.

انتصاراتى الصغيرة

Foto

كنت أعلم جيدا أن الأستاذ نجيب لا يجرى أى مقابلات فى بيته، وأن أحدا من الصحفيين لم يلتقِه ولا أسرته فى البيت.. لكن هذه هى الفكرة التى رحت أخطط لها بخيال أول عشرينات العمر، أو بما تصورته ساعتها «انفرادا يصنع مجدا مهنيا!»..


التقيت الأستاذ نجيب محفوظ فى حوارات عمل مرات عديدة، منذ بداية عملى الصحفى.. لكن المرة التى أعتبرها بالنسبة إلىَّ «علامة»، كانت قد سبقت حصوله على نوبل بعامين أو ثلاثة.. كان العمل فى مجلة «صباح الخير» يمتزج فى أحوال عديدة بمس من «الشقاوة» أو المغامرة اللطيفة، التى تدفع بين حين وآخر إلى «فكرة» غير مألوفة، أو تكسر نمطا ما.. كنا فى الأول من ديسمبر، شهر مولد الأستاذ نجيب وأيضا شهر الأعداد السنوية الممتازة لمجلتنا.. عدد عن السينما، وعدد قرب رأس السنة.. لما بدأت التواصل مع الأستاذ نجيب لتحديد موعد.. كعادته، بدا رقيقا، مرحبا، إلى أن ألقيت عليه بما جعلنى أتوقع صمتا ولو لثوانٍ: «أنا بس بستأذن حضرتك نلتقى فى البيت.. عاوزين نقول لحضرتك كل سنة وانت طيب!».

كنت أعلم جيدا أن الأستاذ نجيب لا يجرى أى مقابلات فى بيته، وأن أحدا من الصحفيين لم يلتقِه ولا أسرته فى البيت.. لكن هذه هى الفكرة التى رحت أخطط لها بخيال أول عشرينات العمر، أو بما تصورته ساعتها «انفرادا يصنع مجدا مهنيا!».. فى الحقيقة أن الأستاذ، لم ينفعل ولا رفض، وبنفس الإيقاع الودود أشار إلى أنه كان يتمنى لو تم ذلك، لولا إصلاحات تتم فى البيت على رأسها «السباكة» وهذا، ما لا يوفر لا المكان ولا الهدوء اللازمين لإجراء الحوار.. لم أيأس أو ربما لتوقعى لهذه الممانعة، عاودت المحاولة أو ألححت، لدرجة ربما لم يجد الأستاذ معها من حل إلا أن نلتقى عصر يوم سابق على ميلاده بساعات.. لأدخل أنا بيت نجيب محفوظ الذى لم يدخله صحفى قبل «نوبل»، حاملة وردا وتورتة.. لألتقيه ويفيض كرمه بأن يسمح بالتعرف على «المدام» وأم كلثوم وفاطمة.. لأجرى ليس فقط الحوار، ولكن أضع وصفا دقيقا لبيت نجيب محفوظ، كأننى اخترقت موقعا عسكريا، ولأظل أتيه، دون أن أعلن، على زملاء المهنة، والأهم على «جمال».. أنه وهو الذى تعود علاقته بالأستاذ إلى عام ١٩٥٩.. لم يقم بما قمت به، ولا دخل بيت نجيب محفوظ!

المجالس المحفوظية
لكن الحقيقة أن جمال الغيطانى، تغلغل فى حياة الأستاذ أو أن «الأستاذ» نجيب، قد «تغلغل» فى كل ثنايا حياة الغيطانى قبل أن ألتقى جمال بدستة أعوام كاملة على الأقل.. وأن الوشائج بينهما كانت «حزمة حميمة» من خيوط متداخلة ومركبة، ظلت من عام ١٩٥٩ تتنامى، وتتعمق، بل وتكاد تتمحور حولها أوضاع، دون أن يفكر الغيطانى فى تسجيلها كتابة، إلى أن فكر الغيطانى أن يخرج من ثنايا دواخله، بعضا من خيوط الحزمة الحقيقة.. العلاقة بين الأستاذ نجيب والغيطانى، كانت محفوفة برقائق إنسانية، وكثير من المحبة العميقة التى كانت تجعل الغيطانى، يعز ويعف أن يتكلم عنها أو يعرضها للإعلام، أو يتباهى أو يزهو بها.. كان الغيطانى يترفع بهذه العلاقة، ويعلو بها إلى حد أقرب ما لا يضاهيها.. حتى إنه آثر كتمانا مقصودا، ولم يقرر أن يفرج عن بعض ما سجله أو دونه عن الأستاذ نجيب، إلا بعد بدء العلاقة بعقود طويلة.. كان «الأستاذ» و«صورته»، فى قلب. قلب الغيطانى.. الحفظ والصون.


كان الغيطانى يدون بعد عودته إلى البيت، خلاصة ما سماه «المجالس المحفوظية»، أو المجالس التى تباينت أماكنها منذ بدأت فى عام ١٩٥٩ على مقاهى القاهرة وشوارعها وحواريها على مدار عمر، وشملت كل شىء من الكتابة والسياسة والفتوات والعلاقة بالحاكم والفن، والتى كانت فى البداية تقتصر على اسم أو اثنين ثم اتسع نطاقها نسبيا، إضافة إلى مجموعة من اللقاءات، ثم اللقاءات التى تم تسجيلها قصدا، كل يوم إثنين من صيف عام ١٩٧٨.. وفى الحالتين يجد القارئ نفسه إزاء «نجيب» و«لب» نجيب و«جوهر حياة»، بل وفلسفة نجيب! وكثير من مفاتيح «رؤيا نجيب» فى الحياة والكتابة، والتى سوف أوردها دون تدخل، كما دونها الغيطانى، وأوردها على لسان الأستاذ نجيب، ليستمتع القارئ بالولوج إلى كنهها، وإن اضطررت فلمجرد الإيضاح.



تيمور والبلاميطى
سبتمبر ١٩٩٢
عندما صدرت روايتى «رادوبيس»، سنة ثلاثة وأربعين، عن لجنة النشر للجامعيين، أهديتها لكثيرين، من ردوا علىَّ شاكرين كانوا أربعة فقط: محمود تيمور، وأحمد باكثير، وزكى طليمات، وعادل كامل أطال الله فى عمره.. ودعانى محمود تيمور إلى غذاء فى مطعم على حسن، القريب من الأوبرا.. كان معنا زكى طليمات، صديق تيمور، وكان ذا شهية مفتوحة، مكنته من أكل مطعم على حسن كله!


كان تيمور نبيلا، والده أحمد تيمور باشا الباحث الكبير، لكنه كان يميل إلى معايشة أولاد البلد.. عرف عنه حبه لمطربة جديدة وقتها اسمها ملك، وكانت خنفاء قليلا، تدخل إلى المسرح تحمل «معزة» وكنا نتساءل: من يغنى فيهما؟! هى أو المعزة…؟!


ونضحك من قلوبنا ويضحك معنا ثم يكمل:
كانت قصصه رائدة تمهد الطريق، كان يحب الكتابة والشوارع وأبناء الطريق، غير أن رؤيته كانت نظرة سائح عابر.. فى صباح أحد الأيام ذهبت إلى مقهى الفيشاوى مبكرا.. كان المقهى فى ساعات الصباح جميلا، هادئا.. وجدت محمود تيمور يجلس إلى رجل اسمه البلاميطى، وكان البلاميطى ضخما، خشن الصوت، حافيا، كانا يفطران معا: فولا وبصلا أخضر، ويتحدثان كأنهما صديقان منذ أول العمر.. لفت نظرى نهم محمود تيمور فى البصل، اقتربت منه وسألت: «هو ما فيش مقابلات مع الملك النهارده!!».


 
أين المسودات؟
ديسمبر ١٩٩٢
سألنا الأستاذ عن مخطوط «أصداء السيرة الذاتية»، أجاب «أرسلتها إلى الأهرام».


أبدينا انزعاجا.. كانت الأصداء قد نُشرت مضطربة فى الأهرام حيث اختل ترتيبها، وسقطت مقاطع عديدة لم تُنشر، وظهرت فكرة إعادة النشر فى أخبار الأدب. قال «توجد صورة من المخطوطة». عدنا نسأل: «لكن الأصل؟». قال إنه أرسله إلى الأهرام ولا يعرف مصيره.


فى أمسية أخرى قال لنا إنه لم يعتد الاحتفاظ بمسوداته، كانت لديه أصول خطية لرواية عن لاعب كرة قدم، لا يعرف أين هى الآن، ورواية عن الريف لم تُنشر، لكنه يذكر أن المخرج خيرى بشارة حصل عليها، وربما تكون المخطوطة عنده الآن.


تحدث فى أمسية أخرى عن الأصل الخطى للثلاثية. لم تكن الثلاثية إلا رواية واحدة عنوانها «بين القصرين»، وكانت تقع فى نحو ألف وثلاثمئة صفحة من الفولوسكاب بخط نجيب محفوظ، كان لديه نسخة واحدة لأنه لم يكن هناك آلات تصوير وقتها.. وكان محفوظ يدفع بأصوله الخطية إلى المطبعة.. ذهب بها إلى السحار الذى قال له «إيه الداهية دى.. حانشرها ازاى!».


خرج محفوظ إلى الشارع حزينا، يكلم نفسه، تاركا المخطوطة عند الناشر.. بعد نحو عام اتصل به يوسف السباعى، قال إنه سوف يصدر مجلة أدبية جديدة بعنوان «الرسالة الجديدة» وإنه يعرض على محفوظ إمكانية نشر رواية مسلسلة.. سارع محفوظ إلى السحار الذى لحسن الحظ كان محتفظا بالأصل الخطى الوحيد، استرده محفوظ وبدأ نشر «بين القصرين» مسلسلة، عندئذ اتصل به السحار وعرض عليه نشر الرواية فى ثلاثة أجزاء منفصلة.


يصف نجيب محفوظ مشاعره إثر ما قاله السحار بقوله (بعد أن كتبت عبث الأقدار وبداية ونهاية وخان الخليلى والسراب، وبعد أن انتهيت من الثلاثية، ذهبت بها إلى سعيد السحار، كانت الثلاثية رواية جديدة واحدة اسمها «بين القصرين».. ذهبت إلى سعيد السحار، نظر السحار إلى الرواية وقال وهو يقلب الصفحات: إيه ده؟ قلت رواية جديدة «بين القصرين».. قلب الصفحات الألف.. قال كيف أطبع هذا؟ مستحيل. مستحيل نشرها..


عدت إلى البيت فى منتهى الحزن.. كان فى مكتبى ثلاث روايات لم تُنشر، لكننى لم أضق بذلك أبدا.. لكن فى هذه الليلة حدث لى انهيار.. أبَعدَ هذا الجهد.. أبَعدَ هذه السنوات من العمل.. لا أستطيع نشر أعز عمل؟ مرت بى أيام يأس، وفى إحدى المرات كنت فى نادى القصة وتحدثت عن روايتى الضخمة التى فشلت فى نشرها وإذا بيوسف السباعى يطلبها منى.. جرى ذلك فى أبريل من عام ١٩٥٢، أى قبل الثورة.. كان من الممكن أن تضيع هذه الرواية.. بعد رفض السحار لنشرها شعرت بالإهانة.. كانت صدمة فظيعة لما قال لى «إيه الداهية دى؟!» انتشرت الثلاثية بسرعة، وكانت أول كتاب يروج لى خارج مصر فى سلاسل شعبية وتوالت الطبعات).



المقالات الأولى
نوفمبر ١٩٩٢
قال له الغيطانى إنه عثر على مقال مبكر كتبه قارئ من قراء مجلة الرسالة عن رواية «عبث الأقدار» بعد صدورها.


رفع نجيب رأسه فى الفراغ محلقا، قال: لا أذكر هذا.. لكننى أتذكر أول مقال كتبه عنى سيد قطب، وكان عن رواية «كفاح طيبة».. هذا مقال ممتاز، تلته سنوات صمت حتى كتب أنور المحلاوى مقالا آخر، وأعقب ذلك سنوات من الصمت أيضا.. يقول نجيب إن سيد قطب كان ناقدا أدبيا ممتازا، ولولا اتجاهه المتطرف لأصبح أهم ناقد فى مصر.


يسأله الغيطانى: هل كتبت عنه فى المرايا؟
يرد نجيب فورا:
«نعم بعض الأصدقاء اكتشفوا الأصول الحقيقية لشخصيات المرايا، لكنهم خلطوا للأسف بين عناصر الواقع والخيال.. هناك عناصر روائية عديدة أضفتها من عندى».


يقول الغيطانى إنه إبان الستينيات كانا يجلسان معا فى قهوة عرابى فى العباسية، عندما حدثه نجيب عن رغبته فى استدعاء بعض الشخصيات التى عرفها فى حياته، والكتابة عنها، ويعلق الغيطانى بأنها من المرات النادرة جدا التى تحدث فيها محفوظ عن عمل أدبى ينوى أن يكتبه.



زيارة لسيد قطب
يقول الأستاذ نجيب إنه «سنة أربعة وستين، وبعد خروج سيد قطب من السجن، مضيت إلى بيته فى حلوان لزيارته، دخلت غرفة الاستقبال، وجدته جالسا بين عدد من الذين لا أعرفهم، لحاهم طويلة متجهمين، جاءنى إحساس أننى فى مأتم، أردت أن أخفف من الجو، فأطلقت نكتة خفيفة ومهذبة، تطلعوا إلىَّ متجهمين، عندئذ أدركت أن سيد قطب الذى كنت أعرفه ليس هو الماثل أمامى، خرجت وغابت عنى أخباره حتى اعتقاله ومحاكمته».



نقد
ديسمبر ١٩٩٣
قال الأستاذ إنه بعد صدور رواية خان الخليلى، كتب أحدهم مقالا من وجهة نظر دينية، وكان المضمون: كيف يصاب البطل بالسُّل بعد التجاء أحمد عاكف إلى سيدنا الحسين وهو ابن بنت رسول الله؟!

 
أحلام
نوفمبر ٢٠٠٢
يسأله الغيطانى لماذا اخترت شكل الأحلام؟ هل لأنها تشكل شكلا فسيفسائيا جديدا؟
قال الأستاذ «منذ وهنت حواسى، كأن ستارا عميقا ضرب حولى، وباعد بينى وبين العالم، البصر لم أعد قادرا على القراءة، السمع أصبح ثقيلا، لا حديث فى الهاتف لا الثابت ولا المحمول، لا فرجة على التليفزيون، متعة المشى لم أعد أمارسها، لم أعد أذهب إلى الحسين، وألتقى بالناس وأجوس أماكن الذكريات.. عندما ينقطع الإنسان عن العالم، ينظر إلى داخله، يستعيد ما عايشه، يصبح الحلم بديلا عن الواقع، أحلم بأحداث وقعت وأحداث لم تقع.. أحلام بكتب قرأتها وأشعار حفظتها.. الأحلام التى أتذكرها صارت زادا ومعينا.. أستيقظ أحيانا فأجد أحلاما رأيتها واضحة جدا، أحيانا يتذكرها الإنسان وسرعان ما ينساها.. ما أكتبه تحت عنوان (أحلام فترة النقاهة)، عبارة عن نصوص أحلام كما رأيتها، وشذرات من أحلام رأيتها وأضفت إليها، وأحلام متخيلة».


يعلق الغيطانى: تذكرنى لغة الأحلام بـ«أصداء السيرة الذاتية»، لغة أقرب إلى الشعر.


يقول الأستاذ: الأحلام نفسها شعر.


يسأله الغيطانى: هل نشرت كل ما لديك؟
يقول الأستاذ: لا أنشر ما أكتبه دفعة واحدة، إنما على فترات، حتى أظل موجودا بالنسبة للناس، ما عندى من أحلام يغطينى الآن لعدة شهور.


يتساءل الغيطانى فى نفسه: هل ما زال «الحضور» يشغل الأستاذ؟ أعنى الحضور بالجديد.. إنه ود بإبداعه وحضوره.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات