.

من لطائف مجلس الثورة!

Foto

فى سبتمبر ١٩٥٢، اعتذر فتحى رضوان عن تَرؤُّس الوزارة ورشح سليمان حافظ، لكنه اعتذر ورشح بدلا منه عبد الرزاق السنهورى، وانتهى الأمر بتولى محمد نجيب الوزارة، ودعى رضوان للاشتراك فى الوزارة.


تحت هذا العنوان، يأتى حديث ذو شجون.

فى سبتمبر ١٩٥٢، اعتذر فتحى رضوان عن تَرؤُّس الوزارة ورشح سليمان حافظ، لكنه اعتذر ورشح بدلا منه عبد الرزاق السنهورى، وانتهى الأمر بتولى محمد نجيب الوزارة، ودعى رضوان للاشتراك فى الوزارة.

يقول: «ذهبت شاعرا بشىء من الضيق، منهشا من حالتى.. كان من الطبيعى أن أكون مبتهجا وسعيدا، سواء نظرت للأمر من جانب شخصى أو عام، فالوصول إلى الوزارة، شرقا وغربا من مراتب النجاح»، ولمَ كان الانقباض وخيبة الأمل؟ يقول: المساومات جعلتنى أنظر للأمور بالتشاؤم فى أعقاب ثورة ضخمة، لأننا لما كنا نتكلم فى تشكيل الوزارة كانت المطامع تظهر، سواء شخصية أو حزبية، ولما كنا ندعو الناس للوزارة لم نكن نرى أثرا للمبادئ، وبعد التشكيل بدا الأمر كأننا جمعنا نفرا من هنا وهناك، دون علاقة ولا صلة «جهاد سابق». بعض الوزراء لم يكونوا يعرفون حتى أسماء زملائهم، وبعضهم لو كنت قلت له قبل ساعة أنه سوف يشتغل بالسياسة لاستلقى على قفاه من الضحك!، ومنهم القادم من الاستجمام إلى الوزارة. لما دعيت إلى حلف اليمين، كنت أستكمل يوما منهكا دون راحة، تصورت لو أن الملك السابق قد استطاع أن يخترق الحجب ويرانى فى سترة بيضاء تثنى قماشها وترهل لطول ما جلست وسرت لخمس عشرة ساعة! كان الملك سوف يفجع، هكذا يرى رضوان، بل لعل خدم القصر كانوا أكثر أناقة منى!
جلس رضوان يكتب إلى مجلس الوصاية خطاب تأليف الوزارة، وعدة وثائق، ثم أدينا اليمين وتبادلنا التهانى، وغادرنا.


كانت جلسات الوزارة هادئة فى البداية، وقد أضفى محمد نجيب قدرا من هدوء روحه وإنسانيته، ولطفه.. غليونه فى فمه أو يداه منهمكتان فى حشو الغليون بالدخان. كانت جلسات مجلس الوزراء تبلغ فى طولها أرقاما قياسية.. من العاشرة صباحا إلى منتصف الليل، وقد صورت إحدى صور الكاريكاتير وزيرا وقد خلع حذاءه، يدخل بيته متسللا حتى لا يوقظ زوجته! وكان مما يترتب على طول الجلسات، أن يغفو وزراء أو يناموا، وكان وزير المعارف وقتها إسماعيل قبانى لا ينام فقط بل يسمع له «شخير»، وهذا لا يأخذ من تقييمه أو كونه عالما ومواطنا شجاعا، وكان رئيس الوزراء أحيانا يضطر إلى إيقاظ الوزراء من نومهم ليأخذ آراءهم فى المسائل المعروضة، ولذلك أصبح من الفكاهات المتداولة عبارة قلتها مرة، وهى «الموافق من حضراتكم.. يصحى»، بدلا من الموافق يرفع إيده.


لم يكن السهر مقصورا على الجلسات الرئيسية، بل كان يمتد إلى اللجان الفرعية، وكانت برئاسة جمال سالم. سهرنا حتى الصباح، ونام مندوبو الصحف الذين ظنوا أننا نناقش أمورا مصيرية، وكنا نناقش قانون المرور! ولما خرجنا من الاجتماع كان منظر مندوبى الصحف أشبه بصرعى الميدان، منهم من انكفأ على وجهه على منضدة نائما، ومن تمدد تحت ترابيزة، وفى هذه الليلة كانت المناقشات تتخللها الدعابات والفكاهات، وكان بسبب هذه السهرات يشاع أن وزراء الثورة متقشفون؛ لأنه لما حان موعد الغداء اقترح أحد الوزراء أن نطلب «طعمية وجبنة وخيار وفول مدمس»، ولم يكن الأمر مقصودا، لكن الموظفين تصوروه تقشفا، فلما حدث وطلبنا أنواع اللحوم المشوية، قالوا إن الوزراء بدؤوا بالطعمية وانتهوا إلى المشوياتى.

لم يكن المجلس يخلو من المصادمات الصغيرة التى منحته مذاقا.. فالدكتور عباس عمار عاتب زميله إسماعيل القبانى لأنه لم يرقِّ أحد أقاربه من كبار موظفى وزارة المعارف إلى وكيل وزارة، وكان رد إسماعيل قبانى «إننى لم أرقِّ قريبك لأنه منافق.. إن الناس تظن أننى محسوب على الدكتور طه حسين وأن له على أفضالا، وهذا غير صحيح، ولما كنت أعرف أن قريبك مدين أصلا لطه حسين ولأن بينى وبين الدكتور طه خلاف، فإن قريبك قد ظن أن تبرؤه من الولاء لطه حسين سوف يكسبه عطفى، وأنا أعلم أفضال طه حسين عليه، فقلت له لماذا تقول لى هذا؟ أنا أعلم أفضال طه حسين عليك ولا داعى لإنكارها لأن هذا لن يقربك منى ولن تترقى فى عهدى»!


حدث ذات مرة أن دار الحديث فى مجلس الوزراء حول شغل منصب شيخ الأزهر، فرشح أحدهم الشيخ الخضر حسين، وكان الخضر رجلا فاضلا وعالما واسع العلم، ترك آثارا أدبية ودروسا أخلاقية ترفعه إلى مرتبة المرشدين، لكن الرجل كان يعانى من شلل جعله يظهر أكبر من عمره، وقد رأى مجلس الوزراء أن يوفد ثلاثة وزراء إلى بيته ليروا حالته الصحية، وهل تسمح له بتولى المنصب الجليل، وكنت واحدا منهم، خرجنا سيرا على الأقدام وقد تعقبنا الصحفيون وكتبوا: ثلاثة وزراء يبحثون عن شيخ الأزهر.

كان الشيخ الخضر تونسيا يلجأ إلى البلاد العربية فرارا من الموت بحكم محاكم الاحتلال، وباشر فى مصر نشاطا تربويا تثقيفيا إرشاديا بأعلى مستوى، ولم أعرف طوال اشتغالى بالإشراف على الأزهر بوصفى وزيرا للدولة، رجلا يحمل استقالته فى جيبه كالشيخ الخضر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات