.

حيرة بشر عامر عبد الظاهر

Foto

الجميع كانوا يقومون بأدوارهم للبحث عن حقيقة بشر والوصول إلى نتيجة حول الحيرة التى يعيشها.. الحيرة كانت هى البطل الرئيسى لا بشر ذاته


تتميز كتابة أسامة أنور عكاشة بأنه يتحدث خلالها عن أية فترة من الفترات الزمنية بصورة طبيعية وصادقة كأنك تعيشها وأنت تشاهدها، ولهذا كانت عبقرية «زيزينيا» مع المخرج جمال عبد الحميد، أنهم وضعوا لنا إسكندرية الأربعينيات أمامنا بكل سهولة من أحداث سياسية وثقافية واجتماعية بجانب حياة الأجانب فى هذه المدينة الجميلة، فكان البطل بشر عامر عبد الظاهر الذى أدى دوره الفنان الكبير يحيى الفخرانى، الذى أطلق لنا مفتاح شخصيته فى بداية المسلسل حتى نفهم مَن هو وما الذى سوف نشاهده كل حلقة، لكن فى كل حلقة كان هناك جديد لنفس اللغز ولا أحد يعرف كيفية الوصول إلى الحل «أنا السؤال والجواب، أنا مفتاح السر وحل اللغز، أنا بشر عامر عبد الظاهر».. ولكن ما قصتى مع بشر؟!

كان الطبيعى لأية أسرة أن تذهب فى فترة الصيف إلى الإسكندرية، وكان المكان الدائم كل صيف فى المعمورة والمنتزه، كانت المعمورة هى المكان الذى كنا ننتظره كل عام منذ كنا أطفالًا، كانت هناك حالة تعلق كبيرة بهذا المكان الرائع الذى كان خلال فترة ليست بعيدة المكان المفضل لطبقة كبيرة من محبى صيف الإسكندرية، لكن آخر التسعينيات أصبحت لى أمنية دائمة خلال فترة الصيف، وهى أن أقابل شخصًا يشبه بشر عامر عبد الظاهر، أريد أن أرى هذا المصرى الإيطالى، كنت أبحث عن الإسكندرية التى يكتب عنها أسامة أنور عكاشة، وأرى الأجانب الذين يعيشون بها من إيطاليين ويونانيين وقبارصة وأتراك، أريد أن أرى المدينة التى احتضنت كل شعوب البحر المتوسط، أبحث عن بشر وعن أى بشر يقابلنى، كثيرًا ما تمنيت أن أعيش هذه الفترة المهمة فى تاريخ مصر والعالم، فترة الحرب العالمية وصراع كبير بين مصطفى النحاس والملك فاروق، الفترة التى بدأ فيها المصريون يثورون بصورة أكبر ضد الاحتلال الإنجليزى، كانت القاهرة والإسكندرية فى وسط هذا الصراع الكبير، سواء أكان الداخلى أم الخارجى.
كانت حياة بشر بها كثير من الأشياء التى يتمنى الجميع أن يجدها فى حياته، فهو ابن التاجر الكبير فى الوكالة، وخاله هو المليونير الإيطالى، فهو ابن عائلة مصرية- إيطالية كبيرة، وفى الوقت نفسه يحب «عايدة» التى يحاول كثيرون أن يكسبوا قلبها، لكن يكسبه بشر بشهامته.
كنت أريد أن أرى هذه التركيبة، هل هؤلاء بالفعل كانوا موجودين داخل هذا البلد المضطرب فى كل شىء، مصر التى كنا نراها فى «زيزينيا» غير مصر التى كنا نراها عند عرض «زيزينيا» أو حتى الآن، كل شىء يدعو إلى الخوف، أما شخصيات «زيزينيا» فتدعو إلى الأمل، كنت أبحث عن الأمل الذى كان عند «الحاج عبد الظاهر»، الرجل الذى يحب الزواج ولا يملّ منه، أو «الحاجة آمنة» التى ربَّت ابنَى زوجها، بشر وإكرام، مع ولدَيها خميس ومرشدى، أو «نعيمة» المخلصة لوفاة زوجها باستمرارها فى النضال ضد الإنجليز، أو «الشيخ عبد الفتاح ضرغام» البطل الثانى فى قصة الجزء الأول، الولى والخواجة، كان الولى الذى أدى دوره أحمد بدير، والذى كنت أسأل نفسى: هل هو حقيقى؟! هل هناك حالة حب مثل التى كان يحبها ضرغام لعايدة؟
كل صيف يمر كنت أنتظر أن أرى فيه هذه التركيبة الدرامية، هل هؤلاء بالفعل موجودون ؟ هل ما زالت الإسكندرية بعد ستين سنة كما هى؟
كتب أسامة أنور عكاشة عن الإسكندرية أكثر من مرة، فى النوة أو الراية البيضا أو عفاريت السيالة أو ضمير أبلة حكمت.. هذه الشخصيات كلها رأيت شبهًا لها، إلا «زيزينيا»، إذن مَن هو بشر عبد الظاهر؟! وكيف أجده؟!
كانت أزمة بشر الرئيسية هى الحيرة الواقع فيها طول حلقات المسلسل فى جزأيه الأول «الولى والخواجة» والثانى «الليل والفنار».. ما الذى يريد أن يعيشه من بشر الإسكندرانى أو بوتشى الإيطالى، من صاحب مكتب الأقطان أو التاجر فى المنشية، من المناضل ضد الاحتلال أو الهوائى الذى يجرى وراء النساء أو الذى يرتدى الجلباب دائمًا فى كرموز والمنشية أو الذى يرتدى البدلة والبرنيطة فى جليم وزيزينيا؟!
طوال الحلقات يقدم لنا أسامة أنور عكاشة لغزًا جديدًا فى هذه الحيرة، الجميع كانوا يقومون بأدوارهم للبحث عن حقيقة بشر والوصول إلى نتيجة حول الحيرة التى يعيشها، الحيرة كانت هى البطل الرئيسى لا بشر ذاته.. لم أصل إلى بشر نفسه ولكن وصلت إلى أن الحيرة هى التى تفقد أى معنى قد أعيشه ما دمت محتارًا لا أجد طريقًا صحيحًا.
إسكندرية الباشاوات والبهوات والأجانب كانت رائعة، ولكنها ليست حقيقية تمامًا مثل التى نراها فى «زيزينيا» لو فقدت حيرتها. جزء من حقيقتها الرئيسية أن بها هذه الحيرة، أنها مثل بشر بها مزيج من كل شىء جميل وعكسه.
الحيرة كانت موجودة فى كل طريق بحياتنا ولم تكن تحتاج إلى صيف كل عام كى أبحث فى الإسكندرية عن أشباه لشخصيات المسلسل.. كلنا بداخلنا «بشر» وحيرته، لكننا نظن أن هذه الحيرة ليست هى السبب الرئيسى فى هذا التوهان الذى نعيشه.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات