.

«ليالى أوجينى».. الإبداع يكمن فى التفاصيل

Foto

هل صحيح أن جمهور المسلسل من النخبة وحسب؟


قليلة هى تلك المسلسلات التى تجبرنا أن نعايش تفاصيلها، ونتحرك بتفكيرنا ضمن أحداثها، تماما كما يتحرك أبطالها على الشاشة، وفى السنوات العشر الأخيرة، لم تنطبق تلك الشروط سوى على عدد قليل من المسلسلات، أعتقد أن «ليالى أوجينى» حجز لنفسه مكانا بينها، والحقيقة أن عوامل تميز المسلسل عديدة، لعل أهمها اهتمام المخرج هانى خليفة بأدق التفاصيل، والتعامل مع كل لقطة فى المسلسل كأنها لوحة فنية جاذبة للعين، ومتسقة مع المنطق، حيث تدور أحداثه فى الأربعينيات من القرن الماضى، فجاءت كل مفردات الديكور فى المسلسل، ولا سيما ملابس النجوم التى صممتها مصممة الملابس ياسمين القاضى تنتمى إلى هذا الزمن الجميل، دونما أى خطأ، وهو رهان صعب، خصوصا أن مسلسلات أخرى ارتكب صناعها أخطاء زمنية قاتلة، رغم تناولها لأحداث معاصرة.
وتدور قصة المسلسل المأخوذة عن فورمات إسبانى، والذى كتب له السيناريو والحوار بمفردات الزمن الجميل كل من إنجى القاسم، وسما عبد الخالق، حول الحياة الاجتماعية لمجموعة من الأشخاص الذين يعيشون فى مدينة بورسعيد، ويرتادون تياترو أوجينى، والذى سمى على اسم إمبراطورة فرنسا التى وجهت لها دعوة حضور افتتاح قناة السويس، فعشقت مصر، وعادت للعيش بها فى آخر حياتها، ومن ضمن هؤلاء الأشخاص «فريد» الذى يلعب دوره ظافر العابدين، والمتزوج من زوجة أخيه المتوفى «عايدة» والتى تقوم بدورها اللبنانية كارمن بصيبص، لكن أزمته أنه يعيش حياة فاترة بلا حب، وما بين حزنه على أخيه التوأم، وعدم قدرته على تبادل المشاعر مع زوجته التى فرض عليه الزواج منها من أجل أن يربى ابنة أخيه الصغيرة -كعادة المصريين فى تلك الفترة- يعيش الدكتور «فريد» حالة من التيه حتى يقابل كريمة التى تقوم بدورها الفنانة صاحبة الوجه المعبر أمينة خليل، فيبدأ يهتم بأمرها وتنشأ بينهما مشاعر تقودهما إلى الحب، لكنه حب بلا أمل، فكريمة تخفى هويتها عن الجميع، حيث هربت من القاهرة بعد تورطها فى جريمة قتل زوجها، الذى لعب دوره خالد كمال، والذى استطاع رغم مشاهده القليلة فى بداية الحلقات، أن يجسد بتعبيرات وجهه القوية، وملامحة الحادة صورة الزوج القاسى الذى يستعبد زوجته، ويضربها، بل ويحرمها من صغيرتها، وهو ما دفعها لقتله.
وبعيدا عن الخط الرئيسى الذى تدور حوله أحداث المسلسل، فهناك العديد من الخطوط الدرامية التى لا تقل أهمية عنه، والتى أداها أبطالها بإتقان شديد، وبشكل أقرب إلى إعادة اكتشاف الذات مع كل دور، ومن بين هؤلاء الأبطال، الفنانة ليلى عز العرب، التى تقوم بدور الأم المتسلطة والمتحكمة فى أمور كل من حولها، ولا سيما ابنها عزيز الذى أدى دوره الفنان مراد مكرم بعذوبة شديدة، وبسلاسة متناهية، يشعرك معها أنه يمثل كما يتنفس، كما أن قصة حب «نعمات» العاملة البسيطة فى الفندق، التى لعبت دورها انتصار، و«صدقى باشا» صاحب الفندق الذى أدى دوره القدير بطرس غالى حازت على قدر كبير من التعاطف، رغم الفروق الاجتماعية بينهما، والتى لا يقبلها المجتمع فى الواقع، لكنه يرحب بها على الشاشة، ويتفاعل معها، بل ويتمنى لها أن تنتصر.
أما نجمة تياترو أوجينى، ومطربته «جليلة» والتى أدت دورها أسماء أبو اليزيد، فيمكن وصفها بحالة متفردة من الإبداع، والنضوج المبكر، لذلك تشبه وقفتها، وطريقتها فى الغناء على مسرح تياترو أوجينى الفنانة سعاد مكاوى، بكل ما تحمله من شقاوة ودلع.
ورغم كل عناصر النجاح تلك، بالإضافة إلى كونه مسلسلا يغرد خارج السرب، حيث لا عنف، ولا مطاردات ضمن أحداثه، فإن تتر المسلسل الذى غنته نسمة محجوب، وكتب كلماته أمير طعية، ولحنه هشام نزيه يظل علامة قوية على تفرد المسلسل وتميزه، وحتى الموسيقى التصويرية المرافقة لأحداث المسلسل، والتى تحمل قدرا كبيرا من الشجن المناسب لكل عناصره، لكن مشكلتها الوحيدة أنها ترتفع كثيرا فى بعض المشاهد، بشكل يجعل من الاستماع إلى الحوار أمرا صعبا، خصوصا مع انخفاض صوت ظافر العابدين.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات