.

أكتب لكم من تنظيم القاعدة .. «١-٢»

Foto

كيف اعتمد «داعش» على التطهير الداخلى وتوسَّع فى اتهام المواطنين بالعمالة والجاسوسية؟ لماذا كل من يستقلّ عن دولة «داعش» يصبح مرتدًّا فى نظرهم ويجب قتله؟ ما تفاصيل قتال «داعش» للفصائل الأخرى وذبح أعضائها؟


المذكرات التى كتبها الشاب المصرى، أحمد سامر، ونشرها على صفحته الشخصية، وهو الذى ذهب للقتال فى سوريا، وكان شاهدًا على الأحداث الجسام التى وقعت هناك، مسلطًا الضوء على تجربة دولة البغدادى التى رآها بنفسه وسمع شهودها، شعورًا بالمسؤولية تجاه شلالات الدماء التى لا تزال تجرى بأرض المسلمين، وفق قوله، ستفسر لنا تفسيرًا حياديًّا ما جرى بين الفصائل المسلحة فى سوريا والعراق، وما يجرى من تنظيم داعش، وعلاقاته بالمواطنين على العموم، وأتباع التنظيمات الأخرى على الخصوص.


أحمد سامر محمد السيد أحمد حسن أبو جبل، مصرى، كان يسكن فى القاهرة فى زهراء مدينة نصر، عمارة 1133، شقة 44، منذ 18 سنة، يعتنق الفكر السلفى، وتخصص فى مجال السياسة الشرعية على يد محمد الصاوى بالإسكندرية، وسامح عباس بطنطا، وطه نجا بالدقهلية.


عمل سامر خبير تسويق وإدارة أعمال، ودرب نحو 20 ألف متدرب، وفق قوله قبل أن يذهب للقتال فى سوريا ويسمى بـ«صليل الصوارم».


يقول سامر: هذه المذكرات كتبت بعدل وإنصاف وحيادية تامة.. وأعاهد القارئ ألا تؤثر قناعتى على سردى الأمين للأحداث وسرد شهادات الشهود.. سأبذل وُسعى فى كتابة كل ما للدولة وما عليها، وقد بذلت وسعى فى التواصل مع شهود عيان وقادة لا أحصى عددهم (من الدولة ومن خصومها) كى أوثق شهادتهم وحرصت على أن أتثبت قدر استطاعتى حتى كنت أبحث للقصة الواحدة عن أكثر من طريق وأحسبنى أجريت شيئًا من قواعد الجرح والتعديل فى مذكراتى هذه، ولأن طعن المحدثون فى بعض أحاديث البخارى فلا يخلو الأمر أن أكون قد كذبت ساهيًا أو ناقلًا، وهذه الشهادة على التاريخ مختلفة فعادة يكتب الشهود شهادتهم بعد الأحداث، ولكنى أكتبها من قلب الحدث حتى أشرك القارئ (المنصف) الذى سيثريها فلا شك أن بعضكم رأى ما لم أره وشهد ما لم أشهده، ومجرد كتابة هذه المذكرات هو خطر كبير على حياتى بدون مبالغة وقد اغتيل فى هذه البلاد من هو أفضل منى أعزل، ولكن (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) سأكتب ما أدين به لله تحت هذا القصف وأنا أقرب للمَغرم منى للمَغنم، وللعلم فاقتناعى بكتابة شهادتى زاد تدريجيا، ولكن بلغ ذروته فى لحظة فارقة فى تاريخ الجهاد السورى (التدخل العسكرى للتحالف الغربى) فقد أدركت منذ اللحظة الأولى أن أبرياء سيهلكون وأن دفة التعاطف ستتحول (وقد كان) وأن مرحلة تاريخية جديدة دخلت على الخط فجأة دون أن نوثق سابقتها بعناية، والأخطر: أن من يحلل مواقف (اليوم) يحللها بمعزل عن (الأمس) وما فيه من جذور فكرية أثمرت وأينعت اليوم وما زال ينتظرها غدٌ.

 

مع جماعات الشام المسلحة
كانت تلك مقدمة سامر لمذكراته الهامة، والتى استكملها بالحديث عن كيفية التحاقه بالمقاتلين فى سوريا، حيث قال: التحقت بالثورة السورية مبكرًا -منذ سنتين- على يد أخى وحبيبى المجاهد الداعية الخلوق الشهيد -نحسبه كذلك- أبو معاذ همام رحمه الله، وكان جلّ عمله مع حركة أحرار الشام.. وبما أننى ضيف على همام فقد وجدت نفسى محاطًا بهذا التنظيم، وبعد 40 يومًا قدمت فيها بعض خدماتى لهم فقد قررت الاستقلال التام وعدم الانتماء لأى فصيل، ومما أستحسن ذكره أن هؤلاء الأحرار عند الدولة «داعش» (مرتدون)، وما لاحظته هو حدوث تغير فكرى رهيب لأغلب شرعيى الأحرار وقادتها فى الفترة الأخيرة، وتحديدًا قبل أشهر قليلة من حادثة استشهاد القادة، وأستطيع أن أقول، بل أجزم أن ثورة فكرية كبيرة حدثت (لعدد كبير) من قادة الأحرار وشرعييها على أفكار التيار الجهادى ورسالة أبو أيمن الحموى (نحو منهج رشيد) خير دليل على ذلك.


ويضيف: قررت أن أنطلق لأشاهد وأخدم الجهاد مع فصائل أخرى، وبدأت أدرس فى بعض الفصائل دورات فى التنمية البشرية، ولاحظت أن الإخوة متباينون جدا فى أفكارهم، ولكن كان هناك نوع من الشباب له لهجة ذات نبرة تكفيرية عالية، تتكرر على ألسنتهم كلمة (مرتد) أكثر من غيرهم، وكنت أتجنب هؤلاء الإخوة ولا تستهوينى حواراتهم فقد شبعت منها منذ أكثر من 15 سنة وقرأت أغلب أدبيات التيار الجهادى والحركى الإخوانى والمنهجى السلفى وأصبح لا يستهوينى إعادة المعاد، وتكرار المكرر، وبعد تأسيس الدولة بقرابة سنة كنت كلما سألت على أحد أصحاب هذه النبرة العالية كان يأتينى الخبر بأنه التحق بالبغدادى.


يصف سامر كيف وقعت المعارك بين «داعش» والفصائل الأخرى، فيقول: بدأت مشكلات الدولة مع الكتائب الأخرى عقب الانفصال الشهير بينها هى و«النصرة» (4 - 2013) أى حتى قبل زمن طويل من إعلانها الخلافة (6 - 2014) وعندما حدث هذا الانفصال ظهر جليا أننا أمام مسارين فى المناطق التى نسيطر عليها، المسار الأول: يمكن تسميته 
بـ(التطهير الداخلى الفورى) وهذا المسار اختارته الدولة ويقتضى القضاء العاجل على العملاء والجواسيس وبذور الصحوات المنتشرين بيننا ورجال الجيش الحر، والحق أن أغلب من اتهمتهم الدولة بهذه التهم (فى البداية) كان ينطبق عليهم هذا الوصف ووضعت كلمة (فى البداية) بين قوسين، لأنها توسعت بعد ذلك فى إلصاق هذه الأوصاف توسعًا عجيبًا هيج الجميع ضدها.


المسار الثانى: وهو مسار جميع المجموعات الأخرى تقريبًا، ويرى أن التطهير الداخلى له فاتورة باهظة، فالمفسدون كُثر، وكذلك بذور الصحوات ورافضو الشريعة واستعداء هؤلاء الآن يفتح علينا جبهة مرهقة، إضافة إلى أن أغلب هؤلاء لهم شوكات وعُصب عشائرية ولاؤها للقبيلة، والمساس بأحد أبنائها ربما أقام القبيلة كلها، أو عصابات مفسدة سارقة مسلحة تلبس لباس المجاهدين وتظهر بصورة الكتائب الثورية، لكننى أشهد أيضًا أن أصحاب المسار الثانى قاموا بمواجهة بعض المفسدين والمندسين، ولكن كان هذا فى حدود ضيقة. 


هنا أتت واحدة من اللحظات الفارقة، لحظة تحول كبيرة فى تاريخ الثورة السورية ومفترق طرق أدى لانفجار عدة أحداث، فالدولة قد اختارت التخلص الفورى من (العدو القريب) بينما اختارت باقى الفصائل الفراغ من (العدو البعيد) أولاً فقد أدركوا أن مسار الدولة سيفتح معركة داخلية كبيرة غير معركة النظام، وإضافة لمعركة قد بدأت ضد مشروع الأكراد، ويلحق بهذه النقطة نقطة أخرى شديدة الالتصاق، ألاوهى: (هل نبدأ الآن بتطبيق الحدود أم نتمهل؟)، ومرة أخرى رأت الدولة ضرورة استعجال هذه اللحظة، بينما رأى الآخرون أن الوقت لم يحن بعد، وهنا أذكر واقعتين: حدثنى أحد الأصدقاء وهو قاض بإحدى المحاكم الشرعية التى أسسها بعض الفصائل أنه اعتزل القضاء واعتذر عن استكمال العمل بالمحكمة، فلما سألته عن السبب قال: نقضى ولا تنفذ أحكامنا (يقصد أنه لا توجد قوة أمنية شرطية حقيقية قادرة على تنفيذ الحكم)، وقد كان المكون الفكرى والشرعى لشباب الدولة فى جزئية (استقرار وأمن المناطق المحررة) كان يدفعهم تجاه فكرة واحدة هى: تأسيس دولة مستقلة والانفصال بها والسيطرة عليها ونزع السلاح من جميع التنظيمات بها عدا الحكومة، ولا سبيل لاستتباب الأمن إلا بهذا، وإلا فسيعيش كل مفسد وجاسوس بيننا معتمدًا على شوكته.
أما أصحاب المدرسة الأخرى فكانت رؤيتهم كالتالى: لا داعى لأنْ تنفصل ببقعة من الأرض وتؤسس عليها دولتك وتستعجل عداء رافضى الفكرة. يمكنك أن تضم قوتك لقوة المحاكم الشرعية واللجان الأمنية، بحيث يتفرق دم المجرم بين الفصائل دون اصطدام بالحاضنة الشعبية ونمر بسلام من مرحلة الحرب مع النظام، وبعدها ستأتى مرحلة تأسيس الدولة بطريقة طبيعية، وكان رد الدولة دائمًا على هذا الطرح يتلخص فى: إذا لم نفعلها الآن فلن نفعلها أبدًا.

نفسية ما وراء القتل


يقول سامر: إن دولة «داعش» أطلقت الرصاص على المقاتل أبو عبيدة البنشى وقتلته، لأنه كان قد وُجد ضمن مجموعة من أعضاء منظمات إغاثية من جنسيات غير سورية وتحديدًا من جنسيات شرق آسيوية، ولقد كانت الإفادة قد جاءت إلى أعضاء هذه المفرزة الأمنية بأن ثمة أجانب من جنسيات شرق آسيوية يتجولون فى مناطق سورية وبصحبتهم سوريون، وتحركت المفرزة الأمنية ضمن خطة معينة، وقاموا بنصب حاجز فى طريق المشتبه بهم وتم إيقافهم على الحاجز بالفعل، ثم سؤالهم عن هوياتهم، ثم طلبوا منهم اصطحابهم إلى جهة معينة للتحقيق معهم والتأكد من سبب وجودهم على الأراضى السورية، ولقد كان أحمد نينال (أبو عبيدة البنشى) قد أخبرهم عند سؤالهم الأول بأنه عضو فى حركة أحرار الشام.. تم اعتقال أحمد نينال ومن معه واصطحابهم فى سيارة بصحبة اثنين من الأمنيين، ثم إنهم وفى طريقهم إلى مقر التحقيق حدثت ملاسنة كلامية بين أبى عبيدة وأحد الأمنيين الذى كان يجلس بجوار السائق، مما أدى أولًا إلى إنزال أبى عبيدة من مكانه فى المقعد الخلفى للسيارة ووضعه فى حقيبة السيارة الخلفية، ثم بعد ذلك، وبعد أن اخترق أبو عبيدة غطاء الحقيبة الخلفية من داخل السيارة وبدأ يتكلم من جديد مع مرافقه من أحد أعضاء المنظمة الإغاثية الذى كان معه فى السيارة فكان أن رآه صاحب السائق من الأمنيين وتشاجروا من جديد وتم ضربه فى هذه اللحظة على رأسه بقبضة المسدس، مما أدى إلى سيلان الدم من رأسه، ثم تم إنزاله بعد ذلك من السيارة وهو يقاوم مقاومة شديدة وحاول انتزاع بارودة أحد الأمنيين بالقوة، فكان أن عالجه أحدهم برصاصات فى الفخذ اليسرى أدت إلى توقفه عن المقاومة ووقوعه على الأرض، وبعدها قُتل. 


وتابع: للمرة الثانية قتل بعض شباب الدولة شخصًا آخر من الأحرار هو محمد فارس وكنت حينها فى مدينة حلب بجوار المشْفَى الذى وقعت فيه الواقعة تمامًا، وهو كان مصابًا وفى غيبوبة بالمستشفى، وبلغ بعض شباب الدولة أنه شيعى فذبحوه وقطعوا رأسه وألقوا خطبتهم الشهيرة ممسكين برأسه فى أحد شوارع حلب، وعلى فرض أن محمد فارس كان شيعيا فعلا فمن أعطاك الحق أن تذبح مصابًا دون استئذان المستشفى؟ وكيف ذبحته بهذا القدر القليل جدا من المعلومات ودون سؤال المستشفى بعناية عن بياناته الشخصية التى-بسهولة جدا- كانت ستقودك للحقيقة؟ بالفعل كانت هناك دوافع نفسية وتأصيلات شرعية تؤصلها الدولة فى أنفس أبنائها، وتكوين دماغى هجومى مبالغ فيه من الجواسيس ومنظمات الإغاثة والأجانب.


وأكمل سامر حديث القتل عن مدينة صغيرة اسمها مسكنة، حيث قتل على علاوى وأحمد علوكة من رجال بشار الأسد، بالاشتباه، رغم أن المحكمة الشرعية لـ«النصرة» استدعتهما للتحقيق، وثبت براءة أحدهما.
يفسر سامر حوادث القتل التى يقوم بها «داعش» للفصائل الأخرى، فيقول: لاحظت من خلال تتبعى لنبرة وتصرفات شباب الدولة ثقة كبيرة، لعل مصدرها: شعورهم بأنهم دولة.. دولة لها ماض بالعراق.. وولى أمر له بيعة.. دولة لها سيطرة على مساحة كبيرة من الأرض يمكن الاحتجاج بها على الاعتراض الشهير الذى يقول (أنتم فصيل عادى من ضمن الفصائل)، وكذلك الثقة بأن التيار الإسلامى الآن أصبح يميل لفكرة الأبيض والأسود بدلاً من الألوان الرمادية خصوصًا بعد فشل التجربة الإخوانية بمصر، والاطمئنان لفكرة أن الناس ستفرح بالتخلص من بعض المفسدين (وفعلاً فرح أناس كثيرون بذلك) حكت لى امرأة أن أحد المجرمين بمنطقتها تحرش بها مرارًا وهددها بتشويه سمعتها إذا لم تمكنه من نفسها، وكان معروفًا بمجاهرته بشرب المخدرات وغيرها من ألوان الفساد إلى أن قتله شباب الدولة، وبارك الناس ذلك، وكذلك إحدى العصابات المشهورة بريف حلب (اسمه مشهور جدا) كان له حاجز معروف يأخذ عنده الإتاوات من الناس وكان يحتجز من يحاول مقاومته، وربما فتح النار على من لا يقف على حاجزه. 


وحكى لى أحد أصدقائى كيف اعتقله هذا الحاجز مرة وحكى لى عن وسائل التعذيب داخل حجز هذه العصابة وأيضًا أتت الدولة ونسفت هذا الحاجز وهذه العصابة نسفًا ولا يزال الناس يسيرون بأمان فى هذا الطريق.


وأضاف أن أتباع الدولة يثقون بأن شبابا كثيرا سيلتحقون بهم، لتعاطفهم مع فكرة تأسيس دولة إسلامية تجمع شمله وتحميه من ذلك التشرذم، أضف إلى كل هذا اجتماع الأسباب المادية أيضًا فقد ورثت الدولة من النصرة، تركة كبيرة من السلاح والمستودعات ورؤوس الأموال، وبالفعل بدأت الدولة بنصب حواجز لها فى أماكن كثيرة كى تشرف بنفسها على عملية استتباب الأمن والقبض على المفسدين، وهنا بدأت الرياح تجرى بما لا تشتهى سفن الدولة، وحدثت أول واقعة قتل. 


لا تصدق أبدًا أخى أن أحدًا احتك بالدولة فى تلك الفترة، بل الثابت أن الدولة كانت محل تكريم وترحيب خلال تلك الفترة وأكثر من قتلتهم لاحقًا وكفّرتهم هم أنفسهم من استقبلوا شباب الدولة، بل وأعطوهم مقرات مجانية للإقامة، وأنا أشهد والله -وهذا مشهور- أن أهل الشام أكرموا أتباعها إكرامًا لا يوصف حتى كنت أقول (ليتهم يعاملون بعضهم كما يعاملوننا).

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات