.

روايه شق الهوا -الفصل الاول

Foto

ماذا كانت تفعل وحدها فى غرفة الضيوف؟


الجمعة ٥ يونيو

 


هبه

 

حطمت اليوم نظارتى الطبية. أخذت بعدها أبحث مدة ساعتين عن النظارة الجديدة التى كنت اشتريتها منذ أسبوع من «فرانكفورت»، حتى وجدتها أخيرا فى غرفة الضيوف فى الطابق الأرضى.ماذا كانت تفعل وحدها فى غرفة الضيوف؟ حتى وجدتها أخيرا فى غرفة الضيوف فى الطابق الأرضى. ماذا كانت تفعل وحدها فى غرفة الضيوف؟ لم أستطع التذكر. صعدت إلى غرفة نومى. أنهكنى صعود السلم. وقفت أمام سلة المهملات التى تحتضن أشلاء نظارتى، وبدأت فى كسر النظارة الجديدة ببطء. كسرتها فى البداية نصفين، ثم بدأت أشد الذراعين حتى تفسخت أوصالها. لم أكن مغلولة، بل على العكس كنت أمارس طقس تحطيم نظارتى بسعادة كبيرة. خلعت بعدها الدبلة من إصبعى وألقيت بها هى الأخرى فى سلة المهملات. شعرت بقدر كبير من الارتياح وأنا ألقى بنفسى بعد ذلك على الكنبة. 


نظرت حولى، فلم أرَ تفاصيل الأشياء، تصاعد الضباب الخافت حتى فرش هواء الحجرة بالكامل. باتت كل الألوان باهتة، أما الحوائط فقد بدأت تتراقص قليلا. نظرت إلى الخطوط العربية بنية اللون فى الستائر العاجية فلم أتبينها بدقة. اكتشفت أنها أصبحت أجمل كثيرا، اختفى المعنى وتجسد التشكيل الباهر. شعرت أننى أنجزت اليوم ما يكفينى وزيادة. أستطيع أن أجلس دون فعل أى شىء بلا عكننة أو تأنيب الضمير. فلأشاهد التلفزيون: «جامعة القاهرة.. أناس ينتظرون حضور الزعيم». لينتظر غيرى. فهذا آخر ما أريد مشاهدته، بالإضافة إلى أن يسرى من ضمن هؤلاء الذين ينتظرون هناك. فيلم «الأستاذة فاطمة» يا له من فيلم لا معنى له أيضا! بل له معنى خبيث. ولكننى لم أغير المحطة فقد كنت مشتاقة لرؤية فيلم أبيض وأسود. رأيت المشاهد وكأنها ظلال سوداء تتحرك بصورة متقطعة. لا يهم. 
الأهم أننى لن أرى ملامحه بعد ذلك أبدا.


تذكرت فجأة أننى لم أعد مراهقة منذ فترة طويلة، وأنه لا علاقة بين خلع الدبلة وإلقائها فى القمامة. قمت وأخذت الدبلة من سلة المهملات ووضعتها فى خزانتى. أنا واثقة أنه لن يلاحظ. أصبحت بالنسبة إلى عينيه كائنا غير مرئى. كأننى ارتديت فجأة طاقية الإخفاء. الكارثة أننى أول من يشعر الآن بخلعها. على الرغم من أننى قطعت على نفسى ألف عهد أننى سوف أنسى أمرها تماما بمجرد خلعها. هل مسام إصبعى هى التى تضغط على جهازى العصبى؟ أم أن البصمة الغائرة هى التى تضغط على أعصاب أصابعى؟ زاد وزنى منذ زواجنا وبدأت الدبلة تخنق اللحم المكتنز. مثلى مثل ملايين الزوجات. يا لى من مملة!. بدأت بحركة غير واعية أدلك إصبعى بإبهامى حتى أملأ هذا الفراغ الذى يدغدغ مسام يدى. دخلت إلى الحمام للبحث عن أحد كريمات اليد. أمتلك منهم العشرات. وضعت الكثير من الكريم على يدى اليسرى وبدأت فى تدليك هذه الحفرة اللعينة.


ماذا فعلت كى تتحول حياتى إلى كابوس لا ينتهى صباحا كعادة الكوابيس؟! كيف تغير هو إلى هذا الحد؟!. بِتُّ لا أعرفه: كلماته، جمله، طريقته فى الحديث. كيف يمكن أن يتغير إنسان إلى هذا الحد؟!
قررت أن أحاول التركيز فى الفيلم. فى أى شىء. 


لم أعرف. أمسكت بالهاتف وبدأت فى استعراض الأسماء أمامى كعادتى ولكننى لم أتبين أى اسم. حاولت أن أبحث فى القائمة الرئيسية عن طريقة لتكبير الخط. ولكننى لم أرَ شيئا. رن الهاتف وظهرت صورته. كم أصبح قبيحا!. تحول وجهه إلى وجه خنزير. قررت ألا أرد. ولكننى لم أستطع. لم أتعود ألا أرد عليه. سمعت صوته بوضوح شديد. وكأنه يتكلم داخل أذنى. لماذا لم يضعف سمعى كما ضعف بصرى. 


لدىّ عشاء عمل مع عميل مهم.


هل تعرف، يا عزيزى، أننى كنت أعرف منذ اليوم صباحا أنك على موعد معها؟ تحمل ابتسامتك تشنجا عصبيا خفيفا، ولكنه ملحوظ فى جانب فمك الأيمن. تكرر كلامك لى أكثر من مرة: «هل سوف تخرجين اليوم.. هل سوف تخرجين اليوم.. هل سوف تخرجين اليوم؟» تضع عطرك المفضل، ثم تنسى. فتدخل الحمام ثانية وترش رشتين وأنت تغلق عينيك كطفل خائف. هل حقا لم تكن تعرف أننى أعرف؟


- وهل أعرف هذا العميل المهم؟


- لا.. شيخ سعودى سوف يفتح فرعا لشركته فى مصر وسوف يقوم مكتبى بالإجراءات القانونية.


- وأين سوف تتعشون؟


- لا أعرف؛ فمدير مكتبه سوف يقوم بإعلامى بالمكان فى آخر لحظة، سوف أتصل بك حينها.


هل هذه علاقة محترمة، يا زوجى العزيز؟ أصبحت لا أعرفنى. كيف أسمح لنفسى أن تعيش فى هذه الازدواجية المريعة. هل هذا ما تحبه لنا؟ هل أنا بهذا الضعف كى أسمح لنفسى أن أتشوَّه، أن أتغير، حتى لا أعرفنى.


قررت أن أفعل شيئا مجنونا. ناديت على كل الخدم فى المنزل. جاءوا جميعهم. طلبت منهم أن يخرجوا من المنزل وينتظروا خارج الأسوار ولا يدعوا أحدا يدخل حتى أخرج إليهم. سألتنى الخادمة الفلبينية مارى: «وهل أخرج أنا أيضا؟» أجبت بالإيجاب. نظرت من بلكونة حجرة نومى وانتظرت خروجهم، وعندما أغلقوا الباب، خلعت كل ملابسى ونزلت عريانة على سلالم المنزل. وبدأت أَدُور فى المنزل كله. حجرة السفرة وحجرة المعيشة وحجرات الصالون وحجرة الضيوف وجناح المطابخ. ثم خرجت إلى الحديقة وبدأت أتمرغ فى الحشيش. شعرت بملمس الطين الندى على جسدى. شعرت بالدَّوَار من كثرة ما دُرْتُ حتى سقطت فى بركة من الطين. نسى بكر كعادته خرطوم الماء وذهب ليشرب قدحا من الشاى لأتمرغ أنا فى الوحل. عشت حياتى أأنف من مجرد أن تتسخ يدى، وأنا الآن سعيدة وجسدى العارى فى الطين. أأنا داخل حلم مجنون؟ ماذا أفعل؟ لقد جُنِنْتُ ولا شك. ألقيت بنفسى فى حمام السباحة فشعرت بالماء يخترقنى. هى أول مرة أسبح فيها وأنا عارية تماما. ظللت طوال حياتى أحلم أن أسبح عارية. ها أنا عارية تماما كالسمكة فى الماء. شعور جديد على مسام جسدى. تدغدغنى المنطقة المحرمة التى لم ترَ أبدا النور. شعور بالحرية. شعور وجودى مختلف. ظننت أن سارتر كان مجنونا عندما كتب فرحا يدعو لإقامة مجتمعات العرايا. بدا لى الأمر جنسيا. ولكننى اكتشف الآن أنه ليس كذلك على الإطلاق؛ فالجنس علاقة بين طرفين، أما ما أشعر به فهو علاقة بينى وبينى. هذا العُرْىُ الفاضح تحت شمس يونيو الأكثر فضحا هو ضد الجنس. هو شعور بالتحرر من عبء. لماذا لم أستطع من قبل أن أسبح عارية؟ هل كان يجب أن أنتظر أن يسبح زوجى عاريا فى جسد امرأة أخرى؟


كتمت نفسى، وهبطت إلى قاع حمام السباحة، وفتحت عينى. انعكاسات الشمس على الفسيفساء الأزرق والنبيذى مبهرة. حاولى، يا هبة، أن تركزى ذهنك فى هذا الجمال. قوس قزح خاص بك وبالألوان التى اخترتها لحمام السباحة. لا، لم تختريها فقد اختارها يسرى كالعادة. ركزى فى انكسار الضوء واطردى انكسار الروح. لكن انتهى الأكسجين من رئتى قبل أن أطرد هواجسى الدفينة. لماذا لم أكن صائدة إسفنج؟ رفعت رأسى بعنف فوق الماء، وأخذت نفسا عميقا وهبطت إلى القاع ثانية. وفتحت عينى فرأيت وجه صائد الإسفنج. لا أتذكر اسمه ولم أكن أتصور وهلة أننى من الممكن أن أتذكر وجهه. رأيته جالسا فى قاع حمام السباحة، تفاصيل وجهه محفورة فى ذاكرتى كما لو كنت رأيته أمس. كنت فى الثانوية العامة. منذ ثلاثة وعشرين عاما بالضبط. كنت أسبح فى شاطئ روميل، غطست تحت الماء وفوجئت بسمكة آدمية تخرج من القاع. أخرجت وجهى من الماء فى لحظة خروج جسده من على سطح البحر. درفيل صغير يقفز فى الهواء لتقديم عرضا أمام الجمهور. تواجه وجهانا وهلة. عينى فى عينيه الخضراوين، أواجه وجهه بنى اللون. أنفه كان صغيرا، وجسده منتفخ العضلات. لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره. هى لحظة ثم غطس ثانية واختفى للأبد. ظلت هذه اللحظة محفورة فى ذاكرتى لسبب مجهول. عرفت بعدها أنه صائد إسفنج. يستطيع هؤلاء كتم أنفاسهم مدة تزيد على خمس دقائق. هل هذه فترة كافية لإخراس شياطينى؟ حلمت بوجهه كثيرا فى هذا الصيف. كان ملك جمال تائها فى غضاريف الإسفنج فى بحر مطروح. هل تعذبت ليلى مراد مثلى الآن عندما خانها أنور وجدى؟


الغريب أن هذه المرة لم تكن المرة الأولى. قد تكون الألف، يمكن بعد المليون. بدأ “يسرى” يخوننى منذ الشهر الأول من زواجنا منذ ستة عشر عاما. اعتدت خياناته كما اعتدت أشياء أخرى لم أكن أتصور أننى يمكننى تحملها. ولكن كل هذه الخيانات لم تجعله يوما بعيدا عنى. لم يجعلنى أشعر وهلة أننى لست الملكة المتوجة على عرش حياته. كان حاضرا دائما، يؤكد لى فى كل يوم مدى عشقه لى. يعرف تفاصيلى، أجده يحتضنها كلها بطاقته التى لا تنضب. بذلت أحيانا مجهودا لأعرف. وأدركت فى كل مرة أنها مغامرة تطول مدة الانتصاب وتنقضى. يعشق يسرى العاهرات. هذه المرأة التى تبالغ فى كل شىء: أحمر شفاه ثقيل، وذهب يلمع فى كل مكان، وملابس تليق بمصمم إيطالى مجنون. ويعلم أنه لا يستطيع الزواج من عاهرة. ولكن هذه المرة انتصرت العاهرة بكل قسوة. لم تنتصر عاهرته فقط على نظامه. ولكن انتصرت كل العاهرات، انتصرن لأنفسهن على مجتمع القاهرة. أصبحت أخرج معه لأكتشف أننى وحيدة وأن كل أصدقائه يحمل كل واحد منهم عاهرته فى سلسلة مفاتيحه. محمد جمال كان آخر من اتبع نظام الاشتراك الشهرى كبديل عن الخط. ادفع مبلغا شهريا لتغطية مصروفات الهانم وتصبح تحت الطلب أربع وعشرين ساعة فى اليوم. يدفع عشرة آلاف جنيه شهريا. يا بلاش! اشترى لها ملابس لائقة. ويخرج معها خمس أو ست مرات فى الشهر. وأحيانا يطلبها، لتكون معه فى غداء عمل. كانت لينا تجلس بجانبى منذ أسبوع فى فور سيزونز، أما عن يسارى فكانت تجلس عاهرة روسية. هذا انتصار حقيقى للعهر. وبدأ يسرى أول مرة يكره وجودى، وبدأت أنا الأخرى أكره منظره. سعيدة أنا بتحطيم نظارتى.

 

حامد

 

حلمت الليلة بلوحة «الموجة العظيمة» لهوكوساى Hokusai، الموجة زرقاء كالجبل يحفّها الزبد كأسنان الشيطان أو كألسنة اللهب، تبتلع الموجة العظيمة القارب الجميل الطويل الرشيق، ولا يظهر من البشر العالقين فى القارب سوى أيادٍ تسعى للإفلات من موت محقَّق، والسماء صفراء تتابع المشهد فى صمت. 


كنت أنا القارب مقبل على موتى.


لم يقرر «هوكوساى» فى اللوحة مصير القارب، فألسنة الزبد الجبارة لم تكن قد نهشت بأسنانها بعد جسد القارب.

 

استيقظت من نومى وجلست أفكِّر فى أى مدينة نمت بالأمس. نظرت حولى. فلم يساعدنى المشهد فى تحديد المكان. غرفة فندق خمس نجوم مثلها مثل كل الغرف التى سكنتها لليلة أو ليلتين خلال تصوير هذا الفيلم. استلقيت مرة أخرى على السرير وأغلقت عينى وتذكَّرت أننى فى الدوحة وأنه يوم الخميس.


نعم.. سوف أعود الليلة أخيرًا إلى القاهرة.


ما هذا الحلم الغريب؟ أتذكَّر الآن أننى كنت أسمع صوت الريح عاليًا، كان زمهريرًا يطرق فى ألسنة اللهب. عادة لا أتذكَّر أحلامى.


هل كل ذلك له علاقة بمغامرة الأمس؟ 


وما علاقة «هوكوساى» بممارستى العادة السرية. لم أكن حاولت أن أمارس العادة السرية منذ أن كنت فى المدرسة. دارت المناقشات حامية الوطيس بين زملاء فصلى كشريط سينمائى فى ذهنى. كنا نقف بملابس المدرسة الرمادية الزرقاء بجانب سلم المعمل فى حوش المدرسة الرملى ونحن نتجادل: هل ممارسة العادة السرية حرام أم حلال؟ كنا فى نهاية المرحلة الإعدادية أو فى الأولى الثانوية، لا أتذكَّر تحديدًا. تزعم زميلنا أشرف جبهة أن ممارستها حرام: كيف لا تكون محرمة ونحن نعبث بالمنطقة الحرام من أجسادنا؟ ويكفى اسمها «سريَّة». وتزعَّم طارق جبهة الحلال: لا هى زنى ولا هى نشر للرذيلة. وبما أننا لا نستطيع الزواج الآن فما العمل سوى ممارستها. ويكفى أن اسمها «عادة».
أتذكَّر طريقة طارق وهو يسأل أشرف وكأنه امتلك الحجة النهائية التى سوف ترفعه منتصرًا على سلم معمل العلوم: أيهما أفضل ممارسة العادة السرية أم ممارسة البغاء؟ أما أشرف ومجموعته فأعلنوا أن الصلاة والعبادة وذكر الله سوف تبعد عنا الشياطين، ولا حاجة لنا بممارسة هذه العادة المذمومة.


كيف يمكن للمرء أن يعود بالسنوات ويقبض على لحظة مر عليها أكثر من ربع قرن بكل تفاصيلها؟ لم أنضم إلى أىٍّ من الفريقين، فكل لديه وجهة نظر وجدتها منطقية. ولكننى قررت أن لا أمارس هذه العادة، لأنها لا تناسبنى شخصيًّا. شعرت دائمًا أنها منافية للطبيعة السليمة. وبالفعل لم أحاول فى حياتى أن أجربها. بالطبع كنت سوف أفشل ولا شك فى ممارستها الآن وأنا فى هذه السن، وباعتبارى لم أكن يومًا خبيرًا بها أو عليمًا بأسرارها. فخيالى فى هذا الأمر ناضب تمامًا كما اتهمنى زملائى فى المدرسة. لولا مهندس الكمبيوتر الذى وضع عددًا كبيرًا من الأفلام والأغانى كهدية من الشركة وأنا أشترى منه اللابتوب الجديد، وأضاف مجلدًا به عدد هائل من أفلام الجنس. قلت له، آنذاك، إننى لا أشاهد أبدًا هذه النوعية من الأفلام، فرد قائلًا: «لها يوم، فهذه الأفلام كالقرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود». وبالتأكيد الأمس كان هذا هو اليوم الأسود. بدأت فى مشاهدة فيلم أمريكى يمارس فيه رجل أشقر من أبطال كمال الأجسام الجنس مع ثلاث فتيات بيضاء وصفراء وسوداء.


منتهى السماحة. يا له من درس حقيقى فى تقبُّل الآخر، لا للعنصرية فى الأفلام الخليعة ونعم للعنصرية فى كل مكان آخر على هذا الكوكب. قررت أن أوقف ذهنى الواعى والمثقف وأن لا أهتم كثيرًا بعلم الأجناس، وبدأت فى الاهتمام بعضوى وهل يمكننى حقًّا أن أجعله يقذف وأنا وحدى. ظننت ذلك دائمًا مستحيلًا، فنحن مفطورون على العمل الجماعى. ولكن بفضل كبتى الجنسى، وتأوهات الثلاثى النسوى، استطعت أخيرًا القذف. كانت هذه أول مرة أيضًا أشاهد فيها فيلمًا إباحيًّا منذ أن كنت فى المدرسة، وبعدها الحلم والقارب وألسنة الزبد والعظيم «هوكوساى».
تلقّيت وأنا أفطر مكالمة من زينب:


- أهلًا يا زينب، واحشانى جدًّا.


- أين أنت؟


- أفطر فى الفندق.


- وحدك؟


- نعم.


- ما زال لديك عمل تنجزه


- نعم.


- مع مَن؟


- لقاءان وينتهى التصوير هنا.


- بالطبع لقاءات مع رجال.


- هاهاها.. للأسف.


- وماذا تفطر؟

 

نظرت حولى فلم أكن حتى أعرف ماذا يلتهم فمى.


- سلمون مدخن وجبن روكفور.


- يا سلام يا سلام. ملك زمانك. تعرف جيدًا أن تمتع نفسك. 


- وماذا تريدين أن أفطر سوى فى الفندق الذى حجزوه لنا دون اختيارنا، وأن ألتهم الأكل الذى يقدمونه فى هذا المطعم.


- ومتى سوف تعود؟ 


- وضعت صورة من تذكرة الطائرة على التسريحة فى غرفة النوم. ثم أرسلتها إليك وإلى الأولاد على الإيميل.


- أعرف، ولكن بما أننى أتحدث إليك الآن فمن الأسهل أن أسألك. 


تنهدت تنهيدة طويلة. 


لم تفهم أننى كنت أتمنى أن تتذكر وحدها موعد عودتى.


- الليلة أم غدًا؟


- الليلة


- يجب أن تتحمل مسؤولية الأولاد قليلًا. فبالطبع ارتحت أن تلقى على كاهلى كل المسؤولية وأصبحت طائرًا مغردًا. هل لك أن تبحث لى أنا أيضًا عن عش. 


- وتودين الإقامة فى أى غابة؟


- لا أريد غابات، فمصر ليست بها غابات. أفضل شجرة برتقال فى دلتا النيل. حامد أريد قدرًا من التحرر. أولادك يقتلوننى.
- أولادى عندما يقتلونك، وأولادك عندما تحبين. سوف أعود على أى حال مساءً ولنتحدَّث غدًا.


تحوَّل صوتها فجأة من الصوت المهاجم واللائم إلى الصوت العملى. تتحرَّك دائمًا بين الصوتين بسلاسة غريبة.
- أنا أحدّثك لأطلب منك أشياء يجب أن تشتريها للأولاد وبعض الأشياء لى. هل لديك ورقة وقلم؟


- من الأفضل أن ترسليها إس إم إس.


- اتفقنا.


- أريد أن أتحدث إلى الأولاد.


- نائمون. لعبوا بلاى ستيشن حتى وقت متأخر من أمس، فرحين أن اليوم إجازة. مع السلامة.
بعد أن كنت قد فرحت من رؤية صورتها على تليفونى، استطاعت أن تنهى حديثنا وقد ارتفعت نسبة العصارة الحمضية المركزة فى معدتى إلى درجة لا تحتمل. كدت أصرخ من ألم ضرب بطنى فى عنف. لم أكمل إفطارى. وسألت الله أن يجعل بالى أكثر احتمالًا وصبرًا.


أغمضت عينى فوجدتنى مسحورًا فى هيئة طائر أسود، تحتضننى شجرة بيضاء عملاقة، ولا أستطيع منها الفكاك.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات