.

الخوف من مفيد أبو الغار

Foto

كان هذا هو سر متابعتى الجديدة لمسلسل «الراية البيضا» حتى أفهم ما يريده هذا الأب من أولاده.. كل حلقة أتأكد أنها قصة الفيلا فقط لا شىء.. وهى أيضًا قصة البيت فقط لا شىء


متابعة دراما أسامة أنور عكاشة تجعلك تتأكد أن معظم أبطال هذا الكاتب الكبير من الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة أيضًا. هو لا يكتب لأصحاب المناصب، دائمًا هم جزء من دراما عكاشة ولكن ليسوا أبطالها، بينما «مفيد أبو الغار» فى «الراية البيضا» الذى قام ببطولته الفنان الرائع جميل راتب هو عكس ذلك، هو السفير صاحب الفيلا الذى يدخل صراعًا شرسًا مع «فضة المعداوى»، حتى إن أسامة أنور عكاشة ومحمد فاضل، لمحا فى تتر البداية أنها حرب عالمية جديدة.. ولكن ما علاقة مفيد أبو الغار بى؟!

هادى عبد الحميد هو بداية الحكاية، هادى صديقى منذ الصف الأول الإعدادى حتى «الثالث» الإعدادى، كل منا انتقل إلى مدرسة ثانوية  فى مكان مختلف، وتجمعنا مرة أخرى فى الجامعة، كان نموذجًا للشاب الملتزم فى كل شىء، تتمنى أن تكون بجانبه طول الوقت.
وبعد فترة بدأت علاقتى به تكبر، إذ كنت أذهب كثيرًا إلى بيته للمذاكرة، وهو الأخ الصغير لأخ وأخت بنحو بعشرين عامًا، وهما متزوجان، بينما يعيش هو مع والديه، وفجأة يقرر الوالد الانتقال إلى شقة أخرى أمام النيل مباشرة.. سألته باستغراب: «ليه نقلت؟»، رد وهو مهموم تمامًا: «ماعرفش».
انتقلوا من شقة تمليك إلى شقة إيجار، والأغرب أنه بعد مرور ما لا يقل عن 6 أشهر انتقلوا مرة أخرى، ولكن هذه المرة إلى قريتهم فى البيت الكبير الذى يمتلكه والده، فالبيت فى موقع متميز جدًّا، فى واجهته يرى الطريق الرئيسى للقرية، وفى الخلف يرى أراضى زراعية، وبنى والده مسجدًا صغيرًا فى أرض بجانب البيت، كما أنه من أعلى البيت ترى مقابر القرية.
وفى أول زيارة له فى هذا البيت الكبير وبسؤالى الطبيعى: «ليه نقلتم؟»، كان رده غريبًا: «بابا قال لنا لن أكون مثل مفيد أبو الغار؟!»، ضحكت بشدة، وقُلت له: «وإيه علاقة مفيد أبو الغار بالبيت ده؟! يا ترى فيه هنا فضة المعداوى حتى تجعلكم تبيعون البيت بالقوة والتخويف والإرهاب؟! ولا ده منزل أثرى؟! ولا ده منزل مطمع لرجال الأعمال؟!»، وكان رده الغريب الآخر: «لا هوّه خايف إن نكون إحنا فضة المعداوى فى يوم من الأيام، ولهذا قرر أن نعيش هنا، حتى نتعود على الوجود الدائم هنا وأن نتمسك بالبيت مثلما هو تمسك به».
جلست كثيرًا أفكر كيف لهذا الأب أن يفكر بهذه الطريقة؟ كيف خاف أن يكون أولاده هم فضة المعداوى فى المستقبل؟ لا أنكر أنه كان رجلًا له من الهيبة والمكانة داخل بيته، حتى داخل عائلته، تجعل الكل يراه كبيرًا لهم، ولكن هل لهذا الحد أثرت فيه قصة «الراية البيضا»؟! هى قصة حقيقية كتبها أسامة أنور عكاشة، ولكن الفيلا التى كان عليها هذا الصراع مختلفة تمامًا عما يراه هذا الأب فى بيته.
كان هذا هو سر متابعتى الجديدة لمسلسل «الراية البيضا»، حتى أفهم ما يريده هذا الأب من أولاده. كل حلقة أتأكد أنها قصة الفيلا فقط لا شىء، وهى أيضًا قصة البيت فقط لا شىء، ولكن الأعداء مختلفون ولا توجد أية علاقة بين فضة وهؤلاء الإخوة الملتزمين أخلاقيًّا.
نعم لا توجد أية علاقة بين الفريقَين فى المسلسل، لا فريق مفيد أبو الغار الذى كان معه الفنان التشكيلى هشام أنيس (هشام سليم)، ولا الصحفية أمل (سمية الألفى)، ولا مدرس الفلسفة عربى (هادى الجيار)، ولا حتى مدير المنزل مطاوع (محمود الحدينى)، ولا الجانب الآخر من الصراع فضة (سناء جميل)، ولا المحامى أبو طالب (محمد متولى) ولا حمو (سيد عزمى).
ظل ذلك اللغز بالنسبة إلىَّ حتى توفيت والدة صديقى ثم والده، ثم بدأ الحديث عن بيع البيت الكبير.
كان الكلام فى بدايته حديثًا عن أن البيع سوف يأتى بمبلغ كبير، ثم بدأ الحديث عن أن البيع ضرورة للجميع، ولكن كان صديقى هو الرافض لذلك البيع، إذ وقف ضد إخوته وضد البيع، وكان يعيش فى البيت وحيدًا، وقال لى بصورة واضحة إن أباه نجح فى أن يجعل هذا البيت جزءًا من شخصيته وحياته، ولهذا قرر هو الدفاع عن البيت وأن يقف أمام إخوته حتى لا يُباع، وقال لى وهو مستغرب جدًّا: «فاكر لما قُلت لك إن أبى مش عايز يكون مفيد أبو الغار، فأنا دلوقتى اللى باقول لك لن أكون جزءًا وشريكًا فى قصة بيع البيت، وأنا الآن اللى هاكون مفيد أبو الغار، وهاقف وأدافع عن حلم أبويا طول عمرى».
ومع الوقت استطاع صديقى أن ينجح فى ما لم يستطع مفيد أبو الغار أن ينجح فيه، إذ أقنع إخوته بعدم البيع، وظل يعيش فى البيت وتزوج وأنجب، حتى إنه أخذ دكتوراه فى مجاله وهو لا يزال فى القرية وفى البيت نفسه، فهو يرى أن وجوده فى البيت يمنع أى أحد من التفكير مرة أخرى فى البيع.
هنا فهمت سر والده، مفيد أبو الغار كانت مشكلته أكبر، لهذا كان نجاحه يحتاج إلى قرارات سلطة عليا، أما هذا الأب فمشكلته صغيرة، لهذا قرر أن يجد الحل وهو حى يُرزق، حتى لا يتحول منزله إلى قطعة أرض خالية، وكان الحل فى أن يترك المدينة ويذهب للإقامة فى البيت، وقد جعل أحد أبنائه منتميًا إلى الشىء الذى يحبه، حتى لا يرى وهو فى قبره «بلدوزر» يهدم بيته الكبير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات