الخليفة يحرق الأطفال

أحمد الشوربجى



 الخليفة يحرق الأطفال



التاريخ عقد، لكل حبة من حباته كينونتها الخاصة بها لونها هيئتها وضعها تأثيرها مركزها ترتيبها، أحداث منفصلة لكنها أولا وآخرا حبة من حبات العقد، عقد التاريخ المتصل بخيط يربط جميع حباته برباط واحد فتبدو هذه الأحداث مترتبة بعضها على بعض مؤثرة بعضها فى بعض وتبدو أطراف العقد متصلة ببعضها تنبه أولها على آخرها بأهميتها والعبرة منها فيكرر صانع العقد ذات الحبة الأولى القديمة أن يستحسنها أو يغيرها إن بدا له غير ذلك.

 

وفى تاريخنا الإسلامى والعربى ما زلنا نكرر حبات العقد الذى يقطر دما على صدورنا وعلى أثوابنا وعلى أعتابنا وفوق رقاب أبنائنا، وما زلنا ننظمه بأيدينا ونضعه على أعناقنا باختيارنا، فمتى نغير حبات هذا العقد التى تجعل السياسة دينا وعقيدة تسفك الدماء من أجلها؟ متى نأتى بفقه سياسى جديد؟ متى تأخذ السياسة مسارها وأدواتها وآليتها الخاصة؟

 

ففى هذا اليوم القديم من تاريخنا وتحديدا سنة 144 هجرية يقتل المنصور الخليفة العباسى اثنى عشر ألفا دفعة واحدة وفى يوم واحد تنزل دماؤهم على الأرض تشكو من أصحابها ومن الخليفة العباسى الذين جعلوا السياسة دينا يقتتلون من أجله فتكون مجزرة يذبح فيها الرجال وترمل فيها النساء وييتم فيها الأطفال والآل يخرجون صرخى بعد مقتل عوائلهم يفرون من جند الخليفة إلى حيث تسوقهم أقدارهم، ففى سنة 140 هجرية استطاع الخوارج الإباضية أن ينشروا مذهبهم فى غرب إفريقيا، وفى نفس العام استولى الزعيم الإباضى أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى اليمنى على طرابلس ليسيطر المذهب الإباضى على الشمال الإفريقى كله باستثناء مصر، فيبايع الإباضية أبو الخطاب هذا إماما لهم ويقيم دولة عظيمة فى الشمال الإفريقى، لكنها لا تستمر أكثر من أربعة أعوام إذ يرسل الخليفة المنصور جيشا قوامه خمسين ألفا بقيادة ابن الأشعث والى مصر فيفاجئ الإباضية الخوارج فى «سرت» الليبية على حين غرة ويقتل إمامهم أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى ومعه اثنى عشر ألفا فى يوم واحد، ويفر من بقى منهم بذراريهم وأهليهم، وكان من بين هؤلاء الفارين الهاربين عبد الرحمن بن رستم الذى اتجه إلى الغرب ولحقت به جموع الإباضية الذين نجوا من هذه المذبحة ونزلوا بموضع أنشؤوا فيه مدينة تسمى «تاهرت» وبايعه الإباضية إماما لهم واستطاع فى سنة 160 هجرية أن يستعيد ليبيا ويضمها مع تونس والجزائر ويكوّن دولة جديدة للخوارج الإباضية سميت بالدولة الرستمية نسبة لعبد الرحمن بن رستم أميرها ومؤسسها الأول، وكان إماما عادلا مصلحا، سعى لازدهار الحياة العامة فى أنحاء دولته التى اشتهرت بالعدل حتى كانت ملجأ للكثيرين من غير الإباضية الذين يلقون فيها عصا الترحال ويعيشون آمنين على أنفسهم وأموالهم وأملاكهم. ولم تمضِ مدة عبد الرحمن بن رستم حتى كانت دولته ذات قدم راسخة مزدهرة ازدهارا يشهد له القدامى والمعاصرون من المؤرخين، وكانت مبايعة الخوارج لعبد عبد الرحمن بن رستم تمثل النمط الإسلامى السليم فى مبايعة الحكام حيث اختير لما توافرت فيه شروط تدل على كفاءته دون نظر إلى كونه قرشيا أم لا؛ حيث لا يعترف الخوارج بشرط القرشية لتولى الحكم، فالمعيار عندهم هو الكفاءة فقط، ومن ثم اختاروا عبد الرحمن بن رستم الفارسى الأصل ليقيم الخوارج الإباضية بهذه الدولة الرستمية دليلا عمليا على صحة مبدئهم هذا وأنهم قادرون على تنفيذه كما نفذوه مرارا من ذى قبل، وعلى عدم صحة نظرية ابن خلدون التى تقطع باستحالة إقامة دولة وملك دون عصبية، متناسيا أن العصبية ظاهرة جاهلية حاربها الإسلام ليكون الناس سواسية كأسنان المشط، لا معيار للتفاضل بينهم غير الكفاءة والاستقامة الشخصية، بقى أن نقول إن هذه الدولة بقيت لمدة 136 سنة بدءا من عام 160 هجرية حتى عام 296 هجرية حتى سقطت على يد الفاطميين، ورغم سقوط دولتهم فإن فكر الإباضية وفقههم ما زال له وجود فى هذه البلاد، غير أن الوجود الأكبر والأهم كان وما زال وجودهم فى سلطنة عمان إلى اليوم، منذ أن ملك الجلندى بن مسعود قلوب العمانيين أجمعين بعلمه وعدله وتقواه وشجاعته وصلابته فى الدين فبايعوه إماما لهم فى عام 132 هجرية، وهو العام الذى سقطت فيه الدولة الأموية فأقام الإمام الخارجى الإباضى الجلندى الدولة الإباضية العمانية الأولى التى لم تستمر أكثر من عامين، حيث أرسل إليه الخليفة العباسى الأول عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب المعروف بالخليفة السفاح جيشا كبيرا عن طريق البحر لم ينتظر أحدا يخرج إليه بل عمد إلى بيوتهم ومساكنهم فأشعل فيها النيران، فخرج من استطاع الخروج لقتال الجيش العباسى وانشغل الإمام الخارجى الإباضى الجلندى بالأطفال والنساء، فراح ينقذهم بنفسه فى مشهد وفصل آخر من فصول السياسة التى تحولت لدين يقاتل عليه، فى يوم يمثل كارثة من الكوارث الإنسانية المفجعة، يحمل الإمام الإباضى الأطفال والمرضى والعجزى والزمنى وينقذ النساء وسط الصراخ والخراب ورائحة شواء لحوم البشر فى كل أرجاء مدينته، وفى أجواء كهذه كان طبيعيا أن يُهزم جيش الإمام الإباضى ويُقتل منه عشرة آلاف من الرجال والفرسان، ويظل هذا الإمام الإباضى أيقونة فى نفوس الإباضية وملكا على قلوبهم طوال تاريخهم وتاريخنا الذى ما زال باسم تسييس الدين يقطر دما.



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...