.

صحافة عادل إمام الخيالية

Foto

لماذا لا تستعين الدراما بمتخصصين لكتابة تفاصيل كواليس العمل الصحفى؟ كيف ظهر الفساد فى العمل كعناوين مثيرة بلا مضمون قوى؟


المسافة بين حال الصحافة هذه الأيام وحالها فى مسلسل عادل إمام «عوالم خفية» كالمسافة بين مبنى نقابة الصحفيين بوسط القاهرة وأى مكان يعجبك على كوكب المريخ، والصورة التى يقدمها المسلسل «أولد فاشون»، رغم أن أحداثه تدور فى الزمن الحاضر، ونموذج الصحفى الجرىء المستقل الذى يمتلك مستندات تدين كبار رجال الدولة وينشرها متحديا نفوذهم ضرب من الخيال العلمى الذى لا نراه فعليا، هذا الصحفى انقرض لأسباب عديدة، منها حساسية الدولة الشديدة من الصحافة، ومن فكرة مناقشة قضايا الفساد على صفحات الجرائد، وأغلب القضايا التى تهم الرأى العام، وتصل للنيابة يصدر قرار بمنع نشر أى شىء يتعلق بها، وهناك الكثير مما تعانيه الصحافة  الحالية ولا نراه فى «عوالم خفية»، وحتى صورة التعاون بين الصحفى الشجاع وأجهزة الدولة الرقابية يبقى صورة درامية خيالية لطيفة لا علاقة لها بالواقع الذى تعيشه الصحافة هذه الأيام، ورغم أن الدراما فى النهاية حكاية خيالية، فإن جذور هذا الخيال تنبت من الواقع الذى يعيش فيه الكاتب والممثل والمخرج.

مشاهدة الحلقات الأولى من «عوالم خفية» تذكرنا بالنهاية المؤلمة للفنانة الراحلة سعاد حسنى، رغم أن المسلسل لا يشير إليها صراحة. انتشرت حكاية بعد الوفاة الغامضة لسعاد حسنى، وهى أنها كانت تكتب مذكراتها فى أثناء إقامتها للعلاج فى لندن، ونجمة الستينيات والسبعينيات كانت واحدة من أشهر بطلات الأفلام فى زمانها، وأصبحت نموذجا للفتاة المرحة الجريئة المعاصرة، وحصلت على لقب السندريلا بعد أن توجها الجمهور كأميرة أحلام جيلها، وأما إشاعة كتابتها مذكراتها فظلت أمرا غامضا يكتنفه الضباب، تماما مثل إشاعة علاقتها بجهاز المخابرات فى فترة صلاح نصر، ووفاتها بعد سقوطها من بلكونة الشقة التى كانت تقيم فيها فى لندن جعل من كل تلك الإشاعات مادة ثرية ومثيرة للصحافة المصرية، ولكثير من نظريات المؤامرة، وكانت الاتهامات موجهة لجهات كثيرة، كل جهة لها مصحلة فى عدم نشر مذكراتها المزعومة، ولكن لم تثبت الشرطة الإنجليزية شيئا من هذه النظريات، وظل سبب الوفاة الأرجح هو الانتحار نتيجة الاكتئاب.
هذه الحكاية كانت ملهمة لكتاب سيناريو مسلسل «عوالم خفية» الذى يبدأ بحكاية الممثلة مريم رياض «رانيا فريد شوقى» التى تكتب مذكراتها، وتكشف فيها فساد كثير من الشخصيات التى عرفتها، ولأنها تخشى من خطر يتهدد حياتها من الأسماء التى كتبت عنها فهى تخفى مذكراتها المكتوبة بخط اليد داخل غلاف رواية تحمل عنوان «عوالم خفية»، وتتعرض للقتل بعد هجوم ملثم عليها فى منزلها وإلقائها من شرفة المنزل، وفى أثناء الصراع مع القاتل تسقط المذكرات من الشرفة، وتُقيد وفاة الممثلة انتحارا، وتصل مذكراتها بالصدفة إلى الصحفى هلال كامل، الذى يظنه رواية.
اختار عادل إمام التغيير بعد سنوات من العمل مع الكاتب يوسف معاطى، وهذا العام يجسد شخصية الصحفى هلال كامل فى عمل من تأليف أمين جمال ومحمد محرز ومحمود حمدان، والعمل من نوعية الحكايات التى تصور البطل الواحد الذى يكشف الفساد الحكومى، ويواجه مافيا خطيرة تمتلك النفوذ الكبير، ويبقى أمام عادل إمام التفكير جديا فى التعامل مع مخرجين آخرين غير رامى إمام، مخرج «عوالم خفية»، وخمسة من مسلسلات عادل إمام خلال السنوات الأخيرة.
عادل إمام فى المسلسل أفضل كثيرا مما كان عليه فى الأعمال الدرامية التليفزيونية السابقة، ربما لا يقدم فى «عوالم خفية» عملا عظيما وجريئا كما يحاول أن يبدو، لكنه يتحرك على أرض درامية مستقرة، ويؤدى دورا مفهوما وله أبعاد واضحة، صحفى مهموم بالبلد، ويستخدم مقالاته لفضح الفاسدين، ونشر الوثائق التى تدينهم، ويؤدى دوره بهدوء، وبلا مبالغة، ويحرص على أن تكون اللمحات الكوميدية موظفة فى مكانها بلا إسراف.
المسلسل يضم عددا كبيرا من الممثلين وضيوف الشرف، لكن أداء منهم يلفت النظر بشكل خاص، ومنهم فتحى عبد الوهاب وصلاح عبد الله ومحمود حجازى، كما يشهد المسلسل لقاء بعد غياب طويل بين عادل إمام وسمير غانم الذى يظهر كضيف شرف مجسدا شخصية رئيس سابق للرقابة عن المصنفات يعانى من ضعف الذاكرة.
أزمة المسلسل تبدأ بعد الأسبوع الأول، وهو الأكثر تماسكا دراميا، وفى هذه المرحلة كان هلال كامل يبحث ويحقق فى حقيقة الاتهامات الموجهة لشخصيات رمزت لها مريم رياض بالأحرف الأولى، وكما كانت جريمة قتل ممثلة فى فيلم «المذنبون» الذى أخرجه سعيد مرزوق عام 1975 بداية لتعرية فساد المجتمع فى تلك الحقبة، تفتح مذكرات الممثلة فى «عوالم خفية» كثيرا من صور الفساد داخل المجتمع، وفى أروقة بعض وزارات الحكومة، ويعرج المسلسل على أنواع أخرى من الحكايات الجدلية التى تتماس مع أحداث واقعية، منها رفع علم المثليين فى حفل غنائى، وحكاية المدرس الذى يتحرش بتلميذاته، والمخدرات التى تحول الشخص لزومبى، وحكايات أخرى تشوش على الخيوط الدرامية الأساسية لقضايا الفساد التى يكشفها هلال كامل، وهى خيوط تخلو من التفاصيل الجذابة، وتشبه المانشيتات المثيرة لمقالات بلا مضمون، وهذا العيب الذى يسيطر على أحداث باقى حلقات المسلسل، فمعالجة العمل لقضايا الفساد ينقصه المصداقية وجاذبية العرض الدرامى، ولهذا نتذكر كيف قدم فيلم «المذنبون» فكرة مشابهة، استلهمت قضايا فساد حقيقية يعانى منها المجتمع، وكيف قدم فيلم آخر لعادل إمام فكرة مُحارب الفساد، بمعالجة جذابة فى فيلم «اللعب مع الكبار» تأليف وحيد حامد وإخراج شريف عرفة.
فكرة حصول هلال كامل على مذكرات مريم رياض بهذه الطريقة الغريبة، التى لا تخلو من المصادفات الساذجة جزء من سذاجة الشكل الذى يرسمه المسلسل عن الصحافة، وهو أمر يعيب معظم كتابات الدراما التى تتناول مهنة الصحفى، وما زالت تتعامل مع تفاصيلها من كتالوج الشكل النمطى للصحفى فى الأفلام والمسلسلات القديمة، وما زال كتاب الدراما يستخدمون الجملة الأسطورية التى يطلب فيها رئيس التحرير إرسال المقال إلى المطبعة، وأى كاتب سيناريو يستطيع زيارة أى جريدة ليعرف المراحل المتعددة التى يمر بها المقال قبل أن ينتهى به الأمر داخل ملف إلكترونى يضم صفحات الجريدة، وهو ملف بصيغة تسمى PDF، وهذا الملف يتم إرساله للمطبعة فى إيميل، وغالبا لم يزر صحفى أو رئيس تحرير المطبعة، ولم يلتق بعمالها أو العاملين بها، ونصيحة لكتاب الدراما الاستعانة بمتخصصين بالعمل الصحفى لكتابة أعمالهم، أو على الأقل مشاهدة الأعمال الدرامية الأجنبية التى تناولت الصحافة فى أزمنة مختلفة، كى يستلهموا منها فقط الدقة فى التعامل مع تفاصيل العمل الصحفى، خصوصا عندما تكون المادة الأساسية لمسلسل مكون من 30 حلقة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات