.

كوبرى سيدة الطعمية

Foto

الزحام عليها يوم الجمعة كان يجعل مَن يتحرك من مكانه «سم» واحدًا ينزلق إلى مياه الترعة العميقة


طريق الكيلو متر يبدأ من عند القرية الأم، بكوبرى يفضى إليه، كان فى البداية كوبرى مستطيل الشكل، أسمنتيا تماما لا طوبة فيه، حتى جوانبه، بمرور الزمن كان يتكسر الزلط والأسمنت، وتظهر أسياخ الحديد منه، يعلق فيها الأطفال ملابسهم فى أثناء استحمامهم فى الترعة التى يمر فوقها الكوبرى، وقد كانت متسعة وعميقة على عكس ترع كثيرة فى قرى أخرى، غرق فيها أكثر من شخص فى توقيتات مختلفة، مياهها كانت دائما زرقاء نهارا، صافية، غير ملوثة، تبدو بريئة وتغرى بالسباحة، لكن من ينزلق إليها صدفة ودون تركيز، يغرق حتما.

سرعة جريان المياه كبيرة فى الترعة النظيفة نسبيا، قياسا إلى أنها تأتى بالمياه من منبع أنظف وهو ترعة الإبراهيمية التى يخرج منها بحر يوسف والذى يصل المياه بين أسيوط والفيوم، كانت توهم الصغار بأنها بحرا وليست ترعة عادية، هذا أيام ما كان فى البلاد مياه تسقى الزراعات، ووقت أيضا ما كانت هناك زراعات وليست كتلا أسمنتية أخرى.
المقاهى على الطريق الذى يحاذى الترعة مباشرة، كانت تستغلها صيفا فى أن تضع عددا من كراسيها وجلساتها لكى تطل على المياه الرقراقة، ويعتبر الجالس فى المكان أنه على شاطئ ريفيرا ريفية، لا يطؤها الناموس الذى يقتات على من يجلسون بالبيوت.
تعرف الترعة لدى وزارة الرى بـ«السواحلية»، ونظافتها وعمقها كانا أمرين هامين دوما، والكراكات تعمل فيها لوقت طويل، تنظيفا وتعميقا، وأجزاء الترعة التى تقع حول كبارى دائما كانت مناطق يتم تضفيرها بالأحجار، ما يشعر الناظر إلى مياه الترعة وقت انعكاس الشمس عليها، أنه ينظر إلى مياه البحر الأحمر!
إجازة نصف العام الدراسى، تعنى أن المياه فى الترعة ستنقص، ستتحول أرضيتها العميقة إلى مستنقعات، فى كل جزء منها تجمع للمياه، يمتلئ بالأسماك، وبشراكة بين كثيرين، كان يتم إنشاء سدود طولها متران من طين الترعة نفسها، يفصل بين السدين بطول الترعة نحو 20 مترا على الأقل، ويفتح أكثر من مستنقع على بعضهما وتصبح المياه ارتفاعها نحو متر ونصف بين السدين، وتبدأ عملية كانت تستغرق يوما كاملا لصيد الأسماك تحديدا وأكثرها «القراميط» التى تجمعت بفعل فتح المستنقعات فى بعضها البعض، وحبس المياه بالسدين.
انتهاء الصيد معناه، «قفف» ممتلئة بالأسماك، وأناس وجوههم وملابسهم ملطخة بالطين، لا يمكن أن تميز واحدا منهم عن الآخر، وبيوت تعرف جيدا أن عشاءها الليلة.. سمك.
الكوبرى عرضه لم يكن يتعدى 3 أمتار، وطوله نحو 12 مترا، يمكن للواقف على أحد جانبيه، أن يتابع الحركة بين بحرى وقبلى القرية، إلى جانب منه يقع موقف القرية إلى المدينة، والواقفون عليه إما من «العطالى» أو المنتظرين، فهو محطة رئيسية لكل منتظر لصديق، أو منتظر لفتاة ستأتى من المدينة فى أحد الميكروباصات، أو ستخرج من بيتها وتركب إلى المدينة، ملتقى مواعيد العشاق باختصار.
مثل الكوبرى جحيما خصوصا يوم الجمعة، فالقرية سوقها الرئيسى يعقد فى هذا اليوم على جانبى الكوبرى، يفترش الباعة منذ الواحدة من صباح الجمعة الكوبرى، ما يعنى تقسيمه إلى متر للباعة على اليمين، ومتر للباعة على اليسار، ومتر للمارين فى السوق ومن ينتقلون على جانبى القرية، فى العاشرة إلى الثانية عشرة ظهر الجمعة كان عبور الكوبرى يستغرق ربع ساعة كاملة، أكثر من 10 أشخاص يمرون إلى جانب بعضهم البعض فى نفس اللحظة وفى المتر الواحد.
حين تصل إلى نهاية الكوبرى من الناحية التى تقع فيها بيوت أقل للقرية، وقبل بداية طريق الكيلو متر، تجلس سيدة خمسينية، تغطى مكانها بشمسية، تضع عدتها نهاية الكوبرى وعلى محاذاة من الترعة، تجلس السيدة أسفل شمسيتها الكبيرة لتصنع الطعمية.. الطعمية فقط لا غير، مرت السنوات طويلة وعنيدة، فقيرة وغنية، ولم تغير هذه السيدة ما تبيعه ولم تضف عليه شيئا.. فقط «الطعمية» والعيش، وإن لم يكن هناك عيش تبيعها منفردة.
طعميتها شهيرة جدا، كل من رآها ممن يسكنون خارج القرية يتعجبون أن هذه طعمية، فما يعرفونه عن هذه الأكلة هو أن لونها على الأقل أخضر، وبها كثير من الخضرة، شبت وبقدونس، لكن سيدة القرية ومفتاحها، تصنع طعمية لونها أصفر كما الشمس بالضبط، لم تضف لها السمسم أبدا، ولا تعرف طعميتها أى مكونات أخرى غير العجينة الأساسية التى تبدو سرا، والبيض، لم يصل شخص آخر فى أى مطعم إلى سر طعميتها، الذى يجعل من الزحام أمرا عاديا ومكونا أساسيا لصباحات القرية.
لديها أحجام مختلفة من الطعمية، من تلك الصغيرة التى تصلح للساندويتشات، وحتى العجة التى تصلح لكى تكون وسط إفطار كبيرة لعائلة، للعجة تحديدا شروط، وسعرها فى التسعينيات كان يتراوح ما بين 5 إلى 10 جنيهات! حسب الحجم، وحسب من سيأتى بالبيض، إذا كان الزبون سيتكفل به فسعرها سيقل، والعكس إذا كان البيض من سيدة الطعمية الصفراء.
الزحام عليها يوم الجمعة، كان يجعل من يتحرك من مكانه سم واحدا ينزلق إلى مياه الترعة العميقة.
تُعرف السيدة باسمها مباشرة، على عكس نساء القرية اللاتى يُعرفن بأسماء أولادهن، لم أعرف يوما أين زوجها؟ سألت ذات مرة إن كان متوفيا؟ فقيل لى إنه حى يُرزق، ففهمت أنها من تتكفل برعاية الأبناء، وتنفق عليهم من بيعها الطعمية.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات