.

السياسة فى مواجهة احتجاجات التقشف.. هل الأردن بلد ديمقراطى على غرار الديمقراطيات الغربية؟

Foto

لماذا أصدر الملك عبد الله قرارًا بتجميد الزيادات فى أسعار الوقود والكهرباء بعد الاحتجاجات؟


كثيرٌ من الأنظار اتجه، الأسبوع الماضى، إلى الأردن، لم يكن سبب هذا فقط مظهر الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية التى وصفها البعض بأنها استثنائية، لكن كان الالتفات كذلك إلى رد فعل الملك عبد الله ملك الأردن، الذى قدم صيغة «سياسية» فى التعامل مع ما تطرحه الحكومة منذ فترة من إجراءات اقتصادية تقشفية، كانت قد تسببت فى موجة الاحتجاجات الأخيرة التى قادتها النقابات وحظيت بدعم شعبى واتسمت ببعد مطلبى بالأساس كان سقفه السياسى هو المطالبة بإسقاط الحكومة (حتى لحظة كتابة هذه السطور).

وهنا وإن كان لا يمكن القول إن الأردن بلد ديمقراطى على غرار الديمقراطيات الغربية، لكن كذلك لا يمكن وصفه بالنظام الديكتاتورى الكلاسيكى المتصلب، على غرار ما تشهده بلدان مختلفة من المنطقة العربية. فمن ناحية، فإن الأردن وَفق مؤشرات قياس الديمقراطية يصنف على أنه بلد «شبه حر» مثله مثل المغرب ولبنان والكويت، بتعبير آخر الأردن ليس بلدًا «حرًّا» مثل إسرائيل وتونس اللتين تتصدران مؤشرات الديمقراطية فى المنطقة، لكنه أيضًا ليس بلدًا «غير حر» مثل باقى بلدان الشرق الأوسط، والتى من بينها مصر وَفق المؤشرات نفسها.
الأردن إذن تشغل وتتيح مساحة وسط بين هذا وذاك، تلك المساحة التى قد تتقلص أو تتسع وَفق المتغيرات الداخلية والخارجية، ربما هى ما أتاحت مساحة من الديناميكيات السياسية المحكومة من أعلى فى المجتمع الأردنى، تضمن امتصاص وتقليص مسببات التوتر فى المجتمع، والتماشى مع رغبة وهوى ملكى فى الانفتاح على الخارج الذى يعنى الكثير سياسيًّا بالنسبة إلى بلد مثل الأردن، والأهم أنها تتيح مساحات الفعل والفعل السياسى المقابل من قطاعات المجتمع والسلطة وَفق أطر محددة ومتفق عليها ضمنيًّا لدى الفاعلين السياسيين فى الداخل.
تلك الحالة «السياسية» «المناورة» من السلطة ذات الاستجابة الباكرة ربما هى ما أتاحت للأردن تجاوز أن تبلغها رياح الربيع العربى، وتجنب وصول النظام الحاكم إلى نقطة اللا عودة مثلما ذهب الآخرون حيث التعنت وحتى القرارات المتأخرة حينما تكون العروش مهددة كلفتها باهظة على الجميع، وهو أمر كانت ستبقى تداعياته خطيرة فى الأردن، خصوصًا أننا نتحدث هنا عن بلد ذى موارد اقتصادية محدودة، يتشارك حدودًا مع بلدان ذات طبيعة ملتهبة، مثل العراق وسوريا، ناهيك بالطبيعة الديموغرافية المعقدة للمجتمع الأردنى ذى الطبيعة العشائرية (50 فى المئة من السكان من أصل أردنى، و50 فى المئة من أصل فلسطينى).
وهكذا كان تبنى طرح سياسى وقتها متمثلًا فى حزمة من الإصلاحات السياسية (التى يختلف البعض حول تقييمها واستمراريتها لاحقًا)، مثل تعديل الدستور الأردنى، وحل البرلمان، وتعديل قوانين الانتخاب وتأسيس الأحزاب، وتخصيص كوتة للمرأة، وتأسيس المحكمة الدستورية، وإنشاء صندوق وطنى لدعم الديمقراطية وغيره من إجراءات أخرى لتجاوز موجة الربيع العربى باستخدام قدر كبير من السياسة.
لكن حتى إن كان انشغال المجتمع الإقليمى والدولى لاحقًا بأولوية الحرب على الإرهاب وتداعياته ونزوح اللاجئين قد تقلَّص معها الاهتمام بفكرة الديمقراطية بشكل عام داخل الأردن، إلا أن قرار السلطات الأردنية تبنى حزمة من الإجراءات التقشفية مؤخرًا، على خلفية حصول الحكومة فى عام 2016 على قرض بقيمة 723 مليون دولار من صندوق النقد الدولى، لدعم إصلاحات اقتصادية بشروط من بينها إلغاء الدعم ورفع الضرائب، كان بمثابة اختبار جديد للسلطات الأردنية، وضعها لا يزال ما بين خيارَى التصلب والمرونة، التعنت والسياسة فى مواجهة ضغوط يعانيها المواطن الأردنى فى بلد ارتفعت فيه الأسعار بشكل مضطرد خلال السنوات الماضية، وخلفت رد فعل مفهومًا تمثَّل فى احتجاجات كبرى فى أماكن عدة من البلاد.
البداية كانت «الأربعاء» الماضى بعد أن دعت النقابات المهنية إلى إضراب عام، رفضًا لتعديلات مشروع قانون الدخل الذى يوسع قاعدة الخاضعين لضريبة الدخل، وهو قانون من وجهة نظر الحكومة يقلل من حدة الأعباء الاقتصادية على الموازنة ويواجه حالات التهرب الضريبى المنتشرة، ويوفر للدولة 300 مليون دينار (420 مليون دولار) للخزينة كل عام، ويقلص من حجم الدين العام من نحو 94 فى المئة من الناتج المحلى الإجمالى إلى 77 فى المئة بحلول عام 2021.
لكن على جانب آخر هو قانون يمثل من وجهة نظر المحتجين ضغطًا على المواطن الفقير والطبقات الوسطى التى تضررت كثيرًا بسبب إجراءات التقشف التى شملت رفع ضريبة المبيعات العامة هذا العام وإلغاء دعم الخبز وسلع أساسية أخرى.
وهكذا فقد بدأ الإضراب بمشاركة العديد من النقابات المهنية وجماعات الأعمال، وقد احتشد المتظاهرون الرافعون شعار «ماعناش» فى أماكن عدة، خصوصًا أمام مجمع النقابات المهنية، بينما شهدت العاصمة الأردنية إغلاق عدد من المحلات التجارية والشركات وجدت النقابات المهنية دعوتها إلى اعتصام جديد فى جميع المحاظات غدًا الأربعاء.
وبينما رفضت الحكومة سحب مشروع القانون الذى قدم إلى البرلمان، فقد أصدر أغلبية النواب (78 من أصل 130 نائبًا) بيانًا أكدوا فيه تصويتهم ضد مشروع القانون، وهو ما يبدو محاولة لنزع فتيل الأزمة دون أن يضع الحكومة فى حرج بتراجعها عن القانون حال عدم الوصول إلى حل وسط، دون أن تبدو الحكومة وكأنها ضعيفة يتم ابتزازها، خصوصًا أن الحكومة التى خاضت حوارات مع النقابات وأكدت استعدادها الدخول فى المزيد رفضت التراجع عن مشروع القانون وسحبه.
أما الملك عبد الله الذى أضفى الكثير من السياسية على المشهد والذى عادة ما يميل إلى أن يبدو حكمًا بين الأطراف، فقد لجأ إلى محاولة استيعاب سياسى للأزمة، وقد أمر بتجميد زيادات أقرتها الحكومة على أسعار الوقود والكهرباء بعد الاحتجاجات التى شهدتها البلاد، ومع تجدد تلك الاحتجاجات دعا «الأحد» الماضى إلى حوار وطنى شامل للوصول إلى صيغة توافقية حول مشروع قانون الضريبة بمشاركة الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدنى، مؤكدًا أنه «ليس من العدل أن يتحمل المواطن الأردنى وحده تداعيات الإصلاحات المالية، وأنه لن يتهاون مع التقصير فى تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين».
عمليًّا، وحتى لحظة كتابة تلك السطور، لم تنتهِ الأزمة فى الأردن، فلا الحكومة تراجعت عن موقفها ولا المحتجون كذلك، لكن يظل الرهان فى النهاية على السياسة التى كانت كلفة تنحيتها فى كثير من مجتمعاتنا العربية باهظًا تدفعه الشعوب العربية حتى اليوم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات