.

الأستاذ سيد

Foto

لا تزال تذكر صوته شارحًا ومجسدًا قصة سيدنا سليمان.. منفعلًا ومقلدًا أصوات وأداء جميع أبطال القصة.. الهدهد والجنى والنبى سليمان وحتى بلقيس


ضريبة فُرضت عليها، جزء من ثمن يجب دفعه، زهيدًا بالنسبة للبعض وغير مهم أصلًا بالنسبة لآخرين، لكنه يعنيها. تتعسَّر ابنتها فى تعلُّم اللغة العربية كعَرض سلبى وجانبى لطموح واختيار الدراسة فى إحدى المدارس الدولية، جانب يؤرقها ولا يمكنها قبوله أو تجاهله.

تحكى لأُمها عن درجات التقييم الضعيفة التى حصلت عليها ابنتها والغالبية من زملائها فى «العربى»، تعيد وتكرر على أُمِّها مخاوفها، كيف ستعرف البنت قيمة ما أنتجه والدها؟ إن لم تعرف البنت ما شقى عليه أبوها، مَن إذن يستحق أن يعرف؟ فابنتها هى ابنة كاتب ذى موهبة خاصة وإنتاج أكثر خصوصية، يجب أن تحافظ عليه بل يجب أن تحفظه. تُهدئ أُمِّها من انفعالها وتطلب منها أن تتوقف عن القلق والمبالغة ولو يومًا واحدًا من حياتها، تلفت نظرها: «مش لازم بنتك تحب العربى زى ما كنتِ بتحبيه».
نعم هى تحب «العربى»، كانت تحب وتتحمس وتخلص لكل ما يعلمه ويدرّسه لها معلمها وأستاذها الخاص.
كانت طفلة لم تُكمل بعد عامها السادس، لا تملك إلا الهدوء والصمت والملامح البريئة، تسافر بصحبة أسرتها إلى قرية والدها عدة أيام كل فترة، تتعرض لحادث سقوط فى إحدى ليالى الريف التى تنقطع فيها الكهرباء أكثر مما تتصل، تنكسر قدم الصغيرة لتمضى شهورًا فى المستشفى وتجرى أكثر من جراحة. أوضح ما تذكره هو آلام قدمَيها، وأنها طلبت من أُمِّها وقت الحادث ألا تُبلغ جدتها، كى لا تفزع، فبكت أُمُّها أكثر.
بعد شفائها بوقت كافٍ، لجأت الأم إلى صديقة لها تشاورها فى السبيل لتعويض ابنتها عما فاتها من دراسة وكيف يمكن أن تلحق بزملائها دون الحاجة إلى ضياع سنة من عمرها، فيكفيها ما عانته من سُكنة المستشفيات. تقترح الصديقة أن تبعث إليها بشقيقها المدرس يوميًّا وأكدت لها أنه قادر على تعويضها.
تخشى الطفلة من الفكرة، تحاول التهرب بالبكاء وادّعاء الألم، ولكن دون جدوى. حملها والدها حملًا حتى أجلسها أمام مدرسها الجديد، نظر الأستاذ إليها نظرة جادة وحادة وسألها: «عندك كراسة رسم؟»، ضحكت وأتت إليه بما طلب وبشنطة كبيرة من الألوان.. بدأ برسم مجموعة من الحيوانات والزهور، طالبًا منها تلوينها. أذاب كل تخوف بقلب الصغيرة فى لحظات، سَرَت بينهما ألفة حاصرها الاحترام ومحبة أثقلتها الجدية.
أصبح أستاذًا ومعلمًا لها ولأطفال العائلة والجيران أيضًا، أخذ بيدَيها وأيديهم، علمهم النظام والترتيب قبل الحروف والصَم، أثرى عقولهم بالخيال والتطلع، كان يشرح لهم قواعد اللغة العربية ونصوصها ودروسها، ونظريات الحساب ومصطلحات الجغرافيا وحكايات التاريخ، يُحفظهم القرآن ويجسد لهم قصص الأنبياء. لا تزال تذكر صوته شارحًا ومجسدًا قصة سيدنا سليمان، منفعلًا ومقلدًا أصوات وأداء جميع أبطال القصة، الهدهد والجنى والنبى سليمان وحتى بلقيس، يصف لهم القصر الزجاجى المشيد فوق جداول الماء، يقرأ عليهم كتب العقاد وطه حسين، يفسر لهم أسباب تفكك الاتحاد السوفييتى ومبررات حرب الخليج، يفتح لهم أطلس الخرائط يشرح ويسترسل فيتسع أمامهم العالم، يبهرهم بتطور اليابان ومنظومة العمل فى الصين، يشجعهم على قراءة الصحف، يتحدث معهم فى السياسة، يفند لهم شروط تقدم الدول ونمو اقتصادها، لا يقبل البلادة أو التهاون، ويشجع ويثنى ويزهو بالتفوق والاهتمام.
بات صديقًا مقربًا للأب، لا يبدأ الدرس قبل إجراء حديث معه حتى إن كان سريعًا، يشكو إلى الأم أحيانًا إن أرسلته لمساعدة أحد أطفال العائلة، إن كان طفلًا غير مُرتب أو غير مُهندم بما يكفى! تبتسم الأم وتزداد ثقتها به وتعِده بأنها «هتتصرف».
أحد عشر عامًا مرَّت، صارت مواعيد حضوره ومواقيت درسه لها ولأخيها مقدسة ومسلمًا بها كجزء أصيل من البيت ونظامه وجدوله.
وصلت إلى الثانوية العامة، فحجز لها والدها فى أحد أشهر المراكز المتخصصة لتدريس جميع مواد الثانوية كجزء من منظومة السحق والبزنس التى تلجأ إليها كل الأُسر -مضطرة- للتقرب من حلم التفوق وراحة الضمير.
وفى ميعاد درسها المعتاد الذى لن يبدأ أبدًا، جلست مكان ما اعتادت، فتحت كتابها وفتحت معه صمامات دموعها، لم تستطع التوقف عن البكاء، بدأ صامتًا رقيقًا ثم ما لبث أن تحول إلى بكاء حاد قلق تزداد معه رعشة جسدها وصوت نحيبها، يلمحها أبوها فيعرف ويمضى فى تفهم وصمت.
يمر الوقت دون إنجاز، تحاول التوقف عن البكاء، تنجح لثوانٍ لتبدأ فى نوبة أخرى، بينما تحاول النظر فى سطور الكتاب تسمع صوته قادمًا معاتبًا: «إيه يا ستى، ينفع كده؟!»، ترفع رأسها لتجد أستاذها أمامها حانيًا بشوشًا وقلقًا فى آنٍ، يقف خلفه والدها بابتسامة: «كلّمته وجالك أهُه، ماتعيطيش بقى».
ظل معها حتى هدأت، أعاد عليها ما لبث أن بثَّه فيها لسنوات من قواعد النظام وضبط الوقت ووجوب المذاكرة وشروط دقة المراجعة، جدد ثقته بها وثقتها بنفسها، ذكَّرها بما ينتظرها من مسؤولية وبقدرتها على رفع رأسه.
لفتت خالتها انتبهاها ذات مرة إلى أن أستاذها هو أول مَن درَّبها على فنون عملها كمخرجة صحفية مسؤولة عن شكل وترتيب وتوضيب كل صحيفة عملت بها، هو مَن عوَّدها على النظام وحُسن الخط وقواعد تنظيم الكتابة وتمييز «فنط» العناوين عن المتون، وأنه لا تصح الكتابة فى أية صفحة دونما تسطير وتأطير مناسب، بقيت تذكره وتحكى عنه لزملائها فى العمل فلا يصدقونها، تضرب لهم مثلًا بمحمود ياسين فى «غدًا تتفتح الزهور»، كى تُقرب إليهم الصورة فتسرى بينهم ابتسامة حنين وفهم.
عادت يومًا من العمل إلى بيت أُمِّها كى تأخذ ابنتها كما العادة، سمعت صوتًا مألوفًا وضحكات ابنتها تعم البيت وتملؤه بهجة وتزيده كركرة، تسير خلف الصوت لتجد أستاذها جالسًا مع ابنتها التى تشبهها تمامًا وقد افترشا سويًّا كراسات الرسم والألوان وكتب حروف الهجاء الأولى، تشعر وكأنها ترى صورة متحركة للقائهما الأول وقد مرّ عليه ثلاثون عامًا كاملة.
تذهل ضاحكة مستبشرة تملأ قلبها السعادة بينما تهمس لها أُمها فى ثقة: «اتصرفت على طريقتى، ولعلمك بقى هتبقى أشطر منك فى العربى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات