الإلهاء.. المشكلة الحقيقية للرئيس الأمريكى المتخبّط

فريدا غيتيس



الإلهاء.. المشكلة الحقيقية للرئيس الأمريكى المتخبّط



 

ترجمة: أميرة جبر عن «سى إن إن»

 

ثمة شىء تغيَّر، لم يفتقر الأسلوب اللاهث وراء المانشيتات لترامب فى الحكم إلى الدراما قط، إلا أن هناك مؤخرًا شعورًا جديدًا بالتشتُّت وسط بحث ترامب المسعور عن أزمة وجهوده للسيطرة على المانشيتات والإلهاء عن الأحداث الأخرى وإبقاء قاعدته راضية عن كونه مقاتلًا مفتول العضلات لن يمتنع عن فعل أى شىء لتحقيق أهدافه.

 

فى الواقع إدارة ترامب دوامة من التشتت.
 

فى الأسابيع الأخيرة من عام 2018، أعاد ترامب الحياة فجأة إلى وعده بإقامة جدار بإصرار رجل يهرب من فرقة مطاردة، ولم يكن الوعد قد مات تمامًا (مع أن الشق الثانى من هتاف «ابنوا الجدار» الخاص بدفع المكسيك التكلفة قد تلاشى وأغرقه فضح زيف الادعاءات الحمقاء)، ولكن بعد مرور سنتَين من عمر إدارة ترامب تفجَّرت وسط المشهد ضرورة إقامة الجدار فقط بعدما بدت التهديدات الملموسة لترامب وشيكة.
فبعد الفوز بالسيطرة على مجلس النواب استعد الديمقراطيون لإطلاق تحقيقات حقيقية فى مناطق الفساد المحتمل والمخالفات فى الإدارة التى لا حصر لها، وهو التطور الذى وقع صدفةً فى الوقت الذى يفيض به التحقيق فى الروابط ما بين حملة ترامب وروسيا عن اكتشافات مُدينة جديدة، ويبدو أن تحقيق مولر قد وضع هدفه «فى السوادة».

 

ترامب متخبط بشكل سيئ فى السياسة الخارجية والداخلية، فى الداخل البعض من حلفائه قلق وهناك قلق فى الخارج أيضًا.
 

فى الداخل، خلق الغلق الحكومى على خلفية أزمة زائفة على الحدود أزمة حقيقية لمئات الآلاف من الأمريكيين، ليس فقط الموظفين الفيدراليين البالغ عددهم أكثر من 800 ألف المعرضين لعدم حصولهم على رواتبهم، أو الآخرين البالغ عددهم أكثر من 420 ألفًا المطالبين -على نحو لا يصدق- بالعمل دون أجر، بل أيضًا الملايين التى تعتمد على إنفاق أولئك الناس.
 

وتبدو استراتيجية ترامب محيرة، لأنها مؤذية بشكل غير ضرورى للأفراد والبلاد وحتى الجمهوريين فى الكونجرس. وقد فارقه البعض من الأعضاء الجمهوريين بمجلس الشيوخ. لقد دعت السناتورة ليزا موركوسكى، إلى إنهاء الغلق الحكومى. وقالت السناتورة سوزان كولينز، إنها تبحث عن حل وسط، الأمر الذى أشار ترامب بشكل درامى إلى أنه غير مهتم به عندما غادر اجتماع مع القادة الديمقراطيين. وكان لكل من موركوسكى وكولينز دور فعال فى إنهاء الغلق الحكومى عام 2013 عندما تباحثتا مع الزملاء فى الجانب الآخر، بينما رفض الجمهوريون الآخرون ذلك.
 

لقد فنَّد الخبراء زعم ترامب بأن هناك أزمة هجرة على الحدود، وتخطو شيطنته للمهاجرين على مسار الديماجوجيين الذى يسعون لاختراع الأعداء ليصنعوا دعمًا، وحتى الناس التى تعيش بطول الحدود تشكك فى زعمه بأن الجدار هو الحل، ومع ذلك فقد شل جزءًا من الحكومة على خلفيته.
 

ويساعد الغلق الحكومى ترامب على إبقاء التطورات الأخيرة بشأن روسيا بعيدًا عن صدارة الأخبار، ولكنه لا يجعلها تختفى، فهذا الأسبوع فقط كشف خطأ فى تنقيح أوراق مقدمة للمحكمة أن بول مانافورت، رئيس حملة ترامب، قد مرر بيانات استطلاعات رأى خاصة بالحملة لشريك تجارى له روابط وثيقة بالكرملين. وهذا أقوى دليل علنى حتى الآن على التنسيق بين روسيا وحملة ترامب. وفى سياق منفصل فقد اتُّهمت المحامية الروسية التى التقت فى برج ترامب بدونالد ترامب الابن وغيره من كبار رموز الحملة ناتاليا فيسيلنيتسكايا فى قضية منفصلة قدمت المزيد من الأدلة على روابطها الوثيقة بالحكومة الروسية. وتنذر القضية ضد ترامب بسوء أكثر كل يوم. وهذا مجرد جزء صغير من مشكلاته.
 

ليس عجبًا إذن أن ترامب يوجه كل شىء نحو الجدار، ويحاول أن يجعلنا ننظر فى الاتجاه الآخر، ويهدد بقطع المساعدات عن سكان كاليفورنيا الذين خسروا كل شىء فى الحرائق الأخيرة، ويقول إنه سيعلن حالة طوارئ إذا لم يحصل على ما يريد.
 

ويرى الجمهوريون ما يفعله الآخرون منّا. «الرجل مجنون»، هذا ما يقوله بعض الجمهوريين فى الكونجرس عن ترامب سرًّا وَفقًا للسناتورة الديمقراطية السابقة كلاير ماكاسكيل التى قالت: «الرجل لا يدرك القضايا، ويتخذ قرارات متسرعة، ولا يسمع لأولئك الذين يعرفون الأمور جيدًا».
 

ويظهر مثال أخير فى السياسة الخارجية التأثير المدمر لاندفاع ترامب على المسرح الدولى بتجول كبار مسؤولى الإدارة عبر الشرق الأوسط، لاحتواء تداعيات إعلانه المفاجئ بأن الولايات المتحدة ستنسحب من سوريا. وقد أعلن على نحو غير متوقع أن القوات الأمريكية «ستعود الآن، لقد فُزنا».
 

وتسبب إعلان ديسمبر فى موجة من الصدمات، وقال جميع الخبراء تقريبًا إنه خطأ، واستقال وزير الدفاع جيم ماتيس، أحد أكثر مسؤولى الإدارة احترامًا، احتجاجًا فى خطاب انتقد أداء ترامب فى السياسة الخارجية. وبدا أن خطة سوريا تناقد جميع أهداف السياسة الخارجية التى ادَّعى ترامب احتضانها. كانت هبة لإيران وهدية لـ«داعش» ومن المحتمل أن تكون ضربة مميتة لحلفاء أمريكا الأكراد، فضلًا عن كونها تقليصًا لدعم إسرائيل.
 

ثم بدأ التراجع والتسكع والتشوش، الأمر الذى بشكل مدهش لا يليق بأقوى بلد فى العالم، وتحول «الآن» إلى بعد قليل، ربما 4 أشهر. وقال مستشار الأمن القومى جون بولتون، إن القوات الأمريكية سترحل لكن فقط بعد هزيمة «داعش» فعلًا «ودعك من تعبير (لقد فُزنا)» وبعد ضمانات بأن تركيا لن تهاجم الأكراد.
 

غضب تركيا بشدة، وعندما سافر بولتون إلى تركيا تجاهله الرئيس أردوغان ورفض لقاءه، ثم قدم وزير الخارجية مايك بومبيو، نسخة أخرى من خطط واشنطن لسوريا، الأمر الذى خلق المزيد من الارتباك.
يحاول المهنيون فى الحكومة الإبقاء على شىء ما من السياسة الرشيدة المتماسكة، لكن عندما يتدخل ترامب قد يختفى المنطق. وتسفر ثقة ترامب بـ«حدسه» وإيمانه النرجسى بأنه يعلم أكثر من أولئك الذين قضوا حياتهم ليفهموا القضايا المعقدة، مدفوعةً بدافعه القهرى لأن يكون محور الاهتمام وهدفه بأن يشوش الواقع، تسفر عن تشوش سياسى مدمر.

 

وهذا أحد أسباب عدم قدرة ترامب على ملء المواقع. ولم يكن ماتيس إلا واحدًا من شخصيات بارزة كثيرة رحلت. فبعد رحيل رئيس موظفى البيت الأبيض جون كيلى (آخر أولئك الذين وصفهم ترامب بـ«جنرالاتى») عن الإدارة تعرض الرئيس للإحراج على الملأ فى أثناء محاولته العثور على بديل لكيلى. وهناك الآن الكثير من الوظائف المهمة فى الحكومة يشغلها مؤقتًا مسؤولون «يقومون بالأعمال».
 

ويحاول ترامب أن يبدو قويًّا، إلا أن أفعاله تدل على توتر وخوف. ومن المرجح أن يصبح خبر شهادة محامى ترامب السابق مايكل كوهن، علنًا أمام الكونجرس فى فبراير القادم، أمرًا آخر سيحاول الرئيس إلهاءنا عنه. إن إيمانه الواضح بأن «أزمة حدودية» وطنية تحميه من مشكلاته يمثل أزمة حقيقية جدًّا فى القيادة الرئاسية بالبلاد.
 


 

فريدا غيتيس
منتجة ومراسلة سابقة فى قناة «سى إن إن»، كاتبة أعمدة فى الشؤون العالمية، كثيرًا ما تشارك بالآراء على موقع القناة وكذلك فى جريدة «واشنطن بوست»، كما تكتب عامودًا فى دورية «وورلد بوليتيكس ريفيو».



أقرأ أيضا

البلد

أخبار طيبة من مصر والسعودية

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن ومبعوث السلام الأميركي جاريد كوشنر يزور القاهرة أن مصر تؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة. كوشنر كان في المنطقة طلباً لتأييد خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل...
يرحمكم الله

الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"...
البلد

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط
البلد

نقوش على الحجر.. عبقرية رضا عبد السلام وأسرته

جاءني صوته عبر التليفون طيبَا نديًّا وقويًّا في آن.. صوت مدرَّب على أن لا يزيد ولا ينقص، صوت مؤكد ولكن في مرونة، صوت يحمل مشاعر ودودة وكأنني أعرفه من سنين.. قال بعد أن ألقى التحية: "أنا رضا عبد السلام من إذاعة القرآن الكريم، أريد أن أجري معك حوارًا في برنامج (سيرة ومسيرة)"
البلد

البرهامى خطر .. لماذا سمحت «الأوقاف» بعودته؟!

جهاد القتال يبدأ بفتوى، التفجير والتفخيخ وإراقة الدماء لا تبدأ بالسلاح، حرق الكنائس وهدمها والتجمهر لإغلاقها بدأت بفتوى، والكراهية المحفورة للآخر الدينى وتكفيره يبدآن بفتوى.. وعلى الرغم من ذلك نجد قرارات بعودة أئمة الفتنة...