.

على وصفية.. ‪ظهر الهلال وسمعت صوت القمر‬

Foto

خاض علِى يوسف تلك المعركة دفاعًا عن المفكر قاسم أمين وكتابه «تحرير المرأة».. ونُشر الكتاب كاملًا على مدى ستين يومًا على صفحات جريدة المؤيد


‪ قصة حب حقيقية جرت وقائعها عام 1904

رغم أن هذه القصة حقيقية فإن وقائعها أقرب إلى الخيال!
فقصة حب «علِى وصفية» لا تقل عن قيس وليلى، وروميو وجولييت، وعنتر وعبلة، وربما تتجاوز هذه القصص إثارة، فلا يمكن لأحد أن يتوقع نهايتها ولا مسار أحداثها؛ لأن النهايات التى تحدث على أرض الواقع لا يمكن أن تخطر ببال أكثر المؤلفين حِرفةً وخيالًا!

لكن «على وصفية» لم يكونا بطلين منفردين، بل شاركهما البطولة كثيرون، من بينهم الشيخ عبد الخالق السادات، شيخ الطرق الصوفية، والخديو عباس حلمى، واللورد كرومر، والزعماء مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول، وناظر الخارجية بطرس غالى، والمفكر قاسم أمين، والشاعر حافظ إبراهيم، والإمام محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا، وآخرون لا يقلون أهمية.

‬......


‪ 20 ديسمبر 1900‬
‪ ‬
عقب يوم عمل عصيب، وأرق شديد، ولقاءات عديدة، ونقاشات متعددة، واجتماعات طويلة وصاخبة فى التحضير للعدد الجديد من جريدة «المؤيد» حتى طباعته.. دخل علِى إلى مكتبه، وأحكم غلق بابه عليه، واتجه نحو كرسيه، وألقى بجسده عليه، ووضع عمامته أمامه، وأغمض عينيه ليريحهما، وقبل أن يغفو دق جرس هاتف الجريدة، ولم يكن أحد سواه فى المكان، فمد يده ورفع السماعة.
وأتاه صوت وصل إلى قلبه قبل أن يذهب إلى أذنه، صوت لم يسمع مثله قط، فصمت يتأمله، ولم يُعقب، فعاودت المُتصلة الحديث قائلةً بصوت خفيض ورقيق:
- ممكن أكلم الشيخ على يوسف؟ أنا صفية بنت الشيخ السادات.
- أنا علِى يا صفية.
- والدى يريد أن يعرف هل ظهر هلال شهر رمضان؟
- رد عليها بصوت ألقى عليه بثقله العاطفى قائلًا: إنتِ تحبى إيه يا صفية؟
فضحكت صفية، ولم تُعقب.
- لو تحبى رمضان بكرة خلاص اعتبريه بكرة، ولو عايزاه بعده.. بسيطة نخليه بعده.
فعلا صوت صفية بضحكة صافية خلعت قلب علِى، ثم قالت:
- ماذا أقول لوالدى؟
- قولى ما تشائين، وأنا أعدك أن أسحب المؤيد من المطبعة، وأكتب فى صدر الصفحة الأولى ما خرج من فيكِ دون زيادة أو نقصان.
- هل هكذا تعامل كل مَن يتصل بك؟
- لو أن كل مَن يتصل بى له صوت مثل صوتك من المؤكد أننى سأظل على الهاتف ما حييت.
- أنا عارفة أنك صحفى كبير وتجيد فن الكلام.
- ده حقيقى.. بس صدقينى ده مش كلام.. ده إحساس.
- إحساس!
- طبعًا، إحساسى بذبذبات صوتك العذب هو ما جعلنى أغامر بما أقول.
- تغامر! كيف؟
- نعم، أغامر بأن أبوح بكل شىء لمن لم أسمع صوتها إلا من دقائق معدودات، ولم أرَ وجهها قط، لكن صوتك أجبرنى على الخروج عن كل معقول ومألوف.
وهنا نادى الشيخ السادات على ابنته قائلًا: يا صفية، ماذا قال لكِ الشيخ علِى؟
- الشيخ السادات ينادى علىَّ ويسألنى: هل رمضان غدًا؟
- نعم، الليلة ظهرَ الهلال، رغم أنى سمعت صوت القمر.
وأغلقا الهاتف، ولم يغمض لهما جفن.
ودخلت صفية إلى سريرها، وجالت بخاطرها وتخيلت صورة ذلك الرجل الذى تعرفه مصر بأسرها، وتقرأ جريدته، وتعرف أنه الصحفى الأقرب إلى قلب الخديو عباس حلمى، وتسمع عنه من أبيها، لكنها لم ترَه من قبل.
وتذكرت صفية حكايات أبيها عن صاحب «المؤيد» ومعاركه حامية الوطيس، وتوقفت أمام أربع معارك كبرى خاضها:

المعركة الأولى: قضية التلغرافات
وقد تفجرت تلك القضية قبل أربع سنوات بسبب تلغرافات أرسلها السردار فى السودان إلى وزير الحربية فى مصر.
ونشر علِى يوسف على صفحات «المؤيد» تفاصيل التلغراف الذى يتكون من 566 كلمة، ويكشف عن تفشى مرض الكوليرا بين الجنود والضباط البريطانيين فى أثناء حملتهم على السودان، وذكر التلغراف بدقة شديدة أعداد وأسماء المصابين والمتوفين.
وصدر قرار من النيابة بمثول علِى يوسف أمام المحكمة، وذهبت جموع الشعب المصرى إلى المحكمة تضامنًا مع علِى يوسف فى مواجهة الاحتلال البريطانى‪.‬
وحاولت هيئة المحكمة بكل الطرق أن تُجبر «على يوسف» على ذكر اسم مصدر هذا التلغراف السرى، وهددوه بالسجن، لكنه ثبت ولم يتراجع، واضطر القاضى إلى أن يحكم ببراءته تحت ضغط الرأى العام، فحمله المصريون المحتشدون داخل القاعة على الأعناق حتى أخرجوه من المحكمة شامخًا.
ووقفت رموز مصر الوطنية خلفه، وفى مقدمتهم الزعيمان مصطفى كامل ومحمد فريد، وارتفع توزيع الجريدة بصورة لم تعرفها أية صحيفة أخرى خلال القرن التاسع عشر، وصارت «المؤيد» مقصد القوى الوطنية.

المعركة الثانية: تحرير المرأة
وقد خاض علِى يوسف تلك المعركة دفاعًا عن المفكر قاسم أمين وكتابه «تحرير المرأة».
ونُشر الكتاب كاملًا على مدار ستين يومًا على صفحات جريدة المؤيد، ودافع علِى يوسف عن الكتاب ومؤلفه، ووصفه بالكتاب الجليل، وتبنى أفكاره، وتوقع أن يكون هذا الكتاب مصدر تغيُّر عظيم فى أفكار الأمة، ينشأ عنه فى ما بعد تغير عظيم فى أخلاقها.
ويومها قامت الدنيا ضد علِى يوسف، وضد مؤلف الكتاب؛ لأن المؤلف طالب بتعليم المرأة، وذكر أن البُرقع ليس فريضة.
لكن سرعان ما تغير موقف علِى يوسف من الكتاب، فبعد أن احتفى به، صار يحتفى بمَن يهاجمونه ويعلنون الحرب على الكتاب ومؤلفه، وأفرد لهم صفحات لأيام طويلة، وذلك بعدما علم أن جناب الخديوِ لم يعجبه الكتاب، ورفض أن يهديه إليه قاسم أمين، بل إنه بسبب هذا الكتاب أصدر الخديو عباس قرارًا بمنع قاسم أمين من دخول قصر عابدين!

المعركة الثالثة: حرية الصحافة
وقد بدأت هذه المعركة على صفحات المؤيد حين دافع علِى يوسف عن حرية الصحافة، وكتب يقول: «إنها السلاح الوحيد فى يد الوطنى بعد أن استولى الاحتلال على كل نفوذ فى الحكم بواسطة المستشارين، ولم يبقَ حُرًّا فى مصر سوى الصحافة فهى موضع أمل كل مصرى‪.‬
لكن «علِى» عاد وانقلب على حرية الصحافة وكتب يقول: «إننا إذا ذكرنا نعمة حرية الصحافة، فلا ينبغى أن ننسى النقمة التى حصلت علينا من جراء هذه الحرية، فقد كان سُلطاننا الأعظم، وخديونا المعظم، وأمراؤنا، وعظماؤنا كرامة مقدسة، وحُرمة أبعد منالًا من العنقاء، ثم ماذا جرى على تلك الكرامة وهذه الحُرمة من تلك الحرية؟».
واستطرد «علِى» قائلا: «إن الذى يعد الصحف فى البلاد يجدها تربو على المئة، ولكن الذى يستقصيها قراءةً لا يستطيع أن يتم من بينها عشرًا يحسبها من نعمة الحرية، والبقية الباقية جريمة الحرية لا تغتفر، ولو أن (المؤيد) وأمثالها من الجرائد المفيدة لم توجد الآن، ولا تلك السموم القاتلة وآلات الفساد التى تقطع أوصال الأمة فى كل طبقة من طبقاتها، لَكانت البلاد أسعد حالًا، وأنعَم بالًا، وأحفَظ لنعمة أسمى مكانة من هذه الحرية بدرجات».

المعركة الرابعة: زعماء الحركة الوطنية
وقعت هذه المعركة بعد أن قرر الخديو عباس حلمى أن يجزل العطاء لـ«على» وصحيفته؛ لتصبح لسان حال القصر ويَد الخديو التى يضرب بها أعداءه فى الداخل والخارج، وتحولت صداقته الحميمة بـ«مصطفى كامل» إلى عداوة مفرطة.
وصار أصدقاء الأمس أعداء اليوم.
ولم يعد ممكنًا أن يستمر مصطفى كامل فى الكتابة فى صحيفة المؤيد بعد أن منع علِى يوسف نشر مقالاته التى يرسلها من باريس أكثر من مرة حتى لا يُغضب الخديو، وبالتالى لم يعد هناك سبيل أمام مصطفى كامل سوى أن يؤسس جريدة جديدة تقاوم الاحتلال، وتواجه القصر، وتجمع الوطنيين الذين انصرفوا عن الشيخ علِى يوسف، الذى صار وطنيًّا خديويًّا -مثلما وصفه الزعيم محمد فريد- لا يتحرك إلا بناءً على توجيهات الخديو، وقد استقر الأمر على أن يكون اسم الجريدة «اللواء».
ودفع الشيخ على يوسف ثمنًا باهظًا لتلك المعارك والخلافات والتحولات، لكن صفية رأته بعين المُحب، فلم تشغلها معاركه عن الصوت الذى أدفأها فى تلك الليلة الباردة، وملأ عليها آذانها، وتسلل إلى قلبها.
ونامت صفية وهى تحلم بـ«على» الذى ملأ الدنيا بسيرته.
لكن «على» لم ينَم، وظل حتى الصباح يفكر كيف يرى وجه صفية؟ هل يمر أمام بيتها علَّه يلمحها وهى تطل من خلف النافذة؟ هل يذهب إلى بيت والدها بعد صلاة العشاء ليحتسى معه الشاى، ويرى ابنته التى تحمل الصينية؟
استقر «علِى» على الحل الأخير، واتصل بالشيخ السادات، وطلب مقابلته ليتحدث معه فى بعض الأمور العامة، ورحب الشيخ بزيارته، وأذن له.
وفى اليوم التالى حضر علِى وجلس مع السادات وطلب شايًا، وبعد دقائق جاءه الشاى فوق صينية من الفضة تحملها أنامل حريرية، وحين رفع بصره إلى مَن تحملها شعر وكأنه فى زيارة خاطفة إلى الجنة، وها هى الحُور العين تُقدم له شايًا، فهى بيضاء تسر الناظرين، وعيناها عسليتان، وشعرها بُنى يميل إلى الصُّفرة، والحُمرة تكسو خديها، وخصرها ممتلئ، والخجل يغلف صوتها، ورقتها تظهر فى الكلمات القليلة التى تنطق بها.
وقاطع الشيخ السادات خاطر علِى قائلا له: «اتفضل الشاى.. هذه ابنتى صفية يا شيخ علِى.. كانت قد كلمتك فى التليفون».
ثم نظر إلى ابنته قائلا: اقعدى يا صفية.
وعاود السادات الحديث مع علِى قائلا: «أنا متعود أنها تقعد معايا فى لقاءاتى مع الكبار، ودائمًا ما آخذها معى إلى الجلسات العامة حتى تكون على علم ودراية بما يجرى، وحكيت لها كثيرًا عنك، يا شيخ علِى، وعن معاركك فى (المؤيد) وعن صاحبك قاسم أمين وأفكاره الجديدة اللى بتفق معاه فى بعضها وبختلف معاه فى البعض الآخر؛ يعنى أنا -مثلًا- مع تعليم البنات، ومع إن البرقع مش فرض زى ما الإمام محمد عبده قال، لكن فى الوقت نفسه أنا مش مع المساواة بين الرجل والمرأة.. الست ست، والراجل راجل».
هنا نظر علِى إلى صفية وسألها: إنتِ بتقرئى المؤيد يا صفية؟
فأجاب والدها: صفية بتقرأ باللغتين العربية والفرنسية، وأنا أحضرت لها خصيصًا اثنين من المدرسين إلى البيت لتتقن اللغتين بصورة تامة، لكن ما زال أمامها الطريق طويلًا، وبحاول أخليها تقرأ الكتب الجديدة ونتناقش فيها.
وبدأ الشيخ السادات حديثًا حول ما يجرى فى البلد، وارتفاع الأسعار، وما يفعله الاحتلال البريطانى، وتبادلا الحديث لأكثر من ثلاث ساعات، ثم استأذن علِى يوسف بالانصراف.
وغادر بيت السادات بقدمه، لكن قلبه ظل معلقًا بالبيت ومَن فيه.
ومرت عدة أيام، ثم فوجئ علِى بزيارة غير متوقعة من الشيخ السادات باعتباره أحد كبار مشايخ الطرق الصوفية إلى دار المؤيد لحضور جلسة لمناقشة بعض القضايا العامة وعلاقتها بالدين.
ولم يحضر السادات بمفرده وإنما جاء وفى يده اليمنى ابنته صفية، وجلسا لساعتين، لكن صفية التزمت الصمت، وظل علِى يختلس النظر إليها طوال الحديث.
وانتهت الجلسة، وسلَّم «علِى» على صفية ووالدها، ودعاه أبوها إلى تكرار زيارته إلى منزله.
تعددت زيارات على يوسف إلى بيت الشيخ السادات بدعوة من صاحب البيت حينًا، وبمبادرة من علِى فى أغلب الأحيان.
وبدأ علِى يُفكر فى الطريقة التى يُصرح بها بحبه إلى صفية، وفكر فى البداية فى أن يقول لها إنه يحبها حين يخرج والدها من الغرفة للرد على الهاتف، لكنه تراجع، وخشى المواجهةَ لأنه لا يأمن رد فعل صفية.
واستقر رأيه على أن يبوح لها بحبه من خلال خطاب، وجلس «علِى» على مكتبه، ووضع القلم فى المحبرة، وسحب ورقة بيضاء من درج المكتب، وبدأ يفكر فى ما سيكتبه، وقرر أن يأخذ حذره حتى لا يقع المحذور، ويقع الخطاب فى يد والدها، فلم يكتب اسمه على الخطاب، وصاغه بصيغة المذكر:
(أخى العزيز الأعز..
أرجو أن تكون رسائل عينَىَّ قد وصلتكِ، وأن يكون السرور الذى ملأ قلبى فاض على قلبك، وعلمتِ أنكِ المقصودة أولًا وآخرًا من كثرة زياراتى لوالدك، ولا تلومى علىَّ فى ذلك، فجميع أفكارى وأميالى وآمالى محصورة فيكِ، سواء صدقت أم لم تصدق.
وأرجوك أن تراجع قلبك، وتكتب لى خطابًا، والسلام على روحى التى هى أنت فى حياة طيبة أفندم.
معلوم).
وجند «علِى» خادمًا يُدعى مرسى، يعمل فى بيت الشيخ السادات، وائتمنه على سره، وحذره مما يمكن أن يفعله فيه إذا لم يُسلم الخطاب لصاحبته، ووعده بأن يمنحه من المال ما لا يتصوره إن أنجز المهمة على أفضل حال، وحفظ السر، ونفذ المطلوب.
وذهب مرسى إلى بيت السادات، وانتظر حتى تكون صفية فى غرفتها بمفردها، وطرق الباب، وسمحت له بالدخول، فأعطاها الخطاب، وأبلغها أن صاحبه ينتظر الرد على أحر من الجمر، فارتبكت صفية ولم تعرف ما عليها أن تفعله، ثم قالت بنبرة حازمة للخادم: مفهوم.. انصرف.
وعادت إلى سريرها، ووضعت وسادتها خلف ظهرها، وأمسكت بالخطاب، وقرأته حرفًا حرفًا، وضمته إلى صدرها، ووضعته تحت وسادتها، وحاولت أن تنام لكن النوم خاصم جفونها، فقامت وجلست على مكتبها، وكتبت كلمات قليلة مشوبة بالحذر لتُرسلها إلى «علِى»، وبعد أن كتبت كلماتها وضعتها فى ظرف، وخبأت الخطابين تحت ملابسها، ونامت.
وحين استيقظت صفية ذهبت إلى منزل صديقتها الإنجليزية، وروت لها ما جرى مع «علِى»، وطلبت منها أن تلعب دور رسول الغرام بينهما، وأعطتها خطابها، وطلبت منها أن تسلمه إلى علِى فى يده.
واستجابت الصديقة، وأخذت معها شقيقتها، وذهبتا إلى دار المؤيد وطلبتا مقابلته، وقابلهما فى مكتبه، وأحضر لهما مشروبًا دافئًا، وشكرهما على نُبلهما، وبعد أن انصرفتا، أمسك الخطاب وقَبَّله ثم فتحه ليقرأه:
(حضرة المحترم..
حظيت بكتابك الكريم، وقد فهمت ما شرحته، وانشرح قلبى به، وأنتظر حضوركم إلى منزلنا يوم الخميس، وأُرسل لكم التحايا والسلام.
معلوم).

الحلقة القادمة
علِى يتقدم لخِطبة صفية

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات