.

تأملات غير عاقلة.. من وحى دونالد ترامب!!

Foto

كان الأمر صدفة بحتة، أقولها صادقة.. فى اللحظة التى انتويت فيها حربًا محرضة داعية لصالح مدرسة ترامب، التى فى الأغلب تناقض كل ما بشَّرنى به مَن اخترتهم «أئمة الحياة»


فررت إليه بعد إعلان فوز «مطور عقارى»، اشتهر بالصلافة والمجون، ليترأس أمة تقود العالم.. كان الوقت نهاره قد انتصف.. أجول فى معرض للكتاب، فى لحظة سلام نفسى بين الكتب، أشبه بجملة اعتراضية، مقتنصة، من زمن لم يعد يجود بالكثير من لحظات السلام، لما نما الخبر أكيدًا، وفاز برئاسة أمريكا، واحد عله لم يتوقف يومًا أمام كتاب.. لم أستغرق فى دلالة «المأساة السياسية» ولا كان يشغلنى غير خاطر ظل يحاصرنى: تُرى ما قيمة كل الكتب، كل المعانى والتجارب والحكم والأشعار والروايات، إن كان الأمر فى النهاية «يؤول» إلى دونالد ترامب؟!


نازعتنى فكرة مقال مجنون يدعوك «أن لا تقرأ».. بل أن لا تفكر وأن تترك لحواسك القياد.. ألم يبدو هذا الرجل الذى سوف «يتسيَّد»، أشبه بكتلة منفلتة من الغرائز؟ طال الأمر معى حتى أوصلنى إلى كلمة، دون وعى رددتها: عبث!


ثم خشيت على نفسى: يفوز ترامب و«أخسر» أنا كل ما راهنت عليه عبر عمر.. قناعات ورؤى وسعى، ليشف العقل وينتظم، ويترقرق الإحساس.. فى تلك اللحظة كنت أمام صف من كتب لواحد بعينه، وإن كانت قد زادت عنوانًا.. كانت المصادفة أن هذا الواحد قد بنى حضوره الجميل، لدىَّ ولدى ملايين من البشر فى أركان الكون على كونه يكشف أسرار المتعة الكبرى.. متعة اكتشاف المعانى.. متعة أن تقرأ.

كان الأمر صدفة بحتة، أقولها صادقة.. فى اللحظة التى انتويت فيها حربًا محرضة داعية لصالح مدرسة ترامب، التى فى الأغلب تناقض كل ما بشَّرنى به مَن اخترتهم «أئمة الحياة»، أجد نفسى فى مواجهة «ألبرتو مانجويل».. ذلك الموسوعى المولود فى بيونس آيرس، المتجنس بالجنسية الكندية منذ عام ١٩٨٢، والذى اختار فرنسا مستقرًّا، وجاب الدنيا، والذى أول ما عرفه الناس كان سكرتيرًا لبورخيس، أو شيئًا من هذا القبيل.


هذا كاتب «دليل» يقودك إلى «الخلاصة»، كاشفًا عن «ذهب» الحرف.. يملك مهارة من نوع فريد تمكنه من صيد «الزبد» من بين أطنان الأوراق، الظاهرة والمتوارية.. نمت شهرته من كونه «قارئًا» وإن كان كاتبًا جاوَر «كاتبًا».. وهكذا وجدتنى أفيق على ألبرتو مانجويل، الساحر القادر على تحويل الكتب إلى «أرواح» و«شخوص» و«آفاق» و«عوالم»، جنات وحيوات، الكاتب الذى كل إنجازه محوره، فكرة أن «تقرأ» بتنويعات على تاريخ القراءة والمكتبة فى الليل، حيث يوميات القراءة وفن القراءة.. الحق: ساورنى معنى شرير، أن ترامب ناجح متسيِّد متزعِّم فوق قمة هرم، فلعل صديقى مانجويل أحق بلقب «زعيم الخاسرين»!


أوليست الصورة أو الصور من حولنا تؤكد فى كل لحظة أن مَن اتبعوا الحرف يأتون فى ذيل السباق، بل ربما ماتوا كمدًا.. حتى إن احتفوا بهم أو أعلنوا تقديرًا لهم، لكنهم غالبًا فى زمرة «المكابدين».. يرثون هم البشر ويورثونه للتابعين؟! تذهب حواسهم المرهفة فداء للمعانى، وربما حيواتهم، ويبقى سميكو الجلد، أصحاب الفظاظة والجلافة، غير المروضة نوازعهم.. لا يبقون فقط بل يتولون الزمام.. لم أملك شجاعة الدعوة الشريرة لأن يكف الناس عن سعيهم أن يكونوا بشرًا مروضى النوازع ويستسلموا أمام ما يجرى.. كان هناك رمق فى داخلى يقاوم ترديًا يحاصرنا وتشبثت بمانجويل!


فى واحد من أعماله يتساءل: هل نستطيع أن نقرأ السياسة بوصفها أدبًا؟ كان يحكى عن موت تشى جيفارا (ربما نعتبر جيفارا، الذى مات لأجل معانٍ، كذلك من حزب الخاسرين ما دامت المسائل تنتهى بترامب!) حكاية ليست بالقصيرة جمعت ما بين جيفارا وكاسترو، يبدأها بواقعة سقوط جيفارا ورفاقه فى كمين، فى بوليفيا، وأسر بطل الثورة الكوبية. وبدأ استجوابه. ظلت الساعات الأخيرة لجيفارا مطوية لا يعلم أحد ما دار فيها، حتى أواخر التسعينيات، يعنى سبعة وعشرين عامًا بعد رحيله.


سجل كولونيل أندريه سيليش، الذى اعتقله، ما دار بأمانة واحترام، واستوقفنى حوار جيفارا الذى سأله فيه لِمَ يبدو مهمومًا، وكان رد جيفارا «لقد فشلت.. لقد انتهى كل شىء».


سأله الضابط: هل أنت كوبى أو أرجنتينى؟
رد جيفارا: أنا كوبى، أرجنتينى، بوليفى، بيرونى، أكوادورى، و..


سأله الضابط: ما الذى أتى بك إلى بلادنا لتقوم بعمليات؟


رد: ألا تستطيع أن ترى الحالة التى يعيش فيها الفلاحون؟ إنهم كالبدائيين، يعيشون فقرًا يعتصر القلب، متروكين كالحيوانات.


من هذا الحوار يروى مانجويل حكاية ملحمية إرنستو تشى جيفارا دى لاسيرنا، قاصدًا أن يكتب الاسم كاملاً، يوازى ما بين كينونة «الأيقونة» الملحمية، الذى هو مسيح عصر مانجويل، وبين وضعية الشاب الذى كأنه مانجويل. يقول لقد رأى ما رأينا وأحس كما أحسسنا بالسخط إزاء المظالم (لجوهرية الظرف الإنسانى).. هو أقدم على فعل، خلافًا لنا.. يتتبع رحلة تشى لنصل إلى ما أردته: شىء من مثالية جيفارا يبقى حيًّا حتى بعد الهزيمة السياسية، حتى فى أيامنا هذه، الأيام التى نال الجشع فيها سمة الفضيلة، وطموح الشركات القابضة العملاقة يتجاوز أى اعتبار.. لقد تحوَّل جزئيًّا إلى شخصية أمريكية لاتينية متعددة الألوان تستخدم فى تزيين القمصان وأكياس التسوُّق، وفى بوليفيا تنظم هيئة السياحة رحلات إلى موقع مقتل تشى، وإلى المستشفى الذى عرض فيه جثمانه.. ومع ذلك لا يزال وجهه حاضرًا حيًّا بقبعته المائلة ذات النجمة أو ميتًا محدقًا كأن عينَيه تستطيعان أن تنفذا إلى نقطة خلف أكتافنا.. يظل منطويًّا على رمز بطولى عن دور الرجال والنساء، دور الإنسان.. يقول مانجويل إن ملامحه منسجمة مع الدور الذى اضطلع به.


وربما يجيب عن السؤال: هل يمكن أن نقرأ السياسة كأدب؟
الأدب الملحمى يحتاج إلى الأيقونة، مَن الأيقونة: زورو.. روبن هود..؟ فى المستشفى الذى ذهبوا بجيفارا إليه بعد مقتله، كانت راهبات المستشفى يقصصن فى خلسة شعيرات من شعر جيفارا ويضعنها فى أوعية مقدسة، كأنه المسيح، والرهبان يحيطون به كجند الرومان.


يحيلنا مانجويل إلى فيلم فرناندو سولاناس الوثائقى ذى الساعات الأربع «ساعة الأفران» الذى يسجل التاريخ الأرجنتينى منذ البداية حتى مقتل جيفارا، ولقطة تسليط الكاميرا على وجه تشى الذى فارقته الحياة، الرجل الذى حمل عنا وزر تأنيب الضمير! يقول إن اللحظة التى أطلق فيها النار عليه «كانت النقمة الجدية على الظلم الكونى»، وعن هذه اللحظة يقول إنها كانت من أى شعر ركيك كتب فى تمجيدها.. كان أنبل من الاستعارات المنمقة.. من تلك اللحظة صار تشى المبدع المتوقد ورجل الأفعال معًا.. تشى انتقل إلى الفعل بدلاً من تأمُّل الأهداف.. أصبح الشخصية التى احتاج إليها جيلى، لترتاح ضمائرنا.


أحيانًا تكون للسياسة بلاغة الإبداع.


وإن طبقنا الأمر على اللحظة التى يتصدرها ترامب لن نعدم الموازى له، وإن كان الأرجح أن معظمه سيكون مما تحمله جدران، مخدوشة الحياء!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات