.

كانت وتدًا.. كان وجيهًا

Foto

حتى أقاربهم وأصدقاؤهم وأنسابهم لم يتركوهم.. كانوا يتناوبون الزيارات بانتظام.. عزاء مفتوح ودعم صادق متواصل.. شهور لم تتوقف فيها حركة المعزين وصوت القرآن وفوران البُن


غرفة صغيرة لكن رحبة، مظلمة لكنك تستطيع بداخلها تحسس الرؤية، تستلقى بها الأم صاحبة السبعين عامًا من الدراما المكتملة المشاعر والمأساة، تتمدد فى ظلام الرؤية وسواد الملبس بنصف وعى، تستفيق من وقت لآخر تتحدث عن أيام مضت، تحديدًا أيام رُزقت فيها مولودها الثانى، تتذكر تفاصيل دقيقة لأيامها معه رضيعًا وحابيًا، تتحدث بسلاسة وأنين وتغرق فى النوم.. تصحو مرة أخرى لتوصى بأشياء قليلة ودقيقة تقطر فطنة وحكمة وتغرق فى النوم، لم يكن نومًا بالمعنى المريح المعتاد، فقط تغمض عينَيها لترى لا شىء إلا الأسود من اللون، فقد فقدت كل رغبة لرؤية النور، بينما جسد حبيبها ساكن فى الظلام، تتذكر بدقة ما حدث، تحكى تفصيلًا المشهدَ الذى جرى ليعلن النهاية، نهاية وليدها الشاب ونهايتها معه ونهاية مرحلة مهمة لعائلة كبيرة.

تسرد الأم فى وصف مضنٍ صحوتها فزعةً فى إحدى ليالى رمضان على صوت ابنتها تصرخ وتستغيث أسفل بيتهم وطرقات خائفة مستمرة على الباب، تفتح لتجد جارها العجوز ذا الوجه التقِى السَّمح، متلعثمًا ينظر إليها، مترددًا يحاول إبلاغها: «أصل أحمد تعبان شوية وفى المستشفى».
- «تعبان! هو فى المستشفى، وأخته تحت بتصرخ ليه؟».
ينظر الجار أسفل قدميه، تسأله فى ثبات وظهر مستقيم وعيون متسعة: «هو مات؟».
يرد بالصمت، فقط الصمت متحاشيًا وجهها.
ترد فى يقين وسلام واستسلام: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
كانت هذه الآية هى آخر ما تفوَّهت به عن وعى مكتمل.
اعتاد أبناؤها الأربعة على الالتفاف حولها وحول موائدها العامرة السخية الشهية الممتلئة بكل ما صُنع من غالٍ وزهيد والمطبوخ بيدها المحبة ونفسها الذواقة البشوشة. فنجان من القهوة بيديها وفى صحبتها كان حياةً، يستحق الصحو لأجله كل يوم، كانت دائمًا للجميع الملجأ والملاذ والأمان، بحر الدلع وكف الراحة، مصدر القرار والحسم والمرجعية، هى مَن ربَّتهم وحدها، أحبتهم وحدها، تحملتهم وحدها، سعدت بهم وحدها، وصبرت على مصيبة رحيل أحدهم وحدها.
كانت وتدًا.. وكان وجيهًا يستحق كل هذا الحزن، حاضرًا يستحق كل هذا الفقد، مرحًا يستحق أن تنتصف الحياة بعد رحيله إلى شقَّين. خمسة أشهر كانت الفاصل بين غيابه وغيابها بعده، فقد رجت ربها بإخلاص أن تلحق به، فاستجاب.
لم يستطع أحد منهم المُضى فى حياته مثلما كانت، الابن الأكبر والابن الأصغر والابنة الوحيدة وأزواجهم والأحفاد صاروا أكثر التصاقًا، يتمسك كل منهم بطرف الآخر كى لا يغرق فى الحزن وحده، كلهم مؤمنون، يعلمون قدوم الموت لا محالة لكنها الصدمة، اللوعة من فراق مَن كانوا يومًا بابًا للحب وصمامًا لأمان اعتادوا عليه واعتبروه حقًّا أبديًّا مكتسبًا، حتى أقاربهم وأصدقاؤهم وأنسابهم لم يتركوهم، كانوا يتناوبون الزيارات بانتظام، عزاء مفتوح ودعم صادق متواصل، شهور لم تتوقف فيها حركة المُعزين وصوت القرآن وفوران البُن، حالة حداد أمعن فيها كل منهم بإرادته وكامل رغبته.
شكل وضعت قواعده الابنة بعدما صارت، خلفًا لأمها، أُمًّا لأخويها وعمَّةً بمكانة الجدة، صارت صورة لأمها فى الحزن، لكنه الحزن الشاب.
تولَّت إدارة البيت الذى لم يقدم أحد على تركه اطمئنانًا، باتت تقدم لهم طعامًا وفيرًا يوحى بكرم موروث وأصيل ولكن بلا روح، طعامًا يؤدى الغرض ويلخص المهمة (مين له نفس ياكل؟!).. حرَّمت عليهم كل أطعمة المناسبات والاحتفالات، منعت عنهم كل ما به لمحة من مزاج أو نفس، تطهو ما لذّ من طعام على نهج أمها، توزعه على المحتاجين، ترجوهم أن يدعوا لأخيها، تتفنن فى طهى الطعام الذى يحبه وتطعمه للغرباء من الناس كى تهدأ، لم يلُمها أحد منهم، فقد فقدوا الأم والأخ والشهية.
على جانب آخر من كل هذا الحزن، جلست ابنتا الأخ الراحل.
شقيقتان تودعان المراهقة وتستقبلان الشباب بجمال خاص، بابتسامات رقيقة قد خلعت لتوها مقوّم الأسنان ليتركها مرصوصة لامعة مترقرقة كاللؤلؤ، ترتديان الأسود بأناقة ودقة، لم يُطلب منهما لبسه، فقط شعرتا به بداخلهما وحولهما، شعرتا به يغلف أيامًا قادمة كثيرة فارتديتاه.
ذاقتا معنى الحزن مبكرًا، مبكرًا جدًّا، لكن شعور الفقد أتاهم على مهل، شعور يزداد تدريجيًّا صاحبهم لسنوات، فى حينها لم يفهما بالضبط الذى يجرى، هل هو غياب نهائى حقًّا، بلا رجعة؟ أم صدمة موت الأب أم خضة الحصول على لقب اليتم؟ هل هو حزن على فراقه أم على نفسيهما؟
واجهتا كل هذا بالاستسلام، تجلسان بين العائلة فى صحبة الأم بهدوء، أصبحتا مركز اهتمام الجميع، كل مَن يدخل البيت يسأل عليهما أولًا، رغبة فى خدمتهما ورعايتهما من الكل أثقلت عليهما الوضع أكثر، كانتا تهربان بالجلوس فى أحد أركان نادى أبيهما المفضل.
وفى يوم شم النسيم، يوم تجمع العائلات على الموائد قوية المذاق واللذة، يزداد مؤشر الحداد فى بيتهما أيام الأعياد أكثر من العادة، تلجآن إلى نفس سيناريو الهروب بأسودهما الأنيق لركنهما الهادئ الذى طالما جلس فيه حبيبهما الغائب، يأتى إليهما صديق الشقيقة الكبرى، وهو يعلم الكثير.
يفتح شنطته الرياضية ويضع بين يدَى صديقته كيس طعام ملفوفًا بنظافة فائقة، تفتحه لتجد به رغيفًا من العيش البلدى شُق نصفَين، محشو بالرنجة المشوية والمفصصة بعناية وعليها قطرات من الليمون، تنظر إليه مندهشة مستفسرة، يجيب فى بساطة وتلقائية: «ماما اللى عملاه».
تقتسم ما أعطاها مع شقيقتها، تجلسان متجاورتَين، لا تستطيع أى منهما رؤية وجه الأخرى، لكنه ظلّ واقفًا، تراجع بضع خطوات إلى الوراء دون أن يبتعد، شاهدهما بينما تأكلان فى رفق وعلى مهل ولكن بحماس.. كيف لكل هذه الرقة أن تأكل بكل هذا النهم؟!
تأكلان بمتعة وشبق وعيون حزينة.
تنتقمان من ألم نافذ بقلوب حزينة.
تستقبلان الدنيا بقوة ورغبة ونفس حزينة.
تنتهيان من الطعام وشعور من راحة بدأ يسرى، تنظر إليه صديقته بابتسامة ممتنة وعيون على وشك أن تدمع بينما تنظر الصغيرة بعيدًا مستشعرة الحرج.
يحثهما على النهوض بصوت خجل وطيب، كى يستوقف لهما سيارة تقلهما إلى البيت قبل مُضى النهار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات