسكن البدن ولا يخرج إلا بالضرب الكثير



فى رسالة عنوانها «الدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان»، يعيد السلفيون طبعها باستمرار وتوزيعها بكثافة، يذهب الفقيه السلفى ابن تيمية إلى اعتبار الكثير من أخبار الجن، ومن المتداول فى العقل الخرافى عن حياتهم وعاداتهم وسكنهم ومشروبهم ومطعومهم واتصالهم بالإنسان، من «المعلوم بالاضطرار».

وهو عزف آخر على لحن «المعلوم من الدين بالضرورة»، الذى صار الفقهاء يصفون به كل ما لا يمكنهم البرهنة عليه بطريق العقل والنقل، من عادات الناس وتقاليدهم التى يتوارثونها عن آبائهم، وكذا من معتقداتهم الخرافية الشائعة.

ويعتقد ابن تيمية أنه من هذا «المعلوم بالاضطرار» الذى يصنعه تواتر أخبار الجن عن الأنبياء: «أنهم أحياء، عقلاء، فاعلون بالإرادة، مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره كما يزعمه بعض الملاحدة»، ولا يمكن للمرء أن يتصور طبيعة الملاحدة الذين آمنوا بوجود الجن كقوى وطبائع كونية وبشرية، فماذا كانوا يسمون لو كانوا أنكروا المسألة من أساسها؟!

 

عمومًا، يصل ابن تيمية وصولاً فوريًّا على عادته إلى تكفير كل مَن يبتعد بعقله أو باجتهاده عن التفكير السائد، فيجعل الإيمان بوجود الجن، على ما يصوره عليه «المعلوم بالاضطرار»، أساسًا من أسس العقيدة، ويجعل «إنكارهم مثل إنكار نبوة الأنبياء وعبادة الله إلهًا واحدًا بلا شريك».

 

والأبعد أنه يشبّه تواتر خبر الجن وعاداتهم وأحوالهم لدى الأمم السابقة، وعند الشعوب الأخرى، بما تواتر عند العامة والخاصة من مجىء موسى إلى فرعون.

وموسى، عليه السلام، كما هو معلوم أيضًا بالاضطرار لم يكن مرسلاً إلى فرعون ولا المصريين فى اعتقاد أهل الكتاب، بل إنه فى اعتقادهم كان مرسلاً إلى اليهود فقط، وإذن فهو مما لا يمكن عده متواترًا ولا معلومًا بالاضطرار.

 

والعجيب أيضًا أنه يجعل إنكار مسّ الجان مثل إنكار «جنس الآيات الخارقة التى ظهرت على يد النبى مثل تكثير الطعام والشراب والإخبار بالغيوب». وهو ما تكذّبه آيات القرآن الكريم ذاتها عندما تؤكد أن النبى إنسان نذير، وبشر بشير، لا بساحر ولا بكاهن ولا يخبر بخبر الغيب ولا يأتى بالمعجزات، يقول تعالى: «قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف 188)، لكن المفاجئ أكثر من كل شىء أن يستشهد ابن تيمية على وجود الجن بأخبار العرب الكفّار الجاهليين ويعتبرها من المتواتر والمعلوم بالضرورة، وهو ما يجعل المرء يتساءل: أين الحذر من موالاة الكفار وعقيدة مخالفة الكافرين واجبة الإتباع عند الرأس السلفى العظيم؟!

 

على كل حال يقدم ابن تيمية بنفسه دليل عدم وجود تواتر فى ما أراد أن يعتبره معلومًا بالضرورة من أخبار الجن، فيذكر إنكار طائفة من المعتزلة، ومنهم الجبائى وأبو بكر الرازى، مما يعنى أنه لا تواتر بحق، بل إن التواتر ليس دليلاً إلا على جهل كبير شائع يناجزه أهل العلم من الأطباء والفلاسفة وأصحاب العقل فى كل عصر من عصور البشرية، وفى كل أممهم وشعوبهم، لكن أهل العلم والعقل هؤلاء يسميهم ابن تيمية الجهّال، فيقول: «وجمهور الأمم يقر بالجن ولهم معهم وقائع يطول وصفها، ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال المتفلسفة والأطباء ونحوهم، أما أكابر القوم فالمأثور عنهم: إما الإقرار بها، وإما أن لا يحكى عنهم فى ذلك قول.. وليس لمن أنكر ذلك حجة يعتمد عليها تدل على النفى..». والذى يستفاد من كلام الجهبذ ابن تيمية -الذى ليس من الجهال- أن الحجة ليس عندما يراد إثبات شىء ولكن فى إنكاره، يعنى إذا أردت إنكار الجن فعليك بالحجة إما إثباته، فمما ليس فى حاجة إلى أدلة لأنه -طبعًا- من المعلوم بالاضطرار، ولعمرى لو نطق الجهل بلسانه لقال قولاً كهذا.

 

وكما يمكن أن تتوقع، يذهب ابن تيمية إلى أكثر نصوص مدونة الحديث الخرافية ومما لا يقبله منها عقل ولا شرع. ففى مسند ابن حنبل، عن يعلى بن مرة، أنه صلى الله عليه وسلم أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم -أى مس الجن- فقال له: اخرج يا عدو الله، أنا رسول الله.

قال: فبرأ، فأهدت له كبشَين، وشيئًا من أقط وسمن، فقال رسول الله: يا يعلى، خذ الأقط والسمن، وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر. ويستحيل للعقل أن يسلم ببساطة بأن نبيًّا مرسلاً بالرحمة والهداية للعالمين يمكن أن يقبل أجرًا لإخراجه جنيًّا من جسد ممسوس كأنه أحد المعالجين الشعبيين.

لكن، وبعامة، يبدو أن يعلى بن مرة تخصص بطريقة أو بأخرى فى إيراد أخبار الجن ونسبتها إلى رسول الله، فهو يعود للظهور من جديد فى مسند ابن حنبل، ليؤكد أنه رأى من رسول الله ثلاثًا ما رآها أحد من قبله، دون أن يخبرنا بما يعيننا على تصديق ما لم يره أحد غيره، ومن ذلك علاج صبى صادفه النبى فى طريق: «فغر فاه فنفث فيه ثلاثًا، وقال: بسم الله أنا رسول الله اخسأ عدو الله»، ويذكر فى هذا الحديث أن النبى تلقّى من السيدة شاة نظير شفاء ابنها.

وفى حديث ثالث يقول النبى للجنى الذى يسكن بدن طفل: «اخرج فأنا رسول الله»، ويتلقى نظير ذلك جزورًا -يعنى ناقة- ولبنًا.

 

ويتوسع ابن تيمية فى ذكر المرويات الحديثية الخرافية ونسبتها إلى النبى والصحابة، محاولاً إثبات سكن الجن بأبدان المرضى، يذكر مروية عن النبى تأمر بقتال الجن وتخبر بأن أمته ستقاتلهم بالقسى الفارسية، لأنهم لو قوتلوا بالقسى العربية لا تغنى شيئًا، ويورد خبرًا عن «بريد الجن» الذى كان يتقدم الجيوش التى يرسلها الخليفة عمر، فيخبر المسلمين بنصرها فى القتال، وكان يسمى أبا الهيثم، كما يستشهد بوجود الرقى التى تعالج الصرع، رغم أن الرقى كانت تستخدم فى المجتمعات القديمة لعلاج كل شىء وليس صرع الجن فقط، فهنالك رقى ضد الأمراض والعقرب والحمى والأفعى والحسد.. إلخ.

كما أن الأحاديث المنسوبة إلى النبى فى شأن الرقى لا تدل على أن لها فائدة من جهة سحرية، وأن فائدتها كما يمكننا اليوم أن نعرف بوضوح، فائدة نفسية فى تحسين مزاج المريض وتمكين إرادته من العمل فى مساعدته على الشفاء.

وهو ما يؤكده نهى النبى فى البداية عن الرقى ثم عودته لإباحتها، وما يستشفه المرء واضحًا فى حديث «آل عمرو بن حزم» الذى جاء فيه: «يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه. فقال: ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».

والنفع هنا من «أخ»، لا هو ساحر ولا متخصص علاجى، يأتى بالضرورة من جانب نفسى يعين الملدوغ على مقاومة مفعول السم بالإرادة واعتقاد الشفاء أو بالثقة فيه.

 

عمومًا يظهر النبى فى حديث ابن صياد الذى رواه البخارى ساخرًا ومكذبًا حيل الكهان وزعمهم المس والاتصال بالجن، والحديث يقول: «إن النبى سأل ابن صياد: ما يأتيك؟ قال: يأتينى صادق وكاذب. قال: ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء. قال: ترى عرش إبليس على الماء. قال: فإنى خبأت لك خبيئًا. قال: الدخ الدخ. قال: اخسأ فلن تعدو قدرك فإنما أنت من إخوان الكهان.

 

لكن ابن تيمية يتحمّس فى رسالته بشدة لسكن الجن بدن الإنسان ولإمكانيات توظيفه واستخدامه، ويستبسل لإثبات ذلك إلى حد أن يجازف بأن يبدو بنفسه كخبير فى هذه الشؤون ويطلب من قارئه أن يعتد برأيه، فيقول فى أكثر من موضع من رسالته عبارات مثل: «وأعرف فى كل نوع من الأنواع -يقصد أنواع السحر وتوظيف الجان- من الأمور المعنية ومن وقعت له ممن أعرفه مما يطول حكايته، وهم كثيرون جدًّا».

ويرى توظيف الجن ممكنًا بطريق التقرب إليهم عن طريق (الرشوة والبرطيل)، ورشوة الجن بالإساءة إلى كتاب الله وكلامه المقدس: «بالنجاسة، إما دم أو غيره». أما ما يمكن أن يقدّمه الجان فى نظير رشوته الدنسة فأمور كثيرة ومغرية، يعرفها ابن تيمية جيدًا بالطبع، منها: تغوير الماء والحمل فى الهواء والإتيان بمال من مال الناس. ويقترح ابن تيمية لشفاء الممسوس ذاك الحل القاسى العنيف الذى كان مستخدمًا على نطاق واسع فى العصور الوسطى، وهو أن يضرب ضربًا كثيرًا جدًّا، والضرب إنما يقع على الجنى ولا يحس به المصروع.

 

على أى حال يعود ابن تيمية بنفسه إلى فضح كذبة التواتر وكسر ظهر المعلوم بالضرورة، عندما يذكر أنه ورد فى الصحيحين إنكار ابن عباس كل هذا اللغو الحديثى الفاحش حول اتصال جرى بين الجن والرسول، فقد كان يقول رضى الله عنه: «إن النبى لم يرَ الجن ولا خاطبهم ولكن أخبره -يعنى الوحى- أنهم سمعوا القرآن»، وطبعًا يكذّب ابن تيمية قول ابن عباس دون أن يتوقع أن يكفره أحد لذلك، فقد استأثر ابن تيمية وحده بتكفير كل المنكرين وكل المختلفين.



أقرأ أيضا

دماغ

رسالة إلى سعيد مهران: العالم الآن.. للأشرار الكبار فقط

الله يرحمك يا سعيد، فأنت غلبان وضحية ومجنى عليه، لهذا كان لابد أن تموت. ودعنى أختم رسالتى لك بكلماتك التى قُلتها للقاضى فى أثناء حلمك بمشهد محاكمتك: «لو دورتوا.. حتلاقوا كل اللى عندهم قلب مجانين».
يرحمكم الله

كلب الخليفة المقتول

فى أواخر شهر أكتوبر 2019، أُزيح الستار عن أحد أبرز المشاهد دلالةً فى تاريخ الإسلام السياسى، فقد استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى البيت الأبيض، الكلب الذى شارك فى عملية قتل الخليفة الداعشى أبى بكر البغدادى...
البلد

الأكثر تأثيرًا عام 2019.. اخترنا لكم من قائمة «تايم 100»

فى عام 2016، كان الوضع فى إثيوبيا غايةً فى السوء، كانت الناس تُقتل وكان كثيرون فى السجن، وأردت أن يعرف العالم ما تقوم به الحكومة. لذلك، رفعت يدَىّ أعلى رأسى فى علامة «X» فى أثناء عبورى خط نهاية ماراثون 2016 فى أوليمبياد ريو، وهذا للتدليل على أن الشعب الإثيوبى يريد أن يوقف القتل والسجن، فنحن لا نريد ديكتاتورية.
البلد

عرب 2019.. ما الذي يجمع هذه الشخصيات الـ12؟

وجوه جديدة فى السلطة بتونس والسودان، ووجوه أخرى تغادر المسرح فى لبنان والعراق، فى حين ينتظر الجزائريون حسم السباق الرئاسى لخلافة عبد العزيز بوتفليقة. وجوه ثالثة تترك المشهد بالقوة، تمامًا كما دخلته بالقوة، مثل أبى بكر البغدادى.
البلد

عرب 2019.. بين النفوذ الإيرانى والأطماع التركية.. حراك شعبى يفاجئ الجميع

بين سندان النفوذ الإيرانى ومطرقة الأطماع التركية، شهدت شوارع عواصم عربية حراكـًا شعبيًّا فرض كلمته فى نهاية المطاف، وانتخابات رئاسية أفرزت وجوهـًا جديدة، وصراعات سياسية ثقيلة مرشحة لأن تطل برأسها فى عام 2020. كانت رياح التغيير قوية، فى حين وجدت الاضطرابات طريقها إلى مدن وعواصم عربية مختلفة. فى المقابل، أثبتت الاحتجاجات القوية فى العراق ولبنان أن النفوذ الإيرانى فى العواصم التى كان يتباهى بالسيطرة على مفاصل القرار فيها، صار مهددًا إلى حد كبير.  
فن

ضحكات الجوكر فى مواجهة عنف «سكورسيزى»!

خطف جوكر فيلم المخرج «تود فيليبس» الأضواء من أغلب أفلام العام، وهو فيلم تجارى ميزته الأكبر هى أداء «واكين فينكس»، وقد نجح تجاريًّا فى دخول نادى المليارات، وعلى مستوى الدراما يصور الفيلم بدايات شخصية الجوكر، أكبر أعداء «باتمان»، وعلى عكس التوقعات لم تكن أحداث الفيلم مغامرات قاتل ميت القلب، يضع ماكياج مهرج...
يرحمكم الله

الإسلام السياسى فى 2019 وحصاد المر

اتسم عام 2019 بالازدواجية، فهو عام الهزيمة والانتصار للإسلام السياسى، عام الموت لقيادات تاريخية وعام ميلاد قيادات أخرى. حصاد مربك ومرتبك، لا تملك اعتباره عام هزيمة الإسلام السياسى، لأن تنظيم الدولة انهزم ورحل من سوريا والعراق، ففى أسابيع كانت قوات «داعش» تتدفق على مالى وأفغانستان.
فن

مسلسل العام.. «ثلاثة عشر سببًا» للانتحار.. ما السر وراء أكثر مسلسلات «نتفليكس» مشاهدةً فى مصر والعالم العربى؟

يبدأ هذا المسلسل المثير للجدل ببداية «واقعية» غير مسبوقة ربما فى تاريخ الأعمال الدرامية. إذ يظهر الأبطال من المراهقين بشخصياتهم الحقيقية فى مشهد «تحذيرى» صريح يمتد إلى خمسين ثانية، قائلين إن المسلسل هو «من وحى الخيال»، لكنه يعالج مسائل واقعية صعبة، مثل قضايا الاعتداء الجنسى وتعاطى المخدرات و«الانتحار»، وما هو أكثر من ذلك، متمنين أن يساعد المسلسل المشاهدين بالبدء فى الحديث عن مشكلاتهم.